حماتى
المحتويات
المطبخ وأنا ههرب.
انفجرنا كلنا بالضحك.
ولأول مرة من سنين، السفرة اللي كانت سبب المقارنات بقت هي المكان اللي جمعنا.
وعرفت وقتها إن أحيانًا المشكلة مش في الأكل
المشكلة في كلمة صغيرة بتتكرر كل يوم، لحد ما تزرع جوه الإنسان إحساس إنه أقل من غيره.
لكن كلمة واحدة صادقة ممكن تمسح سنين من الوجع
إنتِ كفاية ومش محتاجة تثبتي إنك أحسن من حد.
ومن يومها، دي بقت الجملة اللي حماتي بتقولها لي كل ما أطبخ لها حاجة جديدة وبعد ما المشروع بدأ، حصلت حاجة ماكنتش في الحسبان.
في أول يوم افتتاح، حضر عدد كبير من سيدات المنطقة، وكل واحدة جابت أكلة أو مهارة تتعلمها لغيرها.
حماتي كانت واقفة جنبي، وضرتي الناحية التانية.
وفجأة دخلت ست كبيرة في السن، أول ما شافت حماتي قالت
إنتِ أم محمود؟
حماتي بصت لها باستغراب.
أيوه حضرتك تعرفيني؟
الست ابتسمت وقالت
أنا كنت أعرف جوزك زمان.
سكتنا كلنا.
مدت لها ظرف صغير وقالت
هو كان سايبه عندي من سنين، وقال لي ما أديهولكيش غير لما أشوف إن البيت رجع فيه الود.
حماتي أخدت الظرف وإيديها بدأت ترتعش.
فتحت الورقة.
وكان فيها سطر واحد
لو وصلتك الرسالة دي، يبقى الحمد لله إنكم اخترتم العيلة بدل الخلاف.
حماتي دمعت.
وضرتي قربت منها.
قالت
هو كان عارف إننا هنختلف؟
الست قالت
كان خايف عليكم، لكنه كان مؤمن إنكم في الآخر هتفهموا بعض.
وبعدين مشيت.
فضلنا واقفين ساكتين.
جوزي قال
أبويا كان سايب لنا رسائل أكتر مما سايب فلوس.
حماتي ضحكت وسط دموعها
وأنا كنت بدور على الورق والفلوس ونسيت أهم حاجة.
ومن اليوم ده، حماتي بقت مختلفة تمامًا.
كل ما واحدة من السيدات تعمل أكلة، كانت تشجعها.
ولو واحدة قالت
أنا مش بعرف أعمل زيها.
كانت حماتي ترد فورًا
ما تحاوليش تعملي زيها اتعلمي منها
وأنا كنت بسمع الجملة دي وأبتسم.
لأن الست اللي كانت زمان بتقارنني بغيري، بقت هي نفسها تمنع المقارنة بين الناس.
وبعد شهور، المشروع كبر جدًا.
وبقى فيه سيدات بيبيعوا أكلهم ومنتجاتهم، وكل واحدة بدأت تعتمد على نفسها.
وفي يوم، جوزي وقف قدامنا وقال
فاكرين أول خناقة بدأت بسبب الأكل؟
ضحكت وقلت
دي كانت أسوأ أكلة وأحسن نتيجة في نفس الوقت.
قال
وأهو أبويا كان عنده حق السفرة فعلًا لمتنا.
حماتي ردت
لا، الناس هي اللي لمّت نفسها لما بطلت تقارن.
وبعدين بصت لي وقالت
وأنا أكتر واحدة اتعلمت الدرس.
مسكت إيدي وقالت
حقك عليا.
ابتسمت وقلت
سامحتك من زمان.
قالت
بس أنا مش عايزة بس تسامحيني عايزاكي تفضلي فاكرة حاجة.
إيه؟
قالت
لو في يوم شوفتي واحدة بتقلل من نفسها عشان حد قارنها بغيرها، فكريها إن كل إنسان له بصمته.
بصيت لضرتي.
فضحكت وقالت
وأنا كمان هقول نفس الكلام.
ومن يومها، بقيت كل مرة أدخل المطبخ أفتكر بداية الحكاية.
زمان كنت بدخل وأنا خايفة أسمع
ضرتك بتعملها أحسن.
دلوقتي بدخل وأنا عارفة إن كل واحدة فينا عندها طريقتها.
وفي آخر يوم من السنة، حماتي جمعتنا على السفرة وقالت
أنا عندي اقتراح.
سألناها
إيه؟
قالت
من النهارده، كل واحدة فينا تعمل أكلة، وبعدين كلنا ندوق من غير ما نقارن.
ضحكنا.
وبالفعل، عملنا الأكل.
قعدنا جنب بعض.
ودقنا من كل طبق.
ولأول مرة
ما حدش سأل مين أحسن.
سألنا بس
إيه اللي عجبك في الطبق ده؟
وساعتها فهمت إننا ما كناش محتاجين نعرف مين أحسن واحدة في الطبخ.
كنا محتاجين نتعلم إزاي نشوف الحلو في بعض.
ومن يومها، بقت الجملة اللي حماتي تكررها دايمًا
البيت اللي أهله بيشجعوا بعض عمر المقارنة ما تقدر تفرقه بعد ما افتكرنا إن كل حاجة انتهت، حصل موقف تاني ماكنتش
في يوم، كنت قاعدة مع حماتي وضرتي، وفجأة حماتي قالت
أنا عايزة أقول لكم حاجة مهمة.
