دفنوني

لمحة نيوز

أنا.
جوزي بدأ يهز رأسه.
لا
الصوت قال
افتحوا الصفحة الأخيرة من الملف.
المرأة قلبت الصفحات بسرعة.
وفي آخر صفحة وجدت صورة قديمة جدًا.
صورة لجوزي وهو طفل.
واقف بجانب رجل آخر.
رفعت الصورة أمامه.
تعرف الشخص ده؟
جوزي لم يرد.
فؤاد أخذ الصورة.
وبمجرد ما شافها
وقع الظرف من إيده.
قال بصوت منخفض
مستحيل
المرأة سألته
مين؟
فؤاد رفع عينه ببطء.
الراجل ده
ثم نظر إلى جوزي.
مات من سبعة عشر سنة.
ساد الصمت.
لكن الهاتف في يد المرأة رن مرة أخرى.
وهذه المرة
لم يكن اتصالًا.
كانت رسالة واحدة فقط.
فتحتها.
وكان مكتوبًا
لو عايزين تعرفوا ليه اختاروها هي بالذات دوروا تحت أرضية غرفة النوم.
جوزي اندفع ناحية البيت.
الرجلان منعاه.
وأنا، رغم التعب والألم، قلت لأول مرة بصوت مسموع
سيبوه.
المرأة بصت لي باستغراب.
قلت
خليه يروح.
لأنني بدأت أفهم شيئًا واحدًا
هو لم يكن خائفًا من أن يلاقوا شيئًا تحت أرضية غرفة النوم.
هو كان خائفًا من إننا نلاقي مين اللي حطّه هناك اندفع جوزي ناحية البيت، لكن الرجلين وقفوا في طريقه.
قالت المرأة
محدش هيتحرك لوحده.
جوزي بص لها بعصبية
دي أوضة نومي!
فؤاد رد من وراه
عشان كده بالذات لازم ندخلها.
دخلوا جميعًا.
أما أنا، فتم نقلي إلى كرسي قريب من باب البيت، وفضلت المرأة واقفة جنبي.
كنت مرهقة لدرجة إني بالكاد قادرة أفتح عيني، لكن فضولي كان أقوى من تعبي.
وصلنا إلى غرفة النوم.
جوزي وقف عند الباب.
نظر للأرض.
ثم قال
مفيش حاجة هنا.
فؤاد أشار إلى الأرضية.
السجادة.
جوزي لم يتحرك.
الرجل الثاني سحب السجادة.
ظهرت ألواح خشبية قديمة.
واحدة منها كانت مختلفة عن الباقي.
أغمق.
وكأنها اتفتحت واتقفلت مرات كتير.
الرجل انحنى وبدأ يرفعها.
جوزي صرخ
استنى!
لكن اللوح كان قد ارتفع بالفعل.
وتحته
كان فيه تجويف صغير.
المرأة قالت
طلّع اللي جواه.
أخرج الرجل صندوقًا أسود.
أصغر من الصندوق الأول.
جوزي أصبح شاحبًا جدًا.
نادين قالت
إنت كنت عارف إنه موجود؟
لم يرد.
فتحت المرأة الصندوق.
هذه المرة لم يكن فيه صور.
كان فيه أشرطة تسجيل قديمة.
واحد.
اثنان.
ثلاثة.
وعلى كل شريط تاريخ.
أقدمهم
كان قبل زواجي بسنتين.
المرأة سألت
فين جهاز التشغيل؟
فؤاد قال
عندي واحد قديم في المخزن.
بعد دقائق، أحضر الجهاز.
وضعت المرأة أول شريط.
ضغطت تشغيل.
خرج صوت مشوش في البداية.
ثم ظهر صوت رجل
هي ما تعرفش حاجة.
صمت.
ثم صوت آخر
وإنت متأكد إنها هتوافق؟
الصوت الأول
مش لازم توافق.
تجمدت.
الصوت الثاني سأل
ولو اكتشفت؟
جاء الرد
ساعتها نخليها تصدق إنها هي المشكلة.
جوزي جلس على طرف السرير.
نادين غطت فمها بيدها.
أما أنا
فكنت أحاول أفتكر أين سمعت ذلك الصوت من قبل.
ثم جاءت الجملة التي جعلت قلبي يتوقف
أهم حاجة ماحدش يقول لها الحقيقة عن أبوها.
فتحت عيني على آخرهما.
أبويا؟
الصوت استمر
لأنها لو عرفت، هتعرف ليه اختارناها.
المرأة أوقفت التسجيل.
نظرت إليّ.
إنتِ تعرفي حاجة عن والدك؟
قلت بصوت متعب
والدي مات وأنا صغيرة.
فؤاد قال
مش كل اللي اتقال لك عن وفاته كان صحيح.
