كنت مخلفه ولد وبنت زهرة الربيع

لمحة نيوز

كنت مخلفة ولد وبنت، ومن أول يوم وأنا بفرق بينهم من غير ما أحس بخطورة اللي بعمله.
كان ابني عصام أصغر من أخته وفاء بخمس سنين، ومع ذلك كنت دايمًا أقول لها
اسمعي كلام أخوكي يا وفاء، ده راجل البيت بعدي.
كنت فاكرة إني كده بزرع في ابنها المسؤولية.
لكن الحقيقة إني كنت بزرع فيه الغرور، وفي بنتي الخوف.
كل مرة عصام يضايق وفاء، كنت أطلب منها تسكت.
ولو اتخانقوا، كنت أقف مع عصام.
ولو وفاء اشتكت، كنت أقول
معلش يا بنتي، ده أخوكي.
كبر عصام وهو فاكر إن أخته ملكه.
لو الأكل مش عاجبه، يزعق لها.
لو البيت مش مترتب بالطريقة اللي تعجبه، يحاسبها.
ولو حاولت تعترض، كان يقول
أنا أخوكي الكبير هنا.
فترد عليه
إنت أصغر مني.
وساعتها كان يجري عليا يشتكي.
وأنا بدل ما أوقفه عند حده، كنت ألوم وفاء.
مرت السنين.
بقت وفاء عندها خمسة وعشرين سنة، وعصام عشرين.
وفي يوم كنا قاعدين على الغدا، عصام قال بمنتهى الثقة
يا أمي، صاحبي حميد عايز يتجوز وفاء.
وفاء رفعت رأسها بسرعة.
وقالت
حميد؟
ضحك عصام
أيوه، مالك؟
قالت
ده مش مناسب ليا.
عصام اتضايق
ومين اللي مناسب ليكي يعني؟
ردت بهدوء
أنا اللي أحدد الشخص اللي هتجوزه.
الجملة دي كانت جديدة على عصام.
بص لها باستغراب وقال
إنتِ بتقولي إيه؟
قالت
بقول إني مش هتجوز حد غصب عني.
عصام ضرب بإيده على الترابيزة وقال
من النهارده هتسمعي كلامي.
وفاء وقفت.
وقالت
لا.
كانت أول مرة تقولها بالشكل ده.
عصام فقد أعصابه، وبدأ يزعق فيها، ثم جرها من ذراعها ناحية باب الشقة.
صرخت
سيبني يا عصام!
أنا وقفت مكاني.
كان جوايا صوت بيقول لي الحقّي بنتك.
لكن خوفي من عصام غلبني.
نزل بيها السلم لحد المخزن القديم اللي تحت العمارة.
فتح الباب ورماها جواه، ثم قفل عليها بالقفل الحديد.
فضل صوت وفاء يتردد في السلم
يا ماما! افتحيلي!
أنا نزلت وراه.
وقلت
يا عصام، كفاية.
رد
إياكي تفتحي الباب.
قلت
دي أختك!
قال
وهي لازم تتعلم تسمع الكلام.
ومشي.
فضلت واقفة قدام باب المخزن.
كنت سامعة صوت بنتي من جوه.
يا ماما أنا خايفة.
مديت إيدي ناحية القفل.
لكنني تراجعت.
وقلت لنفسي
بكرة عصام يهدى ويفتح لها.
لكن بكرة ما جاش.
اليوم الأول عدى.
واليوم الثاني.
واليوم الثالث.
وفاء من جوه كانت بتنادي باسمي.
وأنا كل مرة أقول
ربنا يعديها على خير.
وفي اليوم الرابع، نزل عصام.
قال
خلاص، كفاية كده.
طلع المفتاح وفتح الباب.
لكن أول ما الباب اتفتح، أنا وعصام اتجمدنا مكاننا.
وفاء كانت قاعدة في الركن.
وشها شاحب.
عينها ثابتة.
وشعرها الأسود الطويل
بقى أبيض بالكامل.
عصام رجع خطوتين.
قال بصوت منخفض
إيه اللي حصل لشعرك؟
وفاء رفعت عينيها له.
وقالت
إنت اللي عملت كده.
أنا بدأت أعيط.
قلت
يا بنتي
ردت من غير ما تبصلي
متقوليش يا بنتي.
الكلمة وجعتني أكتر من أي شيء.
وقفت وفاء على رجليها.
كانت ضعيفة، لكنها ثابتة.
وقالت
أنا كنت فاكرة إن خوفي منكم هو آخر حاجة ممكن تحصل لي.
سكتت لحظة.
لكن الأيام اللي قضيتها هنا علمتني حاجة.
عصام قال
إيه؟
ردت
إن الإنسان لما يفضل ساكت على الظلم، الناس بتفتكر إنهم يقدروا يعملوا فيه أي حاجة.
عصام حاول يتظاهر بالقوة
وهتعملي إيه يعني؟
وفاء بصت له وقالت
مش هعمل حاجة فيك.
