في يوم تعميد
في يوم تعميد ابننا، جوزي أجبر أمي تطلع على المسرح علشان تقدم مشروبات لمديره، ولما اتلخبطت ضربها بصينية فضة في جبهتها، وبعدها أعلن طلاقنا في الميكروفون قدام 400 شخص.
وأمي كانت واقعة على أرض القاعة ودمها بينزف...
أنا في هدوء لغيت كل جنيه كان بيموّل شركته، وقلمته على وشه وابتسمت.
هما ماكانوش يعرفوا إنهم أهانوا الشخص الوحيد اللي ممكن أهد الدنيا كلها علشانه.
كانت نجف الكريستال الباكارات اللي معلق فوق قاعة الاحتفال في فندق بلازا، بينشر ضوء دهبي على مئات الضيوف اللي لابسين أفخم وأشيك هدوم.
وفي وسط القاعة الفخمة دي...
أمي كانت أكتر واحدة باينة.
كانت لابسة نفس الكارديجان القديم الباهت اللي بقالها سنين بتلبسه، وماسكة كيس هدية صغير بإيديها الاتنين، وبتبتسم بتوتر للناس اللي حواليها، واللي معظمهم حتى ماكانوش بيردوا ابتسامتها.
هي ماجتش علشان تبهر حد.
هي جت علشان تفرح بحفيدها في يوم تعميده.
وبالنسبة لي...
أمي كانت أجمل واحدة في المكان.
لكن بالنسبة لجوزي، أحمد...
كانت مجرد إحراج.
على مدار 3 سنين، كنت بتفرج عليه وهو مهووس أكتر وأكتر بالمظاهر.
البدل الغالية.
العضويات في الأماكن الحصرية.
علاقاته برجال الأعمال والمستثمرين الكبار.
كل حاجة عنده لازم تبان مثالية.
وأمي البسيطة، اللي طول عمرها بتتعب بإيديها، ماكانتش مناسبة للصورة اللي هو عايز يظهر بيها قدام الناس.
ولا حتى حماتي كانت بتخلي الموضوع يعدي.
من أول ما أمي وصلت، حماتي كانت ماشية وراها زي اللي مستني فرصة تمسك عليها غلطة.
خليكي حريصة وما تلمسيش حاجة.
مش ناقصة حد يسألك إنتي جاية منين.
وبابتسامة مصطنعة، قالت لها
ابني وحفيدي يستاهلوا حاجة أحسن من... كده.
كل إهانة كانت بتتقال بابتسامة راقية.
لكن كل كلمة كانت بتوجع أكتر من السكينة.
وأمي كانت كل مرة توطي راسها، وتعمل نفسها مش سامعة.
هي كل اللي كانت عايزاه إنها تعدّي اليوم من غير ما تعمل مشكلة.
لكن اللي حصل بعد كده...
كان أسوأ بكتير.
أحمد كان واقف على المسرح، ماسك الميكروفون، ووشه محمر من الغرور والشرب.
هو ماكانش عايز يتجاهل أمي بس.
هو كان عايز يذلها قدام كل الناس.
نادية؟
صوته دوّى في السماعات.
اطلعي هنا.
وسط
وبسخرية قال
ورّي مديري يعني إيه شغل الناس الجدعة... الشغل اللي بإيديهم.
أمي وطت راسها، وخدت خطوة صغيرة لقدام.
لكن كعب جزمتها القديم اتعلق في السجادة التقيلة.
الصينية مالت.
ونقطة واحدة من المشروب وقعت على جزمة مدير أحمد الغالية.
أحمد ماحاولش يساعدها.
ماحاولش حتى يمسك الصينية.
بالعكس...
مد إيده بعنف وضرب الصينية من إيديها.
طاخ!
حافة الصينية الفضية خبطت أمي في جبهتها مباشرة.
الكوبايات اتكسرت.
وأمي وقعت على الأرض الرخام الباردة، وخبطت راسها جامد لدرجة إن كل اللي حواليها شهقوا في نفس اللحظة.
القاعة كلها سكتت.
حوالي 400 شخص وقفوا عن الكلام.
و عين اتثبتت على أمي وهي بتحاول تقوم، والدم بدأ ينزل ببطء على جنب وشها.
أحمد ما مدش إيده يساعدها.
ولا حتى بص عليها بندم.
بالعكس...
بص لها باحتقار، وقرب الميكروفون من بقه علشان كل الناس تسمع.
الزبالة عمرها ما بتعرف غير إنها تبوّظ أي مكان تدخله.