جوزي رفع رأسه بسرعة.
فؤاد، كفاية.
فؤاد اقترب منه.
أنت عارف.
عارف إيه؟
عارف إن والدها ما ماتش بالطريقة اللي قالوها لها.
الغرفة سكتت.
نادين بدأت تبكي.
أمه قالت
الموضوع انتهى من زمان.
فؤاد رد
لا. الموضوع بدأ من زمان.
المرأة سألت
فين والدها الآن؟
فؤاد لم يجب.
نظر إليّ فقط.
ثم قال
آخر مرة سمعت عنه
توقف.
كان عايش.
شعرت بدوار شديد.
مسكت طرف الكرسي.
إنت بتقول إيه؟
قبل أن يجيب، رن الهاتف القديم مرة أخرى.
هذه المرة لم ينتظر أحد.
المرأة ردت.
وجاء نفس الصوت
بدأتوا تفهموا؟
قالت
مين أنت؟
رد
الشخص الوحيد اللي حاول يحميها.
ثم أضاف
لكني اتأخرت.
قلت بصوت مرتجف
إنت تعرف أبويا؟
صمت الطرف الآخر لثوانٍ.
ثم قال
أعرفه.
سألت
هو عايش؟
جاء الرد
كان عايش آخر مرة شفته.
جوزي أغلق عينيه.
فؤاد نظر إليه.
وأنا لاحظت شيئًا لم يلاحظه أحد.
جوزي لم يكن مصدومًا من خبر إن والدي قد يكون حيًا.
كان مصدومًا لأن الصوت الموجود على الهاتف
كان يعرف شيئًا عنه هو شخصيًا.
وفجأة قال المتصل
اسألي زوجك عن اللي حصل في الليلة اللي اختفى فيها والدك.
رفعت عيني لجوزي.
إنت كنت تعرف أبويا؟
لم يرد.
كررت السؤال.
إنت كنت تعرف أبويا قبل ما أتجوزك؟
ظل
ساكتًا.
لكن أمه انهارت فجأة على الكرسي وقالت
خلاص ماينفعش نخبي أكتر من كده.
جوزي صرخ
ماما!
قالت وهي تبكي
هي لازم تعرف.
ثم نظرت إليّ.
أبوكي مااختفاش لوحده.
توقفت أنفاسي.
أمال مين أخده؟
نظرت إلى ابنها.
وقالت
أخدوه بسببك اتجمدت مكاني.
بسببي أنا؟
أمه لم تقدر ترفع عينيها في عيني.
جوزي قال بعصبية
ماما، اسكتي!
لكن المرأة وقفت أمامه.
لأ. المرة دي هتتكلم.
فؤاد قرب منها وقال
قولي الحقيقة كاملة.
أمه بدأت تبكي.
والدها اكتشف حاجة حاجة تخص العيلة كلها.
سألتها
إيه؟
قبل جوازك من ابني بسنين، كان والدك شريكًا في مشروع مع والد جوزك.
نظرت إلى زوجي.
كان ساكتًا.
تابعت أمه
المشروع فشل، ووالدك اكتشف إن فيه أوراق اتزوّرت.
فؤاد قال
وكان هيكشفهم.
أمه هزت رأسها.
أيوه.
قلت
وعشان كده اختفى؟
لم تجب.
فؤاد قال
اختفى، لكن قبل ما يختفي ترك نسخة من الأوراق عند شخص يثق فيه.
المرأة سألت
مين؟
فؤاد أخرج ورقة من جيبه.
أنا.
جوزي اندفع نحوه
إنت كنت معاه؟!
أيوه.
وإنت خبيت ده كل السنين دي؟
فؤاد رد
كنت بحاول أحمي البنت.
ثم نظر إليّ.
إنتِ.
شعرت أن كل شيء حولي يدور.
لكن سؤالًا واحدًا كان يطاردني
طيب ليه جوزي اتجوزني؟
ساد الصمت.
جوزي أخيرًا رفع عيني.
لم يكن في وجهه غضب هذه المرة.
كان فيه خوف.
قال
في البداية كان فيه سبب.
قلبي انقبض.
إيه السبب؟
لم يجب.
أمه قالت
كان لازم نعرف إذا كان والدك سلّم لك حاجة قبل ما يختفي.
شهقت.
يعني جوزي اتجوزني عشان يفتش ورايا؟
في البداية، أيوه.
ثم سكتت.
وأضافت
لكن بعدين الأمور اتغيرت.
نظرت إلى جوزي.
إزاي؟
جوزي قال بصوت منخفض
أنا ماكنتش عارف إنهم هيوصلوا للدرجة دي.
المرأة قاطعته
مين هم؟
لم يرد.
