كل يوم
المحتويات
انتقام بس عيلة اتعلمت إن الحب الحقيقي بيتقاس وقت الشدة مرت سنة كاملة، وحياتنا بقت أهدى بكتير.
أمي بقت تقدر تتحرك بالعصا، ومركز العلاج الطبيعي اللي اتعمل باسم أبويا بدأ يساعد عشرات الناس.
إيمان كمان بطلت تخبي تعبها، وبقينا نتكلم في كل حاجة بصراحة.
أما ياسين، فكان أكتر واحد اتغير.
بقى كل يوم يكتب في كراسة صغيرة الحاجات اللي نفسه يعملها لما يكبر.
وفي يوم، رجعت من الشغل لقيته واقف قدام الباب، ماسك الكراسة.
ضحكت
إيه يا ياسين؟ مفاجأة جديدة؟
ابتسم وقال
المرة دي مش أنا اللي عاملها.
دخلت البيت، لقيت أمي وإيمان قاعدين، وعلى الترابيزة ظرف أبيض.
أمي قالت
افتحه.
فتحته، لقيت دعوة لحفل تكريم.
لكن الاسم المكتوب عليها كان
الحاجة نادية نموذج للعطاء والصبر.
بصيت لأمي.
إنتِ اتكرمتي؟
ضحكت وقالت
مش أنا لوحدي.
إيمان ابتسمت وقالت
المركز رشحك أنت كمان.
بصيت لها باستغراب.
أنا؟ ليه؟
قالت
لأن المركز كله قائم على فكرة إن الأسرة تسند بعضها، والناس اللي عرفوا قصتك شافوا إنك ماوقفتش جنب والدتك بس إنت خليت اللي حصل لها سبب يساعد ناس تانية.
قلت
بس أنا مش محتاج تكريم.
أمي ردت
يمكن إنت مش محتاجه بس غيرك محتاج يشوف إن الخير لسه موجود.
يوم الحفل، دخلنا القاعة سوا.
أمي في النص، وأنا على يمينها، وإيمان على شمالها، وياسين ماسك إيدها.
ولما نادوا اسمها، قامت وسط تصفيق كبير.
وقبل ما تطلع المسرح، مسكت إيدي وقالت
تعالى معايا.
قلت
دي لحظتك.
قالت
لا يا ابني دي لحظتنا.
طلعنا سوا.
وفي نهاية الحفل، سأل أحد الحاضرين ياسين
نفسك تطلع إيه لما تكبر؟
بص لي، وبص لأمه وجدته.
وبكل ثقة قال
عايز أبقى زي بابا وماما أساعد الناس اللي محتاجة حد يسندها.
صفق الناس.
وأنا وقتها ماقدرتش أمنع دموعي.
لأن الطفل اللي
كان هو نفسه السبب إني أفتح عيني على أجمل حقيقة في حياتي.
إن البيت مش مكان بنرجع له آخر اليوم.
البيت هو الناس اللي لما الدنيا كلها تتغير، يفضلوا واقفين جنبك.
وفي طريق رجوعنا، أمي قالت
محمود.
نعم يا أمي؟
قالت
فاكر اليوم اللي كنت خايفة إيمان تقولك الحقيقة؟
ابتسمت
أيوه.
قالت
لو كنت عرفت وقتها، كنت هتفتكر إن عندك مشكلة.
ضحكت
وطلعتِم بتجهزوني لأحلى مرحلة في حياتي.
إيمان مسكت إيدي.
وياسين من الكنبة الخلفية قال
بابا عندي مفاجأة كمان.
لفيت له بسرعة
يا ابني كفاية مفاجآت!
ضحك وقال
المرة دي حلوة أوعدك.
ضحكنا كلنا.
وأنا سايق، بصيت في المراية وشوفتهم.
أمي وإيمان وياسين.
وساعتها قلت لنفسي
الحمد لله على النعمة اللي اسمها عيلة وصلنا البيت، وياسين جري قدامي على أوضته، وقفّل الباب.
ضحكت وقلت
هو إيه اللي بيحضّره ده؟
إيمان قالت
سيبه واضح إنه مخطط لحاجة من زمان.
بعد عشر دقايق، خرج ياسين وهو لابس قميص أبيض، وفي إيده صندوق صغير.
حطه قدامي وقال
افتح يا بابا.
فتحته، لقيت جوّاه كراسة قديمة وصورة ليا أنا وأبويا.
اتجمدت مكاني.
الصورة كانت متاخدة قبل وفاة والدي بأيام قليلة.
قلبت الصورة، لقيت مكتوب وراها بخط إيده
لمحمود لما تكبر وتبقى أب، افتكر إن أغلى حاجة هتسيبها لابنك مش الفلوس لكن السيرة الطيبة.
فضلت ساكت.
إيمان قالت
ياسين لقاها في صندوق قديم عند جدته.
بصيت لأمي.
دموعها نزلت وهي بتقول
كنت محتفظة بيها سنين.
قعدت على الكرسي، وأنا ماسك الصورة بإيدي.
كل الأحداث عدت قدامي مرة واحدة.
أبويا.
أمي.
إيمان.
ياسين.
كل حاجة فهمتها متأخر.
قلت
بابا كان عارف.
أمي سألت
عارف إيه؟
قلت
إن الإنسان ممكن يملك الدنيا كلها، وفي الآخر مايفضلش منه غير
ياسين قرب مني وقال
عشان كده أنا كتبت حاجة.
فتح الكراسة.
