حماتى

لمحة نيوز

وقالت
بس اكتبي جنبها الوصفة دي اتسببت في أكبر خناقة وأحسن صلح.
قعدنا كلنا نضحك.
وبعد فترة، الكراسة كبرت.
كل واحدة كتبت وصفاتها، ومع كل وصفة كانت فيه حكاية صغيرة.
وفي آخر صفحة، حماتي كتبت بخط إيدها
إلى بناتي
لو في يوم حد قال لك إن غيرك أحسن منك، ما تصدقيش.
ولو في يوم لقيتي نفسك بتقارني نفسك بغيرك، افتكري إن ربنا ما خلقش الناس نسخ من بعض.
أنا ضيعت وقت طويل وأنا أقارن، لكنكم علمتوني إن البيت مش بيكبر بالمقارنة البيت بيكبر بالمحبة.
لما قرأت الكلام، عيني دمعت.
وضرتي مسكت إيدي.
وقالت
فاكرة لما كنتِ فاكرة إني ضدك؟
قلت
أيوه.
ضحكت وقالت
وأنا كنت فاكرة إنك زعلانة مني.
قلت
طلعنا إحنا الاتنين بنفهم غلط.
حماتي قالت
وعشان كده الكلام مهم. السكوت بيكبر سوء الفهم.
جوزي كان واقف بعيد، وسمع الكلام.
ابتسم وقال
وأنا كمان اتعلمت درس.
بصينا له.
قال
لو كنت سألتكم من الأول، بدل ما أسمع كلام من هنا ومن هنا، كان الموضوع خلص بدري.
ضحكنا.
وبعدها بفترة، حصلت أجمل حاجة.
ابني الصغير كان واقف في المطبخ وبيساعد جدته.
بص لي وقال
ماما، أنا لما أكبر هتعلم منك ومن عمتي الاتنين.
حماتي ضحكت وقالت
ليه؟ عايز تبقى شاطر في الطبخ؟
قال
لا علشان كل واحدة بتعمل حاجة مختلفة.
بصيت لحماتي.
كانت ساكتة وبتبتسم.
وفي اللحظة دي حسيت إن كل اللي حصل كان له معنى.
لأن طفل صغير فهم في جملة واحدة حاجة إحنا الكبار احتجنا وقت طويل علشان نفهمها
إن اختلافنا مش عيب وإن نجاح غيرنا
مش معناه إننا فشلنا.
ومن يومها، كل ما أطبخ أكلة جديدة، حماتي تدخل المطبخ وتقول
إيه رأيك نعملها سوا؟
فأرد عليها
طبعًا.
وتضحك وتقول
بس إوعي تخليني أقارن.
فأقول لها
خلاص كل واحدة تعملها بطريقتها.
ونقعد كلنا على السفرة.
من غير مقارنة.
من غير منافسة.
ومن غير كلمة كانت زمان بتوجعني
ضرتك بتعملها أحسن.
لأن حماتي أخيرًا فهمت إن أحسن أكلة مش اللي تكسب في المقارنة
أحسن أكلة هي اللي تتعمل بإيد ناس بتحب بعض.
ودي كانت نهاية الحكاية فعلًا
لكنها كانت في نفس الوقت بداية عيلة اتعلمت إن المحبة لما تدخل البيت، المقارنة بتخرج منه بعد ما عدّى وقت طويل، كنت فاكرة إن موضوع حماتي والمقارنات بقى من الماضي.
لكن في يوم، وأنا عندها، لقيتها بتقلب في كراسة وصفات العيلة وبتضحك.
قالت لي
عارفة إن أول صفحة في الكراسة دي ناقصة؟
قلت
ناقصها إيه؟
قالت
وصفة واحدة.
سألتها
وصفة مين؟
بصت لي وقالت
وصفتك إنتِ.
ضحكت
أنا كتبت كذا وصفة.
قالت
أنا مش قصدي وصفة أكل.
وسكتت لحظة.
أنا عايزة تكتبي فيها حكايتك.
استغربت.
قالت
كل واحدة فينا عندها حاجة اتعلمتها. وإنتِ أكتر واحدة اتعلمت من اللي حصل.
قعدت جنبها.
قالت
اكتبي إنك كنتِ في الأول بتزعلي من المقارنة، وبعدها فهمتي إن المشكلة مش فيك.
مسكت القلم وبدأت أكتب.
كتبت
في يوم فهمت إن الإنسان ممكن يضيع سنين وهو بيحاول يثبت إنه أحسن من غيره، مع إن الحقيقة إنه مش محتاج يثبت أي حاجة.
أنا مش لازم أكون أحسن من ضرتي.
وضرتي مش لازم
تكون أحسن مني.
كل واحدة فينا ليها تعبها، وطريقتها، وحياتها.