ثم بصت لي.
أنا هعمل حاجة لنفسي.
طلعت من المخزن ومشت ناحية باب العمارة.
عصام وقف مكانه.
لأول مرة، ما عرفش يمنعها.
وفاء خرجت من البيت، وبدأت تدور على شغل وسكن بعيد عن سيطرة أخوها.
وفي نفس الوقت، بدأت تحكي لأحد أقاربنا الموثوقين كل اللي حصل.
القريب ده طلب منها توثيق آثار الاعتداء والإهمال، وساعدها في اتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة.
ولأول مرة، عصام اضطر يواجه نتيجة أفعاله بدل ما يستخبى ورا أمي.
أما أنا، فكنت مضطرة أواجه نتيجة سكوتي.
بعد فترة، وفاء رجعت تزورني.
وقفت قدامي وقالت
أنا مش جاية أنتقم.
بصيت لها ودموعي نازلة.
قالت
بس عايزاكي تفهمي حاجة.
قلت
قولي.
قالت
إنتِ لما كنتِ بتقوليلي اسمعي كلام أخوكي علشان هو راجل، إنتِ كنتِ بتعلّميه يظلمني، وبتعلميني أسكت.
ما قدرتش أرد.
كملت
أنا مش هكرهك.
سكتت.
لكن مش هسمح لحد يقرر حياتي مكاني تاني.
ومن اليوم ده، بدأت وفاء حياة جديدة.
اشتغلت، واستأجرت مكان صغير، وبقت مسؤولة عن نفسها.
أما عصام، فتعلم بالطريقة الصعبة إن الأخوة مش سلطة، وإن كون الإنسان رجلًا لا يعطيه الحق في التحكم في أخته أو إيذائها.
وأنا؟
فضلت شايلة ذنب السنين.
كل ما أشوف شعر وفاء الأبيض، أفتكر الأيام اللي كنت أقدر أفتح فيها الباب واخترت ما أفتحوش.
وعرفت متأخرة جدًا إن أكبر خطأ عملته مش إني حبيت ابني.
إنما إني سمحت لحبي له إنه يظلم أخته.
ومن يومها، بقيت أقول لكل أم
ما تربيش ابنك على إنه سيد أخته، ولا تربي بنتك على إنها لازم تسكت له.
لأن البيت اللي يتعلم فيه الطفل إن القوة حق في ظلم غيره، يومًا ما هيدفع ثمن الدرس ده كله مرت أسابيع بعد خروج وفاء من البيت، لكن الهدوء اللي نزل على البيت ما كانش هدوء راحة.
كان هدوء انتظار.
عصام بقى ساكت أغلب الوقت، وكل ما يسمع صوت مفتاح باب المخزن، يفضل يبص ناحية السلم.
وفي ليلة، لقيته داخل عليا وهو متوتر.
قال
يا أمي، وفاء راحت فين؟
قلت
مش عارفة.
قال
يعني إيه مش عارفة؟
رديت
هي بقت مسؤولة عن نفسها يا عصام.
اتعصب وقال
إنتِ اتغيرتي!
بصيت له وقلت
لا يا ابني أنا أخيرًا فهمت.
سكت.
كملت
أنا اللي غلطت لما خليتك تفتكر إنك صاحب سلطة على أختك.
قعد على الكرسي ومسك رأسه.
وبعد لحظات قال
أنا مكنتش فاهم إن الموضوع وصل للدرجة دي.
قلت
لأن محدش وقفك.
رفع عينه لي.
يعني إنتِ بتلوميني؟
قلت
أيوه وبلوم نفسي كمان.
في اليوم التالي، وصلني ظرف صغير.
كان من وفاء.
فتحته، لقيت فيه ورقة ومفتاح.
وفي الورقة مكتوب
يا أمي، المفتاح ده مفتاح المخزن. احتفظي بيه، لأن محدش لازم يتحبس فيه تاني.
وقفت أقرأ الجملة أكثر من مرة.
وبعدها لقيت ورقة ثانية.
أنا بدأت شغل جديد، وهحاول أبني حياتي من الأول. متدوريش عليا علشان ترجعي كل حاجة زي زمان. لو عايزة تصلحي اللي حصل، ساعدي نفسك الأول.
فضلت ماسكة الورقة وعيوني مليانة دموع.
لكن المفاجأة الحقيقية حصلت بعدها بأيام.
جالي اتصال من أحد أقاربنا وقال لي
وفاء محتاجة تشوفك.
قلبي دق بسرعة.
سألته
هي فين؟
قال
في مكان عام، وتعالي لوحدك.
روحت وأنا مش عارفة هي عايزة إيه.
ولما وصلت، لقيت وفاء قاعدة قدامي.
كانت لابسة لبس بسيط، وشعرها الأبيض مربوط للخلف.
لكن وشها كان مختلف.
كان فيه ثبات.
قالت
أنا طلبت أشوفك علشان أقولك حاجة.
قلت
قولي يا بنتي.