كان كاتب بخط طفل
لما أكبر، هخلي بابا وماما وجدتي فخورين بيا.
ماقدرتش أتماسك.
وقلت
إنت فخور بيا من غير ما تعمل حاجة.
ضحك وقال
طب والمفاجأة؟
إيه؟
طلع ورقة تانية.
كانت رسمة بسيطة لبيتنا.
أنا وإيمان وأمي وياسين واقفين جنب بعض.
وفوقنا شمس كبيرة.
قال
دي عيلتنا.
بصيت للرسمة طويلًا.
وفي اللحظة دي، حسيت إن كل التعب اللي عديت بيه كان يستاهل اللحظة دي.
أمي نادتني
محمود.
نعم؟
قالت
خلي بالك من إيمان.
بصيت لها.
فكملت
دي مش بس مراتك دي بنتي.
إيمان دمعت،
أما أنا، فقلت
وأنتِ يا أمي، خلي بالك من نفسك لأنك مش هتخلصي مننا بسهولة.
ضحكنا كلنا.
ومن اليوم ده علّقنا صورة ياسين في الصالة، جنب صورة أبويا.
كل ما أدخل البيت أشوفهم، وأفتكر إن أجمل المفاجآت مش اللي بتخوفنا
أجمل المفاجآت هي اللي بتكشف لنا إننا أغنى مما كنا فاكرين، لأن حوالينا ناس بتحبنا بجد.
وبعد سنوات، لما كبر ياسين، احتفظ بالكراسة نفسها.
وفي أول صفحة كتب جملة واحدة
كان أبي يظن أنه يحمي عائلته حتى اكتشف أن عائلته كانت تحمي قلبه مرت السنين، وكبر ياسين وبقى شاب يعتمد عليه.
كان محتفظ بالكراسة القديمة في درج مكتبه، وكل فترة يفتحها ويقرأ أول صفحة.
وفي يوم، رجع البيت بعد أول يوم له في شغله.
دخل الصالة، لقى أمي قاعدة على الكرسي، وإيمان بتحضر لها الشاي.
بص لهم، وابتسم.
وبعدين طلع الكراسة وحطها قدامنا.
قال
فاكرين دي؟
ضحكت
إزاي أنساها؟ دي بقت تاريخ العيلة.
فتح آخر صفحة.
كان كاتب
النهارده فهمت معنى الجملة اللي كتبها جدي على الصورة.
سألته
فهمت إيه؟
قال
إن الإنسان مش بيورث أولاده فلوس بس بيورثهم طريقة يعيشوا بيها.
بصيت له بفخر.
كمل
أنا اتعلمت من بابا إن الراجل
إيمان ابتسمت، وأمي مسحت دمعة من عينها.
لكن ياسين فجأة قال
وعندي حاجة تانية.
طلع ظرف صغير.
إيه ده؟
قال
أنا قررت أخصص جزء من أول مرتب لحد محتاج علاج في المركز.
بصيت له بدهشة.
إنت لسه أول مرتب!
ضحك
ماهو جدي بدأ الحكاية دي من زمان وأنا عايز أكملها.
أمي رفعت إيدها وقالت
ربنا يبارك لك يا ابني.
في اللحظة دي، فهمت إن الحكاية اللي بدأت بخوف، انتهت بحاجة أكبر بكتير.
ماكانش فيه شرير لازم ننتقم منه.
ولا خيانة لازم نكتشفها.
كان فيه بس ناس بتحب بعض، وكل واحد منهم كان بيحاول يحمي التاني بطريقته.
أنا كنت فاكر في البداية إن إيمان هي اللي بتخدم أمي.
وبعدين اكتشفت إنها كانت بتخدم البيت كله.
وأمي، رغم مرضها، كانت بتحاول تحميني.
وياسين، رغم صغر سنه، كان شايل همنا أكتر مما كنت متخيل.
وقفت وسطهم وقلت
عارفين إيه أكتر حاجة أنا فخور بيها؟
ياسين قال
إني أنا؟
ضحكنا.
قلت
إن كل واحد فينا لما قدر يعمل حاجة كويسة عملها من غير ما يستنى مقابل.
أمي قالت
ودي أكبر تركة يسيبها الإنسان.
بصيت لصورة أبويا المعلقة على الحيطة.
وقلت في سري
اطمن يا أبي البيت اللي بنيته بحبك، لسه واقف.
ومن يومها، بقت عندنا عادة.
كل يوم جمعة، نتجمع على سفرة واحدة.
أمي في مكانها، إيمان جنبها، ياسين قدامنا.
ونحكي لبعض عن أسبوعنا.
من غير أسرار.
من غير خوف.
من غير ما حد يشيل هم لوحده.
لأننا اتعلمنا الدرس الأهم
العيلة الحقيقية مش اللي مافيهاش مشاكل العيلة الحقيقية هي اللي لما المشكلة تظهر، كل واحد يقول أنا جنبك.
وده كان أجمل ختام لحكايتنا وفي آخر يوم من السنة، اتجمعنا كلنا على السفرة.
أمي كانت بتضحك، وإيمان بتحط الأكل، وياسين بيحكي لنا عن شغله وخططه
بصيت لهم، وفجأة افتكرت اليوم اللي رجعت فيه بدري وسمعت أمي بتصرخ.
اليوم ده كنت فاكر إن حياتي هتنهار.
لكن الحقيقة إن اليوم ده كان بداية إن عيني تفتح على النعمة اللي في بيتي.
قربت من إيمان وقلت لها
فاكرة
متابعة القراءة