كل يوم

لمحة نيوز

كل يوم كنت برجع من الشغل ألاقي مراتي إيمان قاعدة جنب أمي القعيدة، بتأكلها بحنية، وتمسح إيديها، وتغطيها.
كنت ببص عليهم وأقول لنفسي
يا بختي بيها أنا ربنا رزقني بزوجة أصيلة.
أمي، الحاجة نادية، كانت اتعرضت لجلطة من سنتين، ومن وقتها بقت محتاجة مساعدة في معظم تفاصيل حياتها.
وإيمان من يوم ما خرجت من المستشفى وهي واقفة جنبها.
مواعيد الدوا، الأكل، العلاج الطبيعي، وحتى أبسط الحاجات كانت بتعملها من غير ما أطلب.
عشان كده لما ياسين، ابني اللي عنده 8 سنين، بدأ يتصرف بغرابة، ماخدتش بالي.
كان ساعات يبص لإيمان، وبعدين يبص لجدته، ويسكت.
لحد يوم الخميس الصبح، وأنا نازل الشغل، شد كمي وقال
بابا تعالى بدري النهارده.
ضحكت
ليه يا بطل؟
بص حواليه، وقرب مني
عندي لك مفاجأة بس أوعدني ما تزعلش.
طبطبت على كتفه
وعد.
رجعت الساعة 340، ودخلت البيت بهدوء.
وقبل ما أوصل للصالة، سمعت صوت أمي وهي بتتكلم بانفعال
إيمان أرجوكِ، بلاش يعرف!
وقفت مكاني.
وبعدها سمعت إيمان بتقول
لازم يعرف يا حاجة نادية أنا مش هقدر أخبي أكتر من كده.
دخلت عليهم فجأة.
تعرف إيه؟
الاتنين سكتوا.
أمي بصتلي، ووشها كان مليان خوف.
إيمان قربت مني وقالت
اقعد الأول يا محمود.
لا. قولي.
أمي بدأت تعيط.
الفلوس اللي كنت بتدفعها كل شهر للرعاية والعلاج إيمان كانت بتوفر منها جزء.
اتصدمت.
بصيت لإيمان
إنتِ بتوفري من فلوسي؟
هزت راسها
أيوه بس مش لنفسي.
طلعت ظرف من الدولاب ومدتهولي.
فتحته، ولقيت إيصالات وأوراق.
من أول يوم عرفت إن الشركة اللي بتشتغل فيها بتخصم منك جزء كبير بسبب أزمة حصلت في الشغل، وأنا خفت أقولك. كنت بشتغل من البيت في الخياطة بالليل، وكل جنيه كنت بكسبه بحطه على علاج مامتك ومصاريف البيت.