قالت
أنا مش راجعة البيت.
قلبي اتقبض.
لكنها كملت
بس أنا مش قاطعة علاقتي بيكي.
بصيت لها باستغراب.
قالت
الفرق إن العلاقة من دلوقتي هتكون على الاحترام.
هزيت رأسي.
قالت
وعصام لازم يعرف إن أخته مش ملكه.
قلت
هو بدأ يفهم.
ردت
الفهم مش بالكلام.
ثم وضعت أمامي ملفًا.
وقالت
دي أوراق الإجراءات اللي بدأت فيها.
بصيت للملف وأنا مرتبكة.
قالت
أنا مش عايزة أنتقم منه. أنا عايزة أحمي نفسي.
سألتها
ولو عصام اعتذر؟
سكتت طويلًا.
ثم قالت
الاعتذار بداية، مش نهاية.
رجعت البيت في اليوم ده وأنا لأول مرة أفهم إن وفاء مش بتحاول تدمر أخوها.
هي بتحاول تمنع نفسها من إنها تتدمر تاني.
لكن اللي ما كناش نعرفه وقتها
إن عصام كان على وشك اتخاذ قرار هيغير كل حاجة.
وفي نفس الليلة، دخل عليا وقال
يا أمي أنا عايز أروح لوفاء.
سألته
ليه؟
قال
علشان أقول لها حاجة.
قلت
هتروح تعمل مشكلة؟
هز رأسه.
وقال
لا.
ثم سكت قليلًا وأضاف
أنا عايز أعتذر.
لأول مرة من سنين، سمعت ابني يقول كلمة كنت فاكرة إنه عمره ما هيقولها.
لكنني لم أكن أعرف
هل وفاء هتقبل اعتذاره؟
ولا الجرح اللي سببه لها كان أعمق من إن كلمة واحدة تصلحه؟تاني يوم، عصام خرج من البيت بدري.
كان لابس هدوم بسيطة، ومش باين عليه الغضب اللي اتعودنا نشوفه.
أنا سألته
رايح فين؟
قال
رايح أطلب السماح من وفاء.
بصيت له وقلت
افتكر إنك مش رايح تطلب منها تنسى. إنت رايح تسمعها.
هز رأسه ومشي.
وفاء كانت قاعدة في مكان شغلها لما شافته واقف قدامها.
أول ما لمحته، قامت.
قالت
إنت بتعمل إيه هنا؟
رد
جاي أقولك كلمتين.
قالت
اتفضل.
فضل واقف مكانه، وبعد لحظات قال
أنا غلطت في حقك.
وفاء ما ردتش.
كمل
وكنت فاكر إن كوني أخوكي يديني الحق أتحكم فيكي.
سكت قليلًا.
بس أنا كنت غلطان.
وفاء قالت بهدوء
وأنا كنت مستنية الجملة دي من سنين.
عصام نزل عينه للأرض.
قال
عارف.
ردت
بس الاعتذار مش هيغير اللي حصل.
قال
أنا مش جاي أغيره. أنا جاي أعترف بيه.
لأول مرة، وفاء ما لقتش عنده حجة ولا تبرير.
قالت
فاكر اليوم اللي حبستني فيه؟
هز رأسه.
أنا كل ليلة كنت بسمع صوت القفل في ودني.
سكت عصام.
قالت
وأكتر حاجة وجعتني مش إنك قفلت عليا.
رفع عينه.
قالت
إن ماما كانت سامعة صوتي، ومع ذلك ما فتحتش الباب.
الكلام كان موجعًا.
لكن عصام ما دافعش عن نفسه.
قال
أنا عارف.
ثم أضاف
وعشان كده أنا مش هطلب منك ترجعي البيت، ولا هطلب منك تسامحيني دلوقتي.
وفاء سألته
عايز إيه إذن؟
قال
عايز أبدأ أصلح اللي أقدر عليه.
بعدها مشي.
وفاء فضلت واقفة مكانها، مش عارفة هل تصدقه أم لا.
لكن الأيام بدأت تثبت إن عصام فعلًا اتغير.
بطل يتدخل في حياتها.
ولما حد سأله عنها، كان يقول
وفاء صاحبة قرارها.
أما أنا، فبدأت أغير طريقتي أنا كمان.
ما بقيتش أقول لبنتي
اسمعي كلام أخوكي.
بقيت أقول
اعملي اللي شايفاه صح.
وفي يوم، رجعت وفاء البيت لأول مرة من شهور.
دخلت بهدوء.
بصت ناحية السلم.
وبصت ناحية باب المخزن.
وقالت
المكان ده لسه موجود؟
قلت
أيوه.
قالت
عايزة أشوفه.
نزلنا سوا.
فتحت الباب.
وفاء وقفت عند العتبة، وسكتت طويلًا.
ثم قالت
أنا مش خايفة منه دلوقتي.
سألتها
ليه؟
قالت
لأني عرفت إن خوفي مش هو اللي

تم نسخ الرابط