اشترت ام ارمله أرضا قديمه
في أوائل القرن العشرين، وفي قرية نائية داخل البرازيل، كانت الأرض اليابسة أغلى من الذهب.
لم يكن الماء متوفرًا بسهولة، وكانت العائلات تقطع مسافات طويلة كل صباح للحصول على بضعة أوعية تكفي للشرب والطهي.
وفي وسط ذلك المكان، وصلت تيريزا، أرملة في الثانية والثلاثين من عمرها، ومعها ابنتاها الصغيرتان آنا وروزا.
منذ ثلاثة أشهر فقط، فقدت زوجها بعد مرض مفاجئ، وترك لها بيتًا صغيرًا ومدخرات بالكاد تكفي لأسابيع.
رفضت تيريزا أن تعود إلى بيت أهلها.
لم تكن تريد أن تعيش هي وابنتاها على مساعدة أحد.
ولهذا فعلت شيئًا اعتبره أهل القرية جنونًا.
اشترت قطعة أرض مهجورة لم يكن أحد يريدها.
كانت الأرض قاحلة، مليئة بالحجارة والأشجار اليابسة، وفي طرفها بيت قديم نصفه مهدّم.
قال لها الكاتب العدل وهو يسلمها الأوراق
أنتِ متأكدة؟ الأرض دي ما جابتش خير لحد.
نظرت تيريزا إلى الورقة، ثم إلى ابنتيها.
وقالت بهدوء
يمكن لأن أصحابها ما حاولوش كفاية.
وصلت في الصباح التالي.
وقفت آنا أمام البيت وقالت بخوف
هنعيش هنا يا ماما؟
ابتسمت تيريزا رغم التعب.
أيوه يا حبيبتي.
ثم نظرت إلى السقف المثقوب والجدران المتشققة.
وهانخليه بيتنا.
بدأت العمل من أول يوم.
أصلحت الباب، وسدت بعض فتحات السقف، ونظفت الغرف، ثم صنعت لابنتيها مكانًا بسيطًا للنوم.
وفي اليوم التالي خرجت إلى الأرض ومعها معول قديم.
كانت تريد زراعة الذرة.
لكن بمجرد أن ضربت المعول الأرض، اصطدم بشيء صلب.
توقفت.
أعادت الضربة.
طن!
كان الصوت مختلفًا عن صوت الحجارة.
انحنت تيريزا وأزاحت التراب بيديها.
وجدت قطعة حديد صدئة.
ظنت أنها جزء من أداة قديمة، فأبعدتها جانبًا وعادت للحفر.
مر يوم.
ثم يومان.
والأرض لم تعطها شيئًا.
زرعت أول صف من الذرة، وسقتها بالماء الذي كانت تحمله من البئر العامة، لكنها في غضون أيام بدأت تذبل.
كانت الشمس قاسية، والماء قليلًا.
وفي صباح اليوم السابع، جاءت دونيا سيباستيانا، إحدى نساء القرية، ووقفت عند السور.
قالت
قلت لكِ إن الأرض دي ميتة.
رفعت تيريزا رأسها وقالت
لسه بدري نحكم.
ضحكت المرأة.
اللي قبلك حاول سنين.
ثم رحلت.
في تلك الليلة، جلست تيريزا أمام ابنتيها وهي تحسب ما تبقى معها من مال.
كان قليلًا جدًا.
إذا فشلت الزراعة، فلن تستطيع شراء بذور جديدة.
لكنها لم تكن مستعدة للاستسلام.
في الصباح التالي، أخذت المعول وذهبت إلى أبعد نقطة في الأرض.
قالت في نفسها
هحفر هنا.
بدأت تضرب الأرض.
ضربة.
ثم أخرى.
ثم ثالثة.
وفجأة...
طن!
توقفت.
كان الصوت نفسه الذي سمعته قبل أيام.
أزاحت التراب بسرعة.
ظهر طرف دائري من الحديد.
واصلت الحفر.
وبعد دقائق ظهر غطاء معدني كبير، مدفون على عمق يقارب المتر.
نظرت تيريزا حولها.