فؤاد قال
الأشخاص اللي كانوا بيدوروا على الأوراق.
ثم أضاف
واللي لسه بيدوروا عليها لحد النهارده.
فجأة، انطفأت الكهرباء.
غرق البيت كله في الظلام.
نادين صرخت.
سمعنا صوت ارتطام قوي من الدور الأرضي.
ثم صوت زجاج بيتكسر.
الرجلان تحركا بسرعة ناحية الباب.
المرأة أخرجت هاتفها وأضاءت المكان.
قال فؤاد
محدش يخرج.
لكن جوزي كان قد اختفى.
نادين صرخت
هو فين؟!
نظرنا حولنا.

باب الغرفة الخلفي كان مفتوحًا.
وفوق الأرض كانت هناك آثار طين حديثة.
آثار أقدام
خارجة من البيت.
المرأة قالت
هو هرب.
فؤاد هز رأسه
مش لوحده.
ثم أشار إلى الأرض.
كانت هناك آثار حذاء آخر بجوار آثاره.
شخص كان ينتظره خارج البيت.
وفجأة
رن الهاتف القديم.
المرأة ردت.
الصوت جاء هذه المرة أسرع
متدوروش عليه.
قالت
إنت مين؟
دوروا على المكان اللي هيروح له.
ثم سكت.
وسمعنا صوتًا بعيدًا في الخلفية.
صوت سيارة تتحرك.
وقبل أن ينقطع الاتصال تمامًا، قال
ولو عايزين تعرفوا الحقيقة عن والدها
توقف لحظة.
هاتوا البطلة للمحطة القديمة قبل الفجر. لوحدها.
المرأة نظرت إليّ.
ثم إلى فؤاد.
أما أنا
فكنت أعرف شيئًا واحدًا.
الليلة لم تنتهِ.
هي بدأت للتو لم أنطق بكلمة.
لكن بمجرد ما قال المتصل للمحطة القديمة، عرفت المكان.
محطة القطار المهجورة عند أطراف المدينة.
المكان اللي كان والدي بياخدني له وأنا طفلة.
مكان لم أخبر به زوجي أبدًا.
رفعت عيني لفؤاد.
إنت قلت إنك كنت تعرف أبويا.
هز رأسه.
أيوه.
هو كان بيروح هناك؟
تردد.
ثم قال
كتير.
شعرت بقشعريرة.
وليه؟
قبل ما يجاوب، سمعنا صوت سيارة تقترب من البيت.
كلنا سكتنا.
السيارة وقفت.
ثم انفتح بابها.
المرأة أشارت للرجلين يختبئوا خلف الباب.
ثواني
ودخل شخص.
لم يكن جوزي.
كان رجلًا مسنًا، يحمل حقيبة جلدية قديمة.
أول ما شافني، وقف مكانه.
وعينيه امتلأت بالدموع.
قال بصوت مرتجف
أنا آسف.
فؤاد اقترب منه.
إنت بتعمل إيه هنا؟
الرجل رد
اتأخرت سنين.
ثم نظر لي.
بس أبوكي طلب مني لو حصل لك أي أذى أوصل لك دي.
رفع الحقيبة.
جوزي كان قد هرب.
لكن الرجل لم يكن يعرف ذلك.
المرأة فتحت الحقيبة بحذر.
في داخلها كانت هناك ملفات، وصور، ومفتاح صغير.
وفي القاع
كان هناك ظرف مكتوب عليه اسمي بخط يد أعرفه.
خط والدي.
يدي بدأت ترتعش.
فتحت الظرف.
كان بداخله ورقة واحدة
لو وصلتي للرسالة دي، يبقى هم فشلوا يخلوكي تصدقي إنك لوحدك.
دموعي نزلت فورًا.
تابعت القراءة
أنا مااختفيتش بإرادتي.
فؤاد أغمض عينيه.
أما أنا فواصلت
وأخطر شخص في القصة مش الشخص اللي هرب الليلة.
توقفت.
آخر سطر
كان ممزقًا.
حاولت أقرأ الباقي.
لكن الجزء الأهم كان ناقصًا.
رفعت رأسي
باقي الرسالة فين؟
الرجل المسن قال
الجزء ده مش معايا.
أمال فين؟
نظر إلى المفتاح الصغير.
المفتاح ده هو اللي هيوصلك له.
المرأة أخذت المفتاح.
وجدت عليه رقمًا محفورًا
27
فؤاد فجأة تغير وجهه.
لأ.
سألته
إيه؟
قال
الرقم ده مش رقم خزنة.
سكت.
ده رقم رصيف.
نظرت إليه.
رصيف إيه؟
قال
رصيف 27 في المحطة القديمة.
سكت الجميع.
ثم
تم نسخ الرابط