بعد 7 سنين من اختفائي
المكان من وهي صغيرة.
أما أنا وياسين
فكنا بنروح كل أسبوع للمركز مع بعض.
وفي يوم، وقفت قدام صورة والدي.
حسيت بدمعة نزلت على خدي.
ياسين وقف جنبي.
وحشك؟
قلت
جدًا.
مسك إيدي.
كان هيبقى فخور بيكي.
ابتسمت.
وأنا فخورة بيك.
بصلي باستغراب.
بيا؟
أيوه.
ليه؟
لأنك بعد كل اللي حصل، ماحاولتش تعوض السنين بالفلوس.
سكت.
عوضتها بالوجود.
ابتسم.
وبعدين قال
وإنتِ علمتيني إن أغلى حاجة في الدنيا مش المليارات.
إيه؟
بص للباب، حيث كان أولادنا واقفين يضحكوا.
إن الواحد يلاقي بيته مستنيه.
حضنته.
وفي اللحظة دي، فهمت إن العمارة اللي اشترها ياسين قدام بيتي من سبع سنين ماكانتْش مجرد صدفة.
كانت أول خطوة في طريق طويل رجّع لنا عيلتنا.
طريق بدأ بخوف.
مرّ بالفراق.
وانتهى بالمسامحة.
ومن يومها، كل ما حد يسألني
إزاي قدرتي تبدأي من جديد بعد سبع سنين؟
كنت أقول
لأن بعض الحكايات لا تنتهي عندما نفترق
بل تبدأ عندما نتعلم كيف نرجع لبعض بطريقة أفضل.
النهاية بعد سنتين، كانت حياتنا بقت هادية بشكل ماكنتوش أتخيله.
آدم بقى عنده اهتمام كبير بالبرمجة، وليان بدأت تدخل مسابقات رسم، ونور كانت بتحب تساعد الأطفال في المركز.
أما ياسين، فبقى كل يوم يرجع من شغله بدري عشان يتعشى معانا.
وفي يوم، وصل له عرض ضخم من شركة عالمية.
كان العرض ممكن يضاعف ثروته، لكن بشرط واحد
يسافر لمدة سنة كاملة لإدارة المشروع من الخارج.
لما حكى لي، توقعت
لكنه قال
مش هسافر قبل ما نتكلم كلنا.
جمع الأطفال.
قال لهم
جالي شغل مهم، بس محتاج أسافر فترة.
نور اتضايقت.
يعني هتسيبنا؟
ياسين قرب منها.
لا. أنا مش هاخد قرار يخليكم تحسوا إني سبتكم.
آدم سأل
يعني هترفض؟
ياسين بص لي.
القرار مش قرار فلوس بس.
أنا قلت
لو المشروع مهم فعلًا، ممكن نلاقي طريقة نكون معاك.
ياسين استغرب.
إنتِ موافقة؟
ضحكت.
أنا مش ههرب المرة دي.
كانت الجملة كفاية.
قررنا نعمل خطة جديدة.
ياسين يسافر أيام محددة ويرجع، وأنا والأولاد نزوره في الإجازات، والمركز يفضل شغال هنا.
المرة دي، الشغل ماكانش سبب للفراق.
بالعكس
بقينا بنتعامل معاه كجزء من حياتنا، مش بديل عنها.
بعد سنة، رجع ياسين بشكل نهائي.
الأطفال عملوا له حفلة استقبال في المركز.
آدم رفع لافتة مكتوب عليها
أهلًا يا بابا البيت كان ناقصك.
ياسين ضحك، لكن عينيه دمعت.
حضنهم واحد واحد.
وبعدين قرب مني.
وحشتيني.
ابتسمت.
وإنت كمان.
قال
عارفِة إيه اللي اتعلمته؟
إيه؟
النجاح الحقيقي مش إن الناس تعرف اسمك.
بص لأولاده.
النجاح إن ولادك يعرفوا إنك موجود لما ينادوك.
مرت السنوات.
وفي يوم، وقفنا أنا وياسين في نفس المكان اللي بدأ منه كل شيء.
قدام العمارة اللي اشتراها من سنين.
لكن العمارة ماعادتش مهجورة.
كانت مليانة أطفال، ومدرسين، وشباب بيتعلموا.
آدم كان مسؤول عن معمل البرمجة.
ليان كانت بتدير ورش التصميم.
ونور كانت
ياسين وقف جنبي وقال
فاكرة لما شوفتي العربية هنا لأول مرة؟
ضحكت.