لم يكن هناك أحد.
وضعت يديها على الغطاء وحاولت رفعه.
لم يتحرك.
استعانت بقضيب خشبي، وبدأت تضغط من جانبه.
وبعد محاولات كثيرة...
تحرك الغطاء قليلًا.
خرجت من الفتحة رائحة هواء قديم ورطب.
تراجعت تيريزا خطوة.
ثم سمعت شيئًا لم تتوقعه أبدًا.
صوت ماء.
تجمدت في مكانها.
اقتربت مرة أخرى.
نظرت داخل الحفرة.
كان هناك ماء بالفعل.
لكن المفاجأة لم تكن في وجود الماء.
ففي الجدار الداخلي للحفرة ظهر سلم حجري قديم ينزل إلى الأسفل.
همست تيريزا
إيه ده؟
لم تجرؤ على النزول وحدها.
ركضت إلى البيت وأخذت مصباحًا صغيرًا.
وعندما عادت، ربطت حبلًا حول جذع شجرة، وأمسكت المصباح، ثم بدأت تنزل ببطء.
درجة...
ثم درجة أخرى...
حتى وصلت إلى ممر حجري ضيق.
كان الماء يتجمع في جانب منه، ويتحرك ببطء نحو عمق الأرض.
لكن في نهاية الممر كان هناك شيء آخر.
باب خشبي ضخم، عليه علامة غريبة محفورة في المنتصف.
اقتربت تيريزا من الباب.
مدت يدها نحو العلامة...
وفجأة سمعت صوتًا من خلفها.
ما تنزليش أكتر!
استدارت مذعورة.
كانت آنا واقفة عند فتحة البئر، تمسك بالمصباح الثاني.
قالت الطفلة
لقيتك اختفيتي، فمشيت وراكي.
صعدت تيريزا بسرعة وأخرجت ابنتها من المكان.
لكنها طوال الليل لم تستطع النوم.
كانت تفكر في الباب.
وفي الماء.
وفي السؤال الأخطر
لماذا بُني هذا المكان تحت أرض مهجورة؟
في اليوم التالي، ذهبت تيريزا إلى أكبر رجل سنًا في القرية، رجل يُدعى أنطونيو، كان قد عاش هناك طوال حياته.
عندما وصفت له العلامة الموجودة على الباب، تغير وجهه.
ظل صامتًا للحظات.
ثم قال
فين شوفتي العلامة دي؟
أجابته
تحت أرضي.
جلس الرجل ببطء.
وقال
يبقى اللي كنت خايف منه من زمان حصل.
سألته تيريزا
إيه اللي حصل؟
نظر إليها وقال
الأرض دي مش مهجورة زي ما الناس فاكرة.
ثم فتح صندوقًا خشبيًا قديمًا وأخرج منه دفترًا أصفر مهترئًا.
وضعه أمامها.
الدفتر ده كان عند أبويا. وكان ممنوع عليا أفتحه.
فتحت تيريزا الصفحات.
كانت هناك خريطة قديمة للمنطقة.
وفي وسط الخريطة علامة كبيرة تحت الأرض نفسها التي اشترتها.
وتحت العلامة جملة مكتوبة بالحبر الباهت
الماء ليس الشيء الوحيد المدفون هنا.
رفعت تيريزا عينيها إلى أنطونيو.
قال الرجل
من أكتر من خمسين سنة، اختفى رجل غني كان اسمه رودريغو. الناس قالت إنه هرب، لكن أبويا كان بيقول إنه أخفى شيئًا في أرضه قبل اختفائه.
سألته
إيه هو؟
هز رأسه.
ماحدش عرف.
ثم أضاف
لكن بعد اختفائه، بدأت الأرض تجف بطريقة غريبة، والناس تركتها واحدة وراء التانية.
عادت تيريزا إلى بيتها وهي تحمل الخريطة.
وفي المساء، جلست أمامها طويلًا.
ثم لاحظت شيئًا.
الخريطة لم تكن تحدد البئر فقط.
كانت تشير إلى مكان آخر...
تحت البيت نفسه.