بصينا لها.
طلعت دفتر قديم من شنطتها وقالت
الدفتر ده كان بتاع أبو جوزك، وأنا لقيته بعد ما فتحنا الدولاب القديم.
جوزي كان موجود، فأخد الدفتر وبدأ يقلب فيه.
وفي وسط الصفحات، لقى ورقة مكتوب عليها
مش كل مشكلة بتبدأ بسبب المال أحيانًا بتبدأ بسبب كلمة.
جوزي كمل القراءة.
كان أبوه كاتب إنه لاحظ من زمان إن حماتي كانت بتقارن بين نساء العيلة، وإنه كان خايف إن المقارنات دي تعمل خلافات بينهم.
لكن كان فيه سطر أخير شد انتباهنا
لو حصل خلاف، اسألوا عن السبب الحقيقي لأن الظاهر مش دايمًا هو الحقيقة.
جوزي بص لأمه وقال
هو كان يقصد إيه؟
حماتي سكتت.
وبعد لحظات قالت
في حاجة تانية ما قلتهاش لكم.
أنا وضرتي بصينا لبعض.
قالت
أبو جوزك قبل وفاته كان حاطط جزء من فلوسه في مشروع صغير باسم أولاده، وكان فيه حساب خاص بالعيلة.
جوزي اتفاجئ
حساب؟
هزت رأسها.
أيوه، وكنت أنا المسؤولة عنه.
سألها
والفلوس راحت فين؟
قالت
ما راحتش.
فتحت الدفتر على صفحة معينة.
كان فيها رقم حساب ومبلغ كبير نسبيًا، ومعاه ملاحظة
يُستخدم وقت احتياج أحد أفراد الأسرة.
جوزي قال
يعني بابا سايب فلوس للعيلة؟
قالت
أيوه.
بصيت لها وقلت
وليه ما قلتيش لنا؟
ردت
لأني كنت خايفة الفلوس تفرقكم.
ضحكت ضحكة صغيرة وقلت
وإنتِ مش واخدة بالك إن إخفاء الفلوس ممكن يعمل مشكلة أكبر؟
ابتسمت وقالت
اتعلمت خلاص.
جوزي قرر يتأكد من كل حاجة عن طريق البنك والمحامي، وبعد أيام اتأكد إن الحساب فعلًا موجود، وإن المبلغ محفوظ من سنين.
لكن بدل ما ياخده لنفسه، عمل حاجة خلتنا كلنا نفتخر بيه.
قال
الفلوس دي هنعمل بيها حاجة بابا كان يتمناها.
سألناه
إيه؟
قال
هنجهز مكان صغير
حماتي ابتسمت.
وضرتي قالت
وأنتِ أول واحدة هتعلّم وصفاتك.
ضحكت وقلت
وأهو أخيرًا هبطل أدي الوصفات في السر.
ضحكنا كلنا.
لكن قبل ما نمشي، حماتي مسكت إيدي وقالت
أنا كنت فاكرة إن المقارنة هتخليكم تتنافسوا لكن طلعت غلطانة.
قلت لها
المقارنة بتفرق الناس، المشاركة هي اللي بتقربهم.
هزت رأسها وقالت
وعشان كده، من النهارده مفيش ضرتي أحسن منك ولا إنتِ أحسن منها.
وبعدين ابتسمت وأضافت
إنتوا الاتنين عندي أهل.
وبصراحة، كانت دي أول مرة أحس إن الكلمة دي طالعة من قلبها.
ومن اليوم ده، اتحولت الحكاية كلها من مشكلة كانت ممكن تفرقنا
لسبب خلانا نتجمع أكتر.
وأصبح المطبخ اللي كان يومًا مكان للمقارنة، هو نفسه المكان اللي بدأنا منه مشروعنا الجديد.
وأول وصفة علمناها للناس كانت نفس الأكلة اللي بدأت بسببها الحكاية كلها.
لكن المرة دي
ما كانش فيه سؤال مين بيعملها أحسن؟
كان السؤال الوحيد
مين عنده وصفة حلوة يقدر يعلمها لغيره؟
ومن هنا بدأت حكاية جديدة تمامًا بعد الكلام ده، افتكرت إن الحكاية خلصت فعلًا.
لكن بعد سنة تقريبًا، حصل موقف رجّعني لأول يوم بدأت فيه المشكلة.
كنت في المطبخ بجهز الأكل، ولقيت حماتي داخلة وهي شايلة طبق.
قالت لي
فاكرة أول مرة قارنتك بضرتك؟
ضحكت وقلت
أنساها إزاي؟
قعدت جنبي وقالت
أنا وقتها كنت فاكرة إني بعمل الصح.
سكتت لحظة، وبعدين قالت
بس النهارده عرفت إني كنت بخسر حاجتين مهمين ثقتك في نفسك، وعلاقتك بيا.
بصيت لها وقلت
المهم إننا عرفنا نصلح.
هزت راسها وقالت
وعشان كده أنا عملت حاجة.
طلعت من شنطتها كراسة جديدة.
فتحت أول صفحة.
كان مكتوب
وصفات العيلة.
قالت
كل واحدة فينا هتكتب وصفاتها
ابتسمت.
ضرتي دخلت علينا وقالت
أنا بدأت أكتب وصفتي.
قلت لها
إيه أول وصفة؟
قالت وهي بتضحك
المحشي.
حماتي ضحكت
متابعة القراءة