كنت فاكرة إن حياتي انتهت.
وأنا كنت فاكر إني أخيرًا لقيتك.
بصيت له.
وطلع الاتنين غلط.
ابتسم.
إحنا ماكنّاش بنرجع لبعض.
أمال؟
كنا بنقابل بعض من جديد.
مسكت إيده.
وفجأة، جري آدم علينا.
ماما! بابا! عندنا خبر!
إيه؟
ابتسم.
أنا وليان ونور قررنا نكمل المشروع اللي بدأناه.
بصينا لبعض.
نور قالت
عايزين المركز يفتح فروع في كل المحافظات.
ضحكت.
إنتوا ناويين تكبروا أكتر من بابا؟
آدم ابتسم
أكيد.
ياسين ضحك.
أخيرًا لقيت ناس ينافسوني.
وقفنا الأربعة نضحك.
أما أنا
فبصيت للعمارة اللي كانت سبب رجوع ياسين.
وافتكرت أول يوم.
سبع سنين من الغياب.
ثم سنين من البناء.
والآن، ماعادش فيه خوف من المستقبل.
لأننا عرفنا أهم درس
العيلة مش إن الناس عمرها ما تختلف العيلة إنهم لما يختلفوا، يفضل عندهم سبب يخليهم يرجعوا لبعض.
وبصيت لياسين.
كان واقف وسط أولاده.
ابتسم لي.
وأنا عرفت إن الحكاية دي
ماكانتش حكاية رجوع زوجين لبعض.
كانت حكاية خمسة أشخاص اتعلموا إنهم يقدروا يبدأوا من جديد.
النهاية مرت الأيام، وأخيرًا جاء اليوم اللي قررنا فيه نقفل آخر صفحة من الماضي.
كان أولادنا كبروا، والمركز بقى مكان كبير بيساعد أطفال كتير.
وفي صباح هادي، لقيت ياسين واقف قدام باب البيت ومعاه ثلاث هدايا صغيرة.
نادَى
آدم ليان نور!
نزلوا بسرعة.
مد لكل واحد
آدم فتحها، لقى ساعة قديمة.
ليان لقت قلادة بسيطة.
ونور لقت صندوق صغير فيه صورة العيلة.
سألته
الهدايا دي ليه؟
ابتسم وقال
عشان النهارده ذكرى أول يوم رجعت فيه حياتي ليكم.
بصيتله وابتسمت.
فاكر؟
عمري ما أنسى.
وبعدين بصلي وقال
بس أنا مش عايز نفتكر السبع سنين كأنها وقت ضاع.
استغربت.
أمال نفتكرها إزاي؟
نفتكرها كالسعر اللي دفعناه عشان نتعلم قيمة بعض.
دموعي نزلت.
آدم قرب وقال
بابا، ماما إحنا مش عايزينكم تزعلوا من الماضي.
ليان ضحكت
إحنا أصلًا ماكناش موجودين وقتها!
ونور قالت
المهم إنكم موجودين دلوقتي.
ضحكنا كلنا.
في المساء، خرجنا للحديقة.
وقف ياسين جنبي، والأولاد حوالينا.
قال
تارا، لو رجع بي الزمن، كنت هعمل حاجات كتير بشكل مختلف.
وأنا كمان.
بس فيه حاجة واحدة مش هغيرها.
بصيتله.
إيه؟
ابتسم وهو بيبص لأولاده
إني اخترتك.
مسكت إيده.
وأنا اخترتك تاني.
الأطفال صفقوا وضحكوا.
وبعدها مشينا سوا ناحية البيت.
البيت اللي كان يومًا مليان أسئلة وخوف
بقى مليان ضحك.
وعرفت وقتها إن أغلى شيء في حياتي ماكانش ثروة ياسين، ولا الشركة، ولا العمارة.
كانوا الأربعة اللي مشيوا جنبي في الطريق
ياسين آدم ليان ونور.
ومن يومها، كل ما حد يسألني عن أصعب سبع سنين في حياتي، أبتسم وأقول
كانت أصعب سنين عدّت عليّ لكنها علمتني إن بعض الأبواب لما بتتقفل، مش معناها إن الحكاية انتهت أحيانًا بتكون الحياة بتحضر لك بابًا
وهكذا انتهت حكايتي مع ياسين
مش بالطلاق، ولا بالفراق، ولا بالندم.
انتهت بعيلة رجعت لبعضها، وقلوب سامحت، وأطفال عرفوا أخيرًا معنى كلمة
بيت.
النهاية.