في صباح اليوم التالي، بدأت تيريزا ترفع ألواح الأرضية القديمة.
تحت أحد الألواح وجدت حجرًا مستطيلًا.
رفعته.
ظهر تجويف صغير.
وفي داخله صندوق معدني أسود.
كان مغلقًا بقفل صدئ.
أخرجته تيريزا، ونظفت التراب عنه.
وعندما فتحته...
وجدت بداخله مجموعة أوراق قديمة، وختمًا رسميًا، ومفتاحًا حديديًا كبيرًا.
لكن أكثر شيء لفت انتباهها كان ورقة واحدة مكتوبة بخط واضح
إلى من يجد هذا الصندوق... إذا وصلتَ إلى هنا، فاعلم أن الأرض ليست ملكًا لمن يحمل الورق فقط.
توقفت تيريزا عن القراءة.
وفي أسفل الورقة كان هناك اسم.
رودريغو.
وفجأة فهمت أن شراءها للأرض لم يكن مجرد صفقة رخيصة.
كان هناك سر قديم ينتظر شخصًا يعثر عليه.
لكنها لم تكن تعرف بعد أن اكتشافها للماء والصندوق سيجعل بعض أهل القرية يحاولون انتزاع الأرض منها بأي طريقة.
وفي نفس الليلة، بينما كانت تيريزا تخبئ الأوراق، سمعت طرقًا على الباب.
ثلاث طرقات متتالية.
فتحت الباب بحذر.
كان رجلًا غريبًا يقف أمامها.
نظر إلى البيت، ثم قال
أنتِ تيريزا؟
قالت
أيوه.
أخرج ورقة قديمة من جيبه.
وقال
جيت أحذرك.
سألته
من إيه؟
نظر إلى الأرض خلفها، ثم قال
من الناس اللي كانوا مستنيين حد يكتشف اللي تحتها.
وقبل أن تسأله أي شيء آخر، استدار وغادر.
لكن تيريزا لاحظت شيئًا جعل قلبها يتوقف للحظة...
الختم الموجود على ورقته كان مطابقًا تمامًا للختم الموجود في الصندوق ظلت تيريزا واقفة عند الباب بعد رحيل الرجل، وعيناها معلقتان بالطريق الترابي الذي اختفى فيه.
أغلقت الباب بسرعة، ثم عادت إلى الصندوق.
أخرجت الورقة التي تركها رودريغو، ووضعتها بجانب الورقة التي كانت بحوزة الرجل.
كان الختمان متطابقين فعلًا.
لكن هناك شيئًا آخر لم تنتبه له من قبل.
في أسفل ورقة رودريغو كان هناك رقم صغير
17
أما الورقة الأخرى فكان مكتوبًا عليها
18
قالت تيريزا لنفسها
يعني دي مش ورقة واحدة... دي مجموعة أوراق.
وفي اليوم التالي، ذهبت إلى أنطونيو مرة أخرى.
ما إن رأى الرقمين حتى تغير وجهه.
قال
كان رودريغو بيكتب كل أسراره بالأرقام.
سألته تيريزا
يعني إيه؟
فتح الرجل دفتره القديم، وقلب صفحاته حتى وصل إلى صفحة شبه ممزقة.
كانت هناك قائمة بأرقام من 1 إلى 20.
لكن الرقم 17 كان بجانبه رسم للبئر.
والرقم 18 بجانبه رسم للبيت.
والرقم 19...
كان بجانبه رسم لخريطة القرية كلها.
قال أنطونيو
واضح إنك لقيتي أول جزئين.
سألته
والجزء الثالث؟
أشار إلى الخريطة.
لو فهمنا الرقم 19، هنفهم كل حاجة.
في المساء، جلست تيريزا مع ابنتيها.
كانت آنا ترسم على الأرض بعصا صغيرة، بينما روزا تلعب بجوارها.
فجأة نظرت تيريزا إلى رسم آنا.
كانت الطفلة قد رسمت البيت والحقل والبئر.
توقفت تيريزا.
آنا... ارسمِي المكان اللي نزلت فيه معايا.
أمسكت الطفلة