دفنوني

لمحة نيوز

جاء صوت هاتف من الخارج.
هذه المرة لم يكن الهاتف القديم.
كان هاتفي أنا.
الذي ظننا أنه تعطّل تحت التراب.
الشاشة أضاءت برسالة جديدة.
فتحتها.
وكانت الرسالة قصيرة
ماتجيبيش حد معاكي.
ثم وصلت رسالة ثانية بعدها مباشرة
لأن جوزك مش الشخص الوحيد اللي مستنيكي هناك.
رفعت عيني عن الشاشة.
وفي اللحظة نفسها
سمعنا صوت باب البيت يُفتح من الخارج.
لكن جوزي لم يكن هو من دخل.
كان شخصًا آخر.
وشخصًا لم يتوقع أيٌّ منا أن يراه انفتح باب البيت ببطء.
كل العيون اتجهت ناحية المدخل.
ظهر رجل طويل، ملابسه مبلولة من المطر، وفي إيده مظروف أسود.
أول ما شفته، قلبي دق بعنف.
مش لأنه غريب
لكن لأن ملامحه كانت مألوفة بشكل مخيف.
فؤاد قال بصوت منخفض
مستحيل
الرجل وقف مكانه.
وبص لي مباشرة.
ثم قال
كبرتي.
اتسعت عيني.
إحنا نعرف بعض؟
الرجل ابتسم بحزن.
إنتِ مش فاكراني.
اقترب خطوة.
بس أنا فاكر أول يوم شفتك فيه.
المرأة وقفت بيننا.
مين حضرتك؟
مد يده وأخرج بطاقة.
قال
اسمي سامح.
فؤاد أخذ نفسًا عميقًا.
سامح أنت كنت مع والدها يوم اختفائه.
الرجل أومأ.
أيوه.
جريت دموعي من غير ما أحس.
بابا فين؟
سامح سكت طويلًا.
ثم قال
ماقدرش أقول لك إنه عايش.
قلبي وقع.
يعني مات؟
هز رأسه.
ماقدرش أقول لك إنه مات.
سكت الجميع.
ثم وضع المظروف الأسود على الطاولة.
أبوكي ترك ده قبل آخر مرة شفته فيها.
فتحت المظروف بيد مرتعشة.
كان بداخله شريط فيديو قديم.
وتحته ورقة صغيرة.
شغليه لما تكوني مستعدة تعرفي ليه اخترتِ الشخص الغلط.
نظرت إلى جوزي في خيالي.
ثم إلى سامح.
الشخص الغلط مين؟
سامح لم يجب.
فؤاد قال
شغليه.
أدخل سامح الشريط في جهاز قديم.
ظهرت صورة مشوشة.
ثم ظهر والدي.
أصغر مما أتذكره.
جالس أمام الكاميرا.
وكان يبدو مرهقًا.
قال
لو بنتي بتشوف التسجيل ده، يبقى الخطة الأولى فشلت.
وضعت يدي على فمي.
تابع
أنا عارف إنهم هيحاولوا يقنعوها إنها السبب.
ثم نظر مباشرة للكاميرا.
لكن الحقيقة إنهم اختاروها لأنها الوحيدة اللي عندها حق قانوني في حاجة أنا خبّيتها.
توقفت الصورة لحظة.
ثم عادت.
قال والدي
الحاجة دي مش فلوس.
سكت.
ومش
ورق ملكية.
ثم اقترب من الكاميرا.
دي تسجيلات.
المرأة بصت لي.
تسجيلات إيه؟
والدي أكمل
تسجيلات تثبت مين بدأ كل حاجة.
ثم قال جملة جعلت فؤاد ينهض فجأة
ولو وصلتوا لليلة اللي اختفيت فيها دوروا على اسم حسام.
فؤاد شحب.
قلت
مين حسام؟
لم يرد.
سامح هو اللي قال
والد زوجك.
اتجمدت.
المرأة قالت
لكنه مات من سنين.
سامح أومأ.
أيوه.
ثم أضاف
وعشان كده لازم تعرفي الحقيقة.
نظر إليّ مباشرة.
الشخص اللي كان بيتصل بيكم طول الليل
سكت.
مش حسام.
ثم نظر إلى الهاتف الموجود على الطاولة.
لكنه بيستخدم تسجيلات صوته.
جسمي كله ارتجف.
فؤاد قال
يعني حد كان مجهز كل ده من زمان.
سامح أومأ.
حد كان يعرف إن والدك هيموت أو يختفي، وعرف إن ابنُه هيتجوزك، وعرف إنك هتحملي
ثم سكت.
وعارف دلوقتي إنك خرجتي من التراب.
سألت
مين؟
سامح لم يجب.
بدلًا من ذلك، أخذ المفتاح رقم 27 من الطاولة.