صوته اتردد في القاعة.
وبعدين بص ناحيتي وقال
يا مريم...
أنا بطلقك.
وسكت ثانية، قبل ما يكمل بكل برود
خدي أمك اللي بتنزف دي، واطلعوا بره من هنا.
الوقت وقف.
كأن الدنيا كلها اتجمدت للحظة.
على مدار 3 سنين...
أنا ضحيت بكل حاجة علشان أحافظ على جوازي.
علشان أحافظ على كرامة أحمد.
وأهم حاجة...
علشان أحافظ على شكل عيلتنا قدام الناس.
أنا أخفيت الحقيقة عنه.
الحقيقة اللي لو عرفها، كان كل شيء اتغير.
أنا الوريثة الوحيدة لمجموعة شركات كبيرة جدًا اسمها مجموعة النور.
كنت بلبس هدوم بسيطة.
وبمثل إني على قد حالي.
وعايشة حياة متواضعة.
وفي الوقت نفسه...
كنت أنا اللي بدفع كل الفواتير من وراه.
وأنا اللي كنت بمول شركته التكنولوجية.
وأنا اللي أنقذته أكتر من مرة من الإفلاس.
وسيبته يصدق إنه هو اللي بنى كل حاجة بإيده.
كل ده...
علشان كنت عايزة جوازنا ينجح بجد.
لكن دلوقتي...
كنت شايفة أمي واقعة على الأرض الرخام، والدم بينزل من جبهتها.
جريت عليها وركعت جنبها.
إيدها كانت بتترعش وهي مسكت إيدي.
وبصوت مكسور، قالت
أنا آسفة...
وبعدين دموعها نزلت وهي بتكمل
أنا كسفتك.
كسفتك.
الكلمة
حسيت وقتها إن آخر ذرة صبر جوايا اختفت.
قمت بهدوء.
وبصيت لأحمد.
ماكانش في عينه أي ندم.
ولا حتى ذرة خوف.
كان مستمتع بقوته.
مستمتع إنه أهان حد أضعف منه قدام كل الناس.
صوتي طلع هادي بشكل غريب.
طلاق؟
لثانية...
القاعة فضلت ساكتة.
وبعدين أحمد ضحك ضحكة مليانة غرور.
أيوه طلاق!
وقرب مني وقال
إنتي نسيتي مين اللي بيصرف عليكي؟
وبنظرة مليانة احتقار، كمل
كل حاجة عندك موجودة بسببي. إنتي أصلًا مين علشان تبصيلي بالطريقة دي؟
ابتسمت.
مش ابتسامة غضب.
ولا ابتسامة حزن.
كانت ابتسامة واحدة عارفة الحقيقة كاملة.
وقلت له بهدوء
بسببك؟
وسكت لحظة.
وبعدين قلت
غريبة...
3 سنين عايش بالكامل على فلوسي...
...ومصدق إنك إنت اللي بتصرف عليا.
وشه اتغير.
لأول مرة شفت الحيرة في عينه.
بس هو لسه ما فهمش.
لسه ماكانش يعرف الحقيقة.
وقبل ما يفتح بقه بكلمة...
قربت منه.
رفعت إيدي.
وطلعت كل الإهانة، وكل السكوت، وكل الصبر اللي استحملته 3 سنين...
في ضربة واحدة.
طراااخ!
القلم دوّى تحت نجف الكريستال، كأنه صوت رصاصة.
أحمد رجع لورا واتخبط في المنصة، وحط إيده على خده وهو مش مصدق اللي حصل.
كل الغرور اللي كان في عينه اختفى.
وبصلي مصدوم وقال
إنتي...
إنتي ضربتيني بالقلم؟!
صوته كان بيرتعش من الصدمة.
وأنا نزلت إيدي بهدوء.
الوجع اللي في كف إيدي ماكانش له أي قيمة قدام اللي حصل لأمي.
بصيت في عينه مباشرة وقلت
ده...
لسه مجرد فاتح شهية يا أحمد.
وسكت لحظة.
وبعدين ابتسمت وقلت
لأن من اللحظة دي...
...كل حاجة إنت فاكر إنها ملكك، هتبدأ تختفي.
يتبع...
أحمد فضل واقف مكانه، إيده على خده، وعينه بتتنقل بيني وبين الناس.
واضح إنه لأول مرة في حياته مش عارف يقول إيه.
لكن قبل ما يلحق يستوعب كلامي، سمعت صوت حماتي من ورايا
إنتِ فقدتي عقلك؟!