بصيت لأمي.
قالت وهي بتعيط
وأنا كنت عايزة أقولك بس إيمان خلتني أوعدها ما أقولش.
فضلت ساكت.
وقتها ياسين خرج من أوضته.
قال
دي المفاجأة يا بابا.
بصيت له باستغراب.
إيه؟
ابتسم لأول مرة وقال
أنا وإيمان عملنا لك مفاجأة هي قالتلي إنك لازم تعرف قد إيه هي بتحبك وبتحب جدتي.
إيمان مسحت دموعها وقالت
أنا ماكنتش عايزة أكون بطلة في عينك يا محمود. كنت بس بعمل اللي شايفاه صح.
قربت منها، ومسكت إيدها.
وقلت
وأنا كنت فاكر إني اللي شايل البيت كله طلعتِ إنتِ اللي شايلة جزء كبير منه من غير ما تتكلمي.
أمي ابتسمت وقالت
ربنا عوضني ببنت قبل ما تكون زوجة لابني.
حضنت أمي، وبعدين بصيت لإيمان وياسين.
في اليوم ده فهمت إن مش كل سر وراه مصيبة
أحيانًا الإنسان بيخبي الحقيقة مش عشان يؤذيك، لكن عشان يحميك من وجع هو شايله لوحده.
ومن يومها، ماعدتش أقول
يا بختي بيها.
بقيت أقول
الحمد لله إن ربنا رزقني بيها لكن الحكاية ما انتهتش عند اللحظة دي.
في نفس الليلة، بعد ما ياسين نام، قعدت أنا وإيمان جنب أمي في الصالة.
كنت لسه بفكر في الكلام اللي سمعته، وفجأة أمي نادتني
محمود تعالى.
قربت منها.
مدت إيدها ناحية درج صغير جنب الكرسي، وقالت
طلع اللي جواه.
فتحت الدرج، لقيت ملف قديم مربوط بشريط.
بصيت لها باستغراب
إيه ده؟
قالت
ده السبب الحقيقي اللي إيمان كانت بتحاول تخبيه عليك.
فتحت الملف، ولقيت ورق من المستشفى، وإيصالات، وتحويلات بنكية.
لكن وسط الأوراق كان فيه ظرف باسمي.
فتحته، وقرأت أول سطر
إلى ابني محمود لو في يوم عرفت الحقيقة، سامحني.
قلبي اتقبض.
رفعت عيني لأمي
إنتِ مخبية عني إيه؟
دموعها نزلت.
قبل ما أتعرض للجلطة بشهر، كنت عرفت إن الشركة اللي إنت شغال فيها داخلة في أزمة،
وإن وظيفتك مهددة.
سكتُّ.
لكن إيمان عرفت قبلك وبدل ما تقولك، بدأت تدور على حل.
بصيت لإيمان.
حل إيه؟
قالت وهي بتبص في الأرض
كنت خايفة لو عرفت إن شغلك مهدد، تحمل نفسك فوق طاقتك خصوصًا إن علاج والدتك كان غالي.
وبعدين طلعت ورقة من الملف.
عشان كده قدمت على شغل إضافي من البيت، وكنت بشتغل بالليل.
مسكت الورقة.
كان عقد عمل بسيط، لكن عليه تاريخ قديم.
يعني إيمان كانت بتشتغل من شهور وأنا مش عارف.
قلت لها
ليه ماقولتيليش؟
ابتسمت بحزن
عشان أنت طول عمرك شايف إن الراجل لازم يشيل كل حاجة لوحده وأنا كنت عايزاك تعرف إن البيت مش حملك إنت لوحدك.
سكتُّ طويلًا.
وفجأة سمعت صوت ياسين من ورايا
بابا؟
لفيت.
كان واقف في باب الأوضة ودموعه في عينه.
ماما قالتلي ما أقولكش حاجة بس أنا كنت خايف.
خايف من إيه يا حبيبي؟
قال
كنت خايف إنك تتعب وماتقولش لحد.
بصيت لإيمان وأمي.
وقتها فهمت إن المفاجأة الحقيقية ماكانتْش ورق ولا فلوس.
المفاجأة كانت إن الناس اللي حواليا كانوا بيحموني بطريقتهم، وأنا طول الوقت فاكر إني أنا اللي بحميهم.
لكن قبل ما أقفل الملف، وقعت عيني على ورقة أخيرة.
ورقة ماكانش عليها اسم إيمان
كان عليها اسمي أنا.
وتحت الاسم جملة واحدة
موعد المقابلة الأحد القادم.
رفعت رأسي وسألت
إيه المقابلة دي؟
إيمان وأمي بصوا لبعض
وساعتها عرفت إن لسه فيه سر أكبر محدش قالهولي بصيت لإيمان وأمي، وحسيت إن في حاجة كبيرة مستخبية عني.
مقابلة إيه؟ وليه اسمي مكتوب عليها؟
إيمان أخدت نفس طويل وقالت
دي مش مقابلة شغل عادية.
أمال إيه؟
أمي سبقتْها بالكلام
أنا اللي طلبتها.
اتصدمت.
إنتِ؟
هزت راسها.
من قبل ما صحتي تتعب، كنت أعرف راجل اسمه الأستاذ فؤاد. كان صاحب شركة كبيرة، وكان
يعرف والدك الله يرحمه.
سكتت لحظة وبعدين كملت
قبل وفاة أبوك، كان ساعده في بداية حياته، وأبوك عمره ما نسي له الجميل.
فتحت الورقة تاني.
فؤاد عرف إن شركتك داخلة في أزمة، وعرف إنك ممكن تخسر شغلك. فقال لي لو محمود موافق، أنا عندي مكان ليه في شركتي.
بصيت لإيمان
وإنتِ كنتِ عارفة؟
قالت
من شهرين.
وماقولتيليش؟
ابتسمت
لأننا كنا عايزينك تروح المقابلة من غير ما تحس إنك بتروح تستنجد بحد.
الكلام لمس حاجة جوايا.
أنا طول عمري كنت بحاول أبان قوي قدام أمي ومراتي وابني.
لكن الحقيقة إنهم كانوا شايلين عني حاجات كتير من غير ما يحسسوني إني ضعيف.
في اليوم التالي رحت المقابلة.
دخلت مكتب الأستاذ فؤاد، لقيت راجل كبير في السن واقف مستنيني.
مد إيده وقال
إنت محمود ابن صديقي القديم.
قعدت قدامه، وبدأ يسألني عن شغلي وخبرتي.
وبعد حوالي ساعة، قال
أنا مش هعرض عليك وظيفة بس.
استغربت.
أمال إيه؟
فتح درج مكتبه وطلع ملف.
عايزك تدير فرع جديد للشركة في الإسكندرية.
سكت من الصدمة.
بس أنا...
قاطعني
أبوك كان دايمًا بيقول إنك هتكون راجل يعتمد عليه. وأنا شايف إن الوقت جه تثبت ده.
خرجت من المكتب وأنا مش مصدق.
رجعت البيت، ولما فتحت الباب، لقيت أمي وإيمان وياسين قاعدين مستنييني.
ياسين جري عليا
ها يا بابا؟
ضحكت 
اتقبلت.
إيمان دمعت من الفرحة.
وأمي رفعت إيدها للسماء وقالت
الحمد لله.
لكن وأنا ببص لهم، افتكرت كل الأيام اللي فاتت.
افتكرت إن إيمان كانت بتشتغل في السر، وأمي كانت بتحاول تحميني، وياسين كان شايل خوف أكبر من سنه.
فقعدت بينهم وقلت
من النهارده مفيش أسرار بينا.
إيمان ضحكت وقالت
حتى لو المفاجأة حلوة؟
ضحكت
حتى لو حلوة.
ياسين رفع إيده وقال
وأنا كمان؟
ضممته ليا
إنت
أول واحد.
وفي اللحظة دي، أمي بصت لنا وقالت جملة عمرها ما هتروح من بالي
البيت اللي أهله يسندوا بعض عمره ما يقع.
وساعتها فهمت إن أكبر نعمة في حياتي ماكانتْش الشغل ولا الفلوس.
كانت عيلتي.
والست
تم نسخ الرابط