وقال
هنروح المحطة.
المرأة اعترضت
هي مش هتروح لوحدها.
سامح رد
لو راحت مجموعة، مش هتظهر الحقيقة.
ثم نظر إليّ.
لكن القرار قرارك.
وقبل ما أقدر أجاوب
جاء صوت رسالة جديدة على هاتفي.
فتحتها.
كانت صورة.
صورة جوزي.
واقف على رصيف قطار مهجور.
وتحته رسالة
هو وصل قبلك.
ثم وصلت صورة ثانية.
صورة لامرأة واقفة بجانبه.
لكن وجهها كان مخفيًا.
وتحت الصورة
وهي تعرف الحقيقة عن أبوكي.
رفعت عيني ببطء.
لأنني بدأت أدرك أن الشخص الذي كان يحرّك كل الخيوط
لم يكن يريد قتلي.
كان يريدني أن أصل إلى المحطة.
وكان جوزي مجرد طُعم لم أقدر أرفع عيني عن الصورة.
المرأة الواقفة بجوار جوزي كانت لابسة معطف طويل، ووجهها مخفي عن الكاميرا.
لكن كان في تفصيلة واحدة شدت انتباهي
السلسلة اللي في رقبتها.
سلسلة فضية صغيرة، تتدلى منها قطعة على شكل نجمة.
شهقت.
سامح سأل
إيه؟
أشرت للصورة.
السلسلة دي أنا شفتها قبل كده.
فؤاد قرب من الهاتف.
فين؟
حاولت أفتكر.
وفجأة تذكرت.
في صندوق حاجات بابا.
ساد الصمت.
قلت
كانت في صندوق قديم عندنا أنا كنت فاكرة إنها مجرد سلسلة.
سامح تغير وجهه.
لا.
إنت تعرفها؟
هز رأسه.
دي مش مجرد سلسلة.
اقترب وأخذ الهاتف.
والدك كان محتفظ
بصورة لنفس السلسلة.
المرأة قالت
يعني المرأة دي كانت تعرف والدها؟
سامح لم يجب.
فؤاد قال
أكتر من كده.
نظر إلى سامح.
أنت تعرف مين هي.
سامح ظل ساكتًا.
ثم قال
أيوه.
انتظرت.
مين؟
رفع عينيه إليّ.
أخت والدك.
اتسعت عيني.
بابا ماكانش له أخت.
كان له.
مستحيل أنا أعرف عيلته كلها.
سامح قال
لأنهم أخفوا وجودها عنك.
بدأت أفكر في الصورة.
ثم سألت
وليه هي مع جوزي؟
سامح قال
لأنها مش معاه.
توقفت.
أمال؟
هي اللي أخدته للمحطة.
فؤاد قال
ليه؟
سامح نظر لي.
عشان تخليه يسلّم لها الحاجة اللي مخبيها.
سألت
وإيه الحاجة؟
سامح أخرج المفتاح.
المفتاح ده مش بيفتح خزنة.
ثم قلبه في يده.
ظهر رقم صغير آخر على جانبه.
27B.
قال
ده رقم غرفة.
المرأة فهمت فورًا.
في المحطة؟
أيوه.
أخذت نفسًا عميقًا.
يبقى لازم نروح.
وصلنا للمحطة قبل الفجر بقليل.
كانت مهجورة تمامًا.
الضباب مغطي القضبان، وصوت الرياح بيصطدم بالنوافذ المكسورة.
دخلنا من بوابة جانبية.
سامح أشار إلى ممر ضيق.
الغرفة في آخر الرصيف.
مشينا بصمت.
كل خطوة كانت بتقربني من شيء والدي أخفاه عني لسنين.
وصلنا للباب.
كان عليه الرقم
27B.
أدخلت المفتاح.
لكن الباب لم يفتح.
فؤاد قال
يمكن المفتاح مش للباب.
لاحظت شيئًا.
كان هناك جزء معدني صغير بجوار المقبض.
أدخلت المفتاح فيه.
صدر صوت طقة.
ثم
انفتح الباب.
الغرفة كانت مظلمة.
سامح شغل مصباحًا صغيرًا.
وفي منتصف الغرفة كان هناك كرسي.
وعلى الكرسي
كان جوزي.
يداه مربوطتان.
لكنه كان حيًا.
أول ما شافني قال
متدخليش!
وقفت مكاني.
ليه؟
رفع عيني ناحية السقف.
لأنها بتسمعنا.
سألت
مين؟
جاء صوت من خلفي.
أنا.
التفتنا جميعًا.
المرأة صاحبة السلسلة كانت واقفة عند الباب.
هذه المرة وجهها ظاهر.
نظرت إليّ.
وعينيها امتلأتا بالدموع.
ثم قالت
أنا أخت أبوكي.
تقدمت خطوة.
واسمي ليلى.
