كل يوم
المحتويات
اللي كنت فاكر إني لازم أحميها
كانت هي، من غير ما أشعر، بتحميني طول الوقت عدّت الشهور، وبدأت حياتنا تستقر من جديد.
الشغل الجديد كان متعب، لكن المرة دي كنت برجع البيت وأنا مرتاح، لأني بقيت أشارك إيمان كل حاجة بدل ما كل واحد فينا يخبي تعبه عن التاني.
أما أمي، فبدأت حالتها تتحسن تدريجيًا مع العلاج الطبيعي.
وفي يوم، وأنا راجع من الشغل، لقيت إيمان واقفة في البلكونة، ووشها متغير.
أول ما دخلت قالت
محمود، لازم نتكلم.
قلبي اتقبض.
في إيه؟
ناولَتني ظرف.
الظرف ده وصل النهارده.
فتحته، ولقيت خطاب رسمي من المستشفى.
كان مكتوب فيه إن أمي محتاجة عملية دقيقة، وإن تكلفتها كبيرة.
بصيت لإيمان
إحنا هندبرها.
قالت
أنا عارفة.
يبقى مالك؟
سكتت شوية، وبعدها قالت
أنا كنت بفكر أبيع الدهب اللي معايا.
هزيت راسي
لا.
بس يا محمود...
مش هبيع حاجة تخصك. إحنا هنواجه الموضوع سوا.
سمعت صوت أمي من الصالة
ولا هتبيعوا حاجة.
دخلنا عندها، وكانت مبتسمة.
أنا مش عايزة أكون سبب في إنكم تتعبوا.
قربت منها ومسكت إيدها.
إنتِ مش عبء يا أمي.
ياسين دخل علينا فجأة، وكان ماسك حصالة كبيرة.
حطها على الترابيزة وقال
دي فلوسي.
ضحكنا رغم الموقف.
قلت له
فلوسك ليه يا حبيبي؟
قال بكل جدية
عشان جدتي.
إيمان ، وأمي بدأت تعيط.
لكن المفاجأة كانت إن الموضوع ماوقفش عندنا.
في اليوم التالي، وأنا في الشغل، لقيت الأستاذ فؤاد بيتصل بيا.
قال
سمعت إن والدتك محتاجة عملية.
استغربت
مين قال لحضرتك؟
ضحك
أنت فاكر إن الخير بيتخبى؟
وبعدها قال
المستشفى اللي هتعمل فيها العملية تابعة لمؤسسة خيرية أنا عضو فيها. العملية هتتعمل من غير ما تدفعوا التكلفة.
سكتُّ من شدة التأثر.
أنا مش عارف أقول لحضرتك إيه.
قال
قول لي إنك هتفضل راجل واقف جنب أهلك.
قفلت المكالمة
رجعت البيت، وحكيت لهم.
أمي رفعت إيدها وقالت
ربنا بيرد الجميل.
إيمان ابتسمت.
أما ياسين، فقال جملة خلتنا كلنا نضحك
يعني أقدر أرجع فلوسي الحصالة؟
ضحكنا لأول مرة من قلبنا بعد أيام طويلة.
وبعد أسبوع، دخلت أمي غرفة العمليات.
وقفت أنا وإيمان وياسين قدام باب المستشفى.
ولأول مرة، ماكانش عندي خوف من المستقبل.
لأنني عرفت حاجة مهمة
مش شرط الإنسان يبقى قوي طول الوقت أحيانًا قوته الحقيقية إنه يسمح للي بيحبوه يسندوه.
وبعد ساعات، خرج الطبيب من غرفة العمليات، وابتسم وقال
الحمد لله العملية نجحت.
وقتها ياسين جري على أمه، وإيمان .
أما أنا، فوقفت للحظة، وغمضت عيني.
وحمدت ربنا على العيلة اللي كانت جنبي
مش في وقت الفرح بس، لكن في أصعب وقت كمان بعد نجاح العملية، بدأت أمي تستعيد قوتها يومًا بعد يوم.
وبعد حوالي شهر، قدرت تقف بمساعدة العلاج الطبيعي لأول مرة.
اليوم ده كان مختلف.
كنت واقف قدامها وأنا ماسك إيديها، وإيمان واقفة وراها، وياسين بيصور بالموبايل.
أمي وقفت ثواني، وبعدها قالت وهي بتضحك
شايف يا محمود؟ لسه العمر فيه بقية.
ضحكت ودموعي نزلت.
طبعًا يا أمي.
لكن بعد أسبوع، حصل شيء ماكنتش متوقعه.
وأنا راجع من الشغل، لقيت أمي قاعدة في الصالة، وإيمان جنبها، وعلى الترابيزة ظرف كبير.
قلت
إيه ده؟
أمي قالت
ده ليك.
فتحت الظرف، لقيت عقد ملكية.
بصيت فيه باستغراب.
ملكية إيه؟
قالت
الشقة اللي فوقنا.
اتصدمت.
إنتِ اشتريتيها؟
ضحكت
لا. أبوك كان شاريها زمان، بس كانت مسجلة باسم واحد من أقاربه، وبعد سنين من الإجراءات رجعت لنا.
بصيت لإيمان.
وإنتِ كنتِ عارفة؟
ابتسمت
من كام يوم.
طب ليه محدش قالي؟
ياسين دخل وهو بيضحك
عشان دي كانت مفاجأة!
قعدت وأنا مش مصدق.
أمي قالت
أنا عايزاك تاخد الشقة
بصيت لها
ليه؟
قالت
لأنكم بنيتوا بيتنا من غير ما تطلبوا مقابل.