واللي بيحبك بجد، مش هيطلب منك تكسب على حساب غيرك.
حماتي قرأت الكلام، وعينيها دمعت.
قالت
دي أهم وصفة في الكراسة كلها.
ضحكت.
لكن قبل ما نقفل الكراسة، جوزي دخل وقال
ماما، في ناس بره عايزين يقابلوك.
سألته
مين؟
قال
مجموعة من السيدات اللي بدأوا المشروع معانا.
دخلوا، وكان واضح عليهم الفرح.
واحدة منهم قالت
إحنا جايين نشكركم.
حماتي استغربت
على إيه؟
قالت
المكان ده خلانا نشتغل ونكسب من غير ما نستنى حد.
وضرتي قالت
إحنا اللي اتعلمنا منكم.
الست هزت راسها
إنتوا علمتونا حاجة أهم من الطبخ علمتونا إن الست ممكن تشجع ست تانية بدل ما تقارن نفسها بيها.
حماتي بصت لي.
وأنا بصيت لها.
ابتسمنا من غير كلام.
لأننا الاتنين كنا عارفين إن الجملة دي بالذات كانت تلخص كل اللي حصل.
وفي آخر اليوم، وإحنا بنقفل المكان، حماتي وقفت عند الباب وقالت
أنا زمان كنت فاكرة إن لو واحدة طلعت أحسن، التانية لازم تطلع أقل.
وبعدين ابتسمت وقالت
دلوقتي عرفت إن نجاح واحدة ممكن يفتح باب نجاح للتانية.
ومشينا كلنا جنب بعض.
ولأول مرة، ما حسيتش إن ضرتي منافسة ليا.
ولا هي حست إني منافسة ليها.
بقينا فعلًا أخوات.
أما حماتي
فبقت أكتر واحدة بتقول لكل ست تدخل المكان
إوعي تقارني نفسك بحد اتعلمي منه، وخلّي له مكان يتعلم منك.
وساعتها عرفت إن الحكاية اللي بدأت بكلمة كانت بتوجعني
انتهت بكلمة بقت بتقوينا كلنا
إحنا مش منافسين إحنا
سند لبعض وفي آخر يوم من السنة، اتجمعنا كلنا في بيت حماتي.
حطينا الأكل على السفرة، وكل واحدة فينا كانت عاملة صنف مختلف.
حماتي داقت من كل طبق، وبعدين بصت لنا وقالت وهي بتضحك
فاكرين زمان لما كنت بقول ضرتك بتعملها أحسن؟
ضحكنا.
وقالت
أنا النهارده عندي جملة جديدة.
سكتنا نستنى.
ابتسمت وقالت
كل واحدة فيكم بتعملها بطريقتها وكل طريقة فيها حاجة حلوة.
بصيت لضرتي، ومسكت إيدها.
قلت لها
فاكرة أول مرة كنتِ بتاخدي مني الوصفات؟
ضحكت وقالت
أيوه وما كنتش متخيلة إن الموضوع هيوصل بينا لكل ده.
رديت
وأنا ما كنتش متخيلة إن المقارنة دي هتخلينا في الآخر أقرب لبعض.
حماتي قامت وجابت كراسة وصفات العيلة، وفتحت آخر صفحة.
كانت مكتوبة بخط إيدها
أهم وصفة اتعلمتها في حياتي
ما تقارنش حد بحد شجّعهم الاتنين، وهتلاقي البيت كله كسب.
حطت القلم على السفرة وقالت
دي آخر صفحة.
جوزي ابتسم وقال
آخر صفحة في الكراسة مش في الحكاية.
ضحكنا كلنا.
ومن يومها، كل ما واحدة فينا تعمل أكلة جديدة، ما بقيناش نسأل
مين عملها أحسن؟
بقينا نسأل
إيه اللي عجبك فيها؟
وبكده انتهت المقارنة
وبدأ مكانها شيء أجمل
المحبة، والتقدير، والسند.
وعرفت إن أحيانًا كلمة صغيرة ممكن تجرح بيت كامل، لكن كلمة أصدق وأحنّ ممكن تصلح سنين.
وأجمل حاجة حصلت لي في النهاية؟
إني ما كسبتش على حساب ضرتي
إحنا الاتنين كسبنا بعض.
أما حماتي، فكانت كل ما حد يسألها عن سر تغيّرها تقول
كنت فاكرة إن لازم واحدة تكون أحسن من
التانية لحد ما فهمت إن أحسن بيت هو اللي كل واحد فيه يرفع التاني، مش يقلل منه.
وهنا انتهت الحكاية لكن فضل درسها عايش معانا
البيوت مش بتكبر بالمقارنة البيوت بتكبر بالمحبة.

تم نسخ الرابط