قلت بصوت مرتجف
إنتِ اللي كنتِ بتراقبيني؟
هزت رأسها.
أيوه.
تراجعت.
ليه؟
قالت
عشان أحميكي.
ثم نظرت إلى جوزي.
لكن هو ماكانش يعرف إنك عرفتي مكان الغرفة.
جوزي صرخ
أنا ماعرفتش حاجة!
ليلى قالت
عشان كده جبتك هنا.
ثم فتحت حقيبة كانت تحملها.
أخرجت
ملفًا.
وضعته أمامي.
ده آخر شيء تركه أبوكي.
فتحت الملف.
كانت الصفحة الأولى عبارة عن صورة قديمة.
صورة أبي
وبجواره ليلى
وبينهما رجل ثالث.
رجل أعرفه.
رفعت عيني وأنا أرتجف.
ده
ليلى قالت
أيوه.
ده فؤاد.
الجميع التفت ناحية فؤاد.
لكنه لم ينكر.
قال فقط
أبوكي كان صاحبي.
ثم أضاف
وأنا كنت آخر شخص شافه قبل اختفائه.
لكن ليلى قاطعته
لأ.
نظرت إليه.
إنت ماكنتش آخر شخص شافه.
ثم أخرجت صورة ثانية.
صورة جعلت وجه فؤاد ينهار.
وقالت
آخر شخص شافه كان جوزك سقطت الصورة من إيدي.
بصيت لجوزي.
كان ساكت.
ولا حتى حاول ينكر.
قلت
إنت شفت أبويا؟
خفض عينيه.
أيوه.
إمتى؟
لم يرد.
صرخت
إمتى؟!
ليلى رفعت يدها.
خليه يتكلم.
جوزي أخذ نفسًا طويلًا.
قبل جوازنا بشهرين.
قلبي انقبض.
وإنت كنت تعرفه قبل ما تتجوزني؟
هز رأسه.
أيوه.
وكان عارف إنك هتتجوزني؟
سكت.
ثم قال
هو اللي طلب مني أتجوزك.
الغرفة كلها تجمدت.
نادين، التي كانت قد لحقت بنا دون أن نشعر، قالت
إيه؟!
التفتنا إليها.
كانت واقفة عند الباب، وملامحها شاحبة.
أنا سمعت كل حاجة.
جوزي نظر لها بغضب.
لكنها لم تهتم.
أنا قربت منه.
بابا هو اللي طلب منك تتجوزني؟
قال
أيوه.
ليه؟
رفع عيني.
عشان يحميكي.
ضحكت بسخرية، رغم الدموع.
يحمني؟ وإنت دفنتني لحد رقبتي في التراب؟
لم يجد جوابًا.
ليلى قالت
لأن الخطة اتغيرت.
نظرت إليها.
إمتى؟
بعد اختفاء والدك.
مين غيّرها؟
سكتت.
ثم نظرت إلى جوزي.
هو.
جوزي انتفض
مش أنا!
ليلى أخرجت ورقة من الملف.
دي بخطك.
أخذت الورقة.
كان فيها سطر واحد
لو اختفت الأوراق، استخدموا البنت للوصول إليها.
وتحتها توقيع جوزي.
شعرت أن الأرض تهتز تحتي.
إنت كتبت ده؟
قال بسرعة
الورقة دي مش زي ما إنتِ فاهمة.
أمال إيه؟
كنت بحاول أكسب وقت.
ليلى ردت
ودفنتها في الجنينة عشان تكسب وقت؟
جوزي سكت.
فؤاد اقترب منه.
قول الحقيقة.
جوزي رفع عيني إليه.
إنت مش من حقك تسألني عن الحقيقة.
فؤاد تجمد.
جوزي تابع
لأنك كنت عارف إن أبوها خبّى النسخة الأصلية عندك.
فؤاد قال
أنا ماخنتوش.
لكنك أخفيتها.
عشان أحميها!
لأ.
جوزي ابتسم بمرارة.
عشان تحمي نفسك.
ساد صمت
ثقيل.
ثم فجأة
صدر صوت من جهاز التسجيل الموجود في الغرفة.
كلنا التفتنا.
الجهاز اشتغل وحده.
ظهر صوت والدي.
لكن هذه المرة كان التسجيل واضحًا جدًا.
قال
لو التسجيل ده اشتغل، يبقى فؤاد فشل في تنفيذ وعده.
فؤاد شحب.
والدي تابع
وأنا عارف إن الشخص اللي هيسمع الكلام ده هيكون مقتنع إن جوزي بنتي هو الخطر.
توقفت أنفاسي.
لكن الحقيقة
صمت التسجيل لثوانٍ.
ثم عاد الصوت
الخطر الحقيقي موجود داخل العيلة نفسها.
ليلى همست
تم نسخ الرابط