إيمان رفضت فورًا
لا يا حاجة، إحنا عملنا اللي علينا.
أمي مسكت إيدها وقالت
وعشان كده تستحقوا.
لكنني فجأة افتكرت كل حاجة.
افتكرت الأيام اللي إيمان كانت بتشتغل فيها بالليل.
افتكرت ياسين وهو خايف على جدته.
افتكرت نفسي وأنا فاكر إني شايل الدنيا لوحدي.
فقلت
مش هاخد الشقة كهدية.
أمي استغربت.
أمال؟
قلت
هنخليها مشروع للعيلة.
إيمان ابتسمت
مشروع إيه؟
قلت
نأجرها، والدخل يبقى جزء منه لعلاج ماما، وجزء لمصاريف ياسين وتعليمه، والباقي نحوشه لمستقبلنا.
أمي ابتسمت بفخر.
أهو ده ابني.
أما ياسين فقال
وأنا؟
ضحكت
إنت مدير المشروع.
رفع راسه وقال
تمام بس المرتب كام؟
انفجرنا كلنا بالضحك.
وفي اللحظة دي، فهمت إن البيت مش حيطان ولا ورق ملكية.
البيت الحقيقي هو الناس اللي لما الدنيا تضيق، تلاقيهم واقفين جنبك من غير ما تستدعيهم.
ومن يومها، اتغيرت حياتنا فعلًا
لكن المفاجأة الأخيرة كانت لسه جاية.
لأن بعد أيام قليلة، وصل لمحمود خطاب من مكتب محاماة يحمل اسم والده المتوفى
وعلى الظرف جملة واحدة
إلى محمود هناك شيء تركه لك والدك ولم تعرف عنه شيئًا مسكت الظرف وإيدي بدأت ترتعش.
بصيت لإيمان، وبعدها لأمي.
هو بابا سايبلي إيه؟
أمي بصت للظرف طويلًا، وكأنها شافت شبح من الماضي.
افتح يا ابني.
فتحت الخطاب.
كان من محامي قديم، وبيطلب مني أروح مكتبه في أسرع وقت.
تاني يوم رحت.
المحامي كان راجل كبير، وأول ما شافني قال
أبوك كان متوقع إن الورق ده يوصل لك في يوم.
قعدت قدامه.
إيه الموضوع؟
طلع ملف قديم وحطه قدامي.
والدك كان شريك في مشروع تجاري صغير من سنين، لكنه انسحب منه قبل وفاته.
قلبت الأوراق.
طب إيه علاقتي بالموضوع؟
قال
كان
استغربت
ليه؟
ابتسم المحامي
قال إن الفلوس دي لازم تفضل في المشروع لحد ما يكبر، ولو المشروع نجح، نصيبك أنت هيكون موجود.
فتحت عيني بدهشة.
يعني إيه؟
طلع ورقة أخيرة.
المشروع كبر فعلًا، وأصبح شركة ناجحة. ووالدك ترك نصيبه لك.
ماعرفتش أتكلم.
بس ليه ماقالليش؟
المحامي تنهد
لأنه كان عايزك تبني نفسك بنفسك الأول.
رجعت البيت وأنا شايل الملف.
أمي أول ما شافتني فهمت.
عرفت.
هزيت راسي.
بابا كان سايبلي نصيب في شركة.
دموعها نزلت.
كان دايمًا يقول إنك لازم تتعلم تعتمد على نفسك.
إيمان قربت مني وقالت
وأنت عملت كده فعلًا.
بصيت للورق.
كان المبلغ كبير، وكان ممكن يغير حياتنا بالكامل.
لكن بدل ما أفرح بالفلوس، أول حاجة فكرت فيها كانت أمي.
قلت
أنا عايز أعمل حاجة باسم بابا.
إيمان سألت
إيه؟
قلت
جزء من الفلوس هيتحط في مشروع صغير يوفر علاج طبيعي مجاني لكبار السن اللي ظروفهم صعبة.
أمي بكت.
أبوك كان هيفرح بيك.
ياسين دخل علينا وقال
يعني جدو سايب فلوس عشان يساعد ناس؟
ابتسمت
أيوه.
قال
يبقى أحسن حاجة نعملها إننا نكمل اللي هو بدأه.
بصيت له، وابتسمت.
ساعتها فهمت إن أكبر ميراث مش الفلوس.
أكبر ميراث هو إن الإنسان يسيب بعده أثر كويس في حياة الناس.
وبعد شهور، اتفتح أول مركز صغير للعلاج الطبيعي باسم والدي.
وكانت أمي أول واحدة تدخل منه وهي ماشية على رجليها.
إيمان كانت ماسكة إيدها، وياسين واقف جنبهم.
وقفت بعيد وبصيت للمشهد.
افتكرت اليوم اللي دخلت فيه البيت وكنت فاكر إن فيه مصيبة.
لكن اللي حصل بعدها علمني إن بعض الأبواب لما تتفتح، ما بتكشفش لنا شر
بتكشف لنا حجم الحب اللي كان مستخبي حوالينا طول الوقت.
وفي آخر اليوم، أمي مسكت إيدي وقالت
دلوقتي أقدر أقول لك وأنا مطمنة
ابتسمت وسألتها
ليه؟
قالت
لأنك بقيت فاهم إن العيلة مش شخص واحد يشيل الكل العيلة إيدين تسند بعض.
.
ومن بعيد، كان ياسين بيضحك مع إيمان.
وعرفت إن دي كانت أجمل نهاية ممكنة لحكايتنا.
لا خيانة ولا
متابعة القراءة