جريت ناحيتي وهي بتصرخ
إزاي تمدي إيدك على ابني؟! إنتِ عارفة هو مين؟!
بصيت لها من غير ما أرد.
وبعدين نزلت عيني على أمي.
كانت لسه على الأرض، وإحدى العاملات بتحاول توقف النزيف من جبهتها.
ركعت جنبها مرة تانية وقلت
ماما، تقدري تقفي؟
هزت راسها، لكن أول ما حاولت تقوم، جسمها ترنح.
مسكتها بسرعة.
في اللحظة دي، صوت من آخر
اتصلوا بالإسعاف!
لكن أحمد صاح
محدش يتصل بحد!
بصيت له.
ليه؟
سكت.
فكمل بسرعة
الموضوع عائلي، ومش محتاج فضايح أكتر.
ضحكت بسخرية.
فضايح؟
وقفت وأنا ماسكة إيد أمي.
إنت ضربت ست كبيرة قدام 400 شخص، وأعلنت طلاقي في ميكروفون، ودلوقتي خايف من الفضيحة؟
وشه احمر.
لكن قبل ما يرد، موبايله رن.
بص للشاشة.
وكان المتصل هو مديره.
رد بسرعة
أيوه يا أستاذ فؤاد...
لكن ملامحه اتغيرت فجأة.
صوته بقى أهدى.
إيه؟
سكت.
إزاي يعني التحويل اتوقف؟
أنا ما اتحركتش.
بس ابتسامتي اختفت.
لأنني كنت عارفة بالضبط إيه اللي حصل.
منذ دقائق فقط، وأنا واقفة وسط القاعة، كنت قد أرسلت رسالة واحدة إلى المدير المالي لمجموعة النور.
رسالة قصيرة جدًا
أوقفوا كل التمويل الخاص بشركة أحمد من هذه اللحظة.
لا شرح.
لا تبرير.
ولا حتى توقيع.
لأنهم كانوا يعرفون صوتي قبل اسمي.
أحمد بدأ يصرخ في الهاتف
مستحيل! الفلوس نازلة آخر الشهر!
جاءه الرد من الطرف الآخر
مش هتنزل.
ليه؟!
سكت الرجل ثواني.
ثم قال جملة جعلت أحمد يرفع عينيه نحوي ببطء
لأن صاحبة القرار ألغت التمويل.
أحمد بلع ريقه.
مين صاحبة القرار؟
جاءه الرد
أنت المفروض تكون عارف.
ثم أُغلق الخط.
القاعة كلها كانت تراقبه.
وأنا كنت واقفة بجوار أمي.
أحمد قرب مني خطوة.
إنتِ عملتي إيه؟
قلت بهدوء
لسه ماعملتش حاجة.
أومال التمويل اتوقف ليه؟
ابتسمت.
لأن الفلوس عمرها ما كانت فلوسك.
صرخ
إنتِ كدابة!
وفي نفس اللحظة، دخل رجل أنيق من باب القاعة.
كان يرتدي بدلة سوداء ويحمل حقيبة جلدية.
ما إن رآني حتى اتجه نحوي مباشرة.
توقف أمامي، ثم قال باحترام
مدام مريم، كل التعليمات اتنفذت.
أحمد بص له باستغراب.
إنت مين؟
الرجل تجاهله تمامًا.
ثم أخرج ملفًا من حقيبته ومده لي.
وده كمان.
فتحت الملف.
أول ورقة كانت عقدًا.
وعلى آخر الصفحة...
كان موجود اسم الشركة.
وتحته مباشرة
المالك الفعلي مريم نادية عبدالسلام.
أحمد مد إيده وخطف الورقة مني.
قرأها مرة.
ثم مرة ثانية.
ثم رفع عينه نحوي.
وشه كان شاحب.
لا...
هز راسه.
ده مستحيل.
الرجل قال بهدوء
مش مستحيل.
ثم أضاف
لأن الشركة دي من الأساس تأسست بتمويل مجموعة النور.
أحمد بصلي.
مجموعة النور؟
ما رديتش.
لكن الرجل كمل
والمجموعة مملوكة بالكامل للسيدة مريم.
ساد صمت ثقيل.
حماتي قربت من الورقة.
أول ما قرأت الاسم، رجعت خطوة للخلف.
وقالت بصوت مخنوق
إنتِ...؟
رفعت عيني ليها.
أيوه.
إنتِ مريم النور؟!
ولأول مرة...
شفت الرعب الحقيقي في عينيها.
لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه