دفنوني
المحتويات
فتحت الملف وأخرجت ورقة أخرى.
البلاغ اتبعت من رقم مجهول، لكن الرسالة كانت واضحة جدًا.
وضعت الورقة أمام جوزي.
قرأها.
ثم رفع عينه ببطء.
دي مش نادين.
المرأة ابتسمت ابتسامة صغيرة.
عارف.
ساد الصمت.
جوزي ابتلع ريقه.
أمال مين؟
ردت
الشخص اللي بعت البلاغ استخدم رقم نادين لكن مش هاتفها.
نادين بدأت تهز رأسها بعنف.
موبايلي كان معايا طول الوقت!
المرأة قالت
عشان كده إحنا مااتهمناكيش.
ثم أضافت
لأن الشخص اللي استخدم الرقم كان عنده وصول لحسابات البيت.
جوزي بدأ يتراجع.
وأنا لأول مرة حسيت إن الموضوع أكبر من مجرد إنقاذي.
كان فيه حد تاني بيتحرك في الخفاء.
حد كان عارف.
حد كان بيراقب.
وحد اختار اللحظة المناسبة.
لكن السؤال اللي ضربني فجأة كان
لو الشخص ده كان قادر يبلغ عني من ثلاثة أيام
ليه استنى لحد دلوقتي؟
المرأة كأنها قرأت أفكاري.
قالت
لأن صاحب البلاغ ماكانش عايز ينقذك بس.
سكتت لحظة.
كان عايزنا نوصل بعد ما يتم تسجيل شيء معين.
جوزي قال
إيه الشيء ده؟
المرأة بصت للموبايل المدفون في الطين.
اعتراف.
جوزي اتجمد.
أنا كمان.
لأنني تذكرت كلامه قبل ساعات.
كل اللي مطلوب منك تقولي إنك فهمتي ليه حصل فيكي كده.
كنت فاكرة إنه مجرد تهديد.
لكن فجأة فهمت
إن الجملة دي بالذات كانت أهم جزء في التسجيل.
المرأة قالت
إحنا عندنا تسجيل واضح لصوته وهو بيقول إن اللي حصل لك كان عقاب.
ثم التفتت لأمه.
وعندنا صوتك وإنتِ بتقولي إنه درس لازم تتعلمه.
ثم نظرت لنادين.
وعندنا كلامك عن إن الحشرات مش هتعملها حاجة.
نادين بدأت تبكي.
أنا ماكنتش أقصد
المرأة ردت ببرود
مش دوري أحدد قصدك.
ثم انحنت ناحية التراب.
دوري أتأكد إن الضحية تطلع من هنا سليمة.
بدأ الرجلان يحفران حول جسمي.
لكن فجأة
الرجل الأول توقف.
استني.
رفع يده.
كان ماسك شيئًا صغيرًا في التراب.
قطعة معدنية.
نظر إليها، ثم قال
دي مش بتاعة الموبايل.
جوزي تغير لونه.
أمه بصت له.
نادين قالت
إيه دي؟
الرجل مسح الطين عنها.
ظهرت قطعة صغيرة تشبه جهاز تسجيل مصغر.
المرأة أخذتها منه.
نظرت إليها لثوانٍ.
ثم شغلتها.
خرج صوت جوزي من التسجيل
بكرة
أمه ردت
ولو حد سأل؟
نقول إنها كانت مضطربة ومش فاهمة هي بتعمل إيه.
شهقت نادين.
ثم جاء صوت جوزي مرة أخرى
أهم حاجة محدش يعرف إنها لسه هنا.
سكتت المرأة.
ثم أوقفت التسجيل.
رفعت عينيها لجوزي.
واضح إن عندنا مشكلة أكبر مما توقعنا.
جوزي حاول يقترب منها.
التسجيل ده ممكن يكون مفبرك.
ردت فورًا
ممكن.
ثم أشارت إلى جهاز التسجيل.
عشان كده هيتفحص.
بدأ جوزي يتنفس بسرعة.
أما أنا، فكنت أحاول أتمسك بوعيي.
وفجأة شعرت بدوار شديد.
التراب بدأ يلف حواليا.
سمعت المرأة تقول
لازم نطلعها حالًا.
لكن قبل ما يقدروا يكملوا الحفر
جاء صوت من داخل البيت.
صوت باب اتفتح.
ثم صوت شخص بيجري على السلم.
الرجل الثاني رفع رأسه.
فيه حد جوه.
جوزي اندفع ناحية الباب.
لكن المرأة أمسكت بذراعه.
محدش يتحرك.
في نفس اللحظة
سمعنا صوت خطوات تقترب من باب الجنينة.
خطوة
ثم خطوة
ثم توقفت.
وجاء صوت هادئ جدًا من خلف الباب
لو طلعتوها دلوقتي هتعرفوا ليه أنا كنت ساكت كل الوقت ده.
جوزي بص ناحية الباب.
وأنا حبست أنفاسي.
لأن الصوت
كان صوت شخص أعرفه جيدًا.
شخص لم أتوقع أبدًا أن يكون هو صاحب البلاغ توقفت أنفاسي.
الصوت كان مألوفًا لدرجة إن جسمي كله ارتجف.
المرأة بصت لي وسألت
تعرفي مين؟
قبل ما أقدر أجاوب، الباب اتفتح ببطء.
وظهر عم جوزي، الحاج فؤاد.
كان واقفًا بهدوء غريب، وفي إيده ظرف بني قديم.
جوزي صرخ
إنت؟!
فؤاد ما بصش له.
بص لي أنا.
ثم قال
كنت مستني اليوم ده من شهور.
جوزي اندفع ناحيته
إنت اللي بلغت عن البيت؟!
رفع فؤاد الظرف وقال
أيوه.
سكت الجميع.
أمه قربت منه وهي بتترعش
ليه تعمل كده؟ دي عيلتنا!
رد عليها
عشان اللي حصل لها ماكانش أول مرة.
جوزي قال بسرعة
إنت مش فاهم حاجة!
فؤاد ضحك ضحكة قصيرة بلا فرحة.
بالعكس أنا فاهم كل حاجة.
ثم فتح الظرف.
خرجت منه مجموعة أوراق وصور.
حط أول صورة على الترابيزة القريبة.
كانت صورة للجنينة.
نفس المكان.
لكن الصورة كانت ملتقطة قبل دفني بأسبوع.
وتحت الصورة تاريخ.
المرأة أخذتها ونظرت إليها.
ثم قلبت الورقة.
كان مكتوبًا
الحفرة
جوزي اتجمد.
أنا شعرت بقشعريرة.
الحفرة
كانت موجودة قبل ما يدفنوني.
يعني اللي حصل ماكانش قرارًا لحظيًا.
كان مُخططًا له.
فؤاد قال
أنا اكتشفت الحفرة بالصدفة لما جيت أصلح ماسورة المياه.
أمه بدأت تبكي
والله ماكنا ناويين
فؤاد قاطعها
متكمليش.
ثم نظر إلى جوزي.
لأنك مش هتقدر تقول إنك ماكنتش عارف.
جوزي ظل صامتًا.
المرأة رفعت إحدى الصور.
عندك دليل إنه كان مخططًا؟
فؤاد أخرج ورقة ثانية.
عندي.
ناولها لها.
قرأت الورقة.
وتغير وجهها.
ده عقد شراء؟
فؤاد هز رأسه.
مش أي عقد.
ثم أشار إليّ.
البيت ده كان المفروض يتباع من غير ما تعرف.
جوزي قال بعصبية
كفاية!
فؤاد تجاهله.
وكان فيه شرط واحد في العقد
سكت.
المرأة قالت
إيه الشرط؟
فؤاد نظر لجوزي مباشرة.
إن الزوجة مايبقاش ليها أي حق في البيت وقت البيع.
قلبي انقبض.
فجأة فهمت ليه جوزي كان بيحاول يثبت للناس إني مضطربة.
كان محتاج يحوّلني من صاحبة حق
إلى شخص محدش يصدقه.
المرأة قالت
يعني كان بيحاول يخرجها من البيت قانونيًا قبل البيع؟
فؤاد رد
مش بس كده.
ثم أخرج ورقة أخيرة.
كان محتاج توقيعها.
جوزي صرخ
الورقة دي مالهاش قيمة!
المرأة التفتت له
إنت قلت إنها مالهاش قيمة قبل ما أسألك عن توقيعك؟
جوزي سكت.
فؤاد ابتسم لأول مرة.
عشان كده كنت ساكت.
ثم اقترب مني.
كنت مستني دليل مايتقدرش يتفسر بطريقتهم.
نظر إلى جهاز التسجيل.
والتسجيلات دي كانت كفاية.
الرجلان أكملوا الحفر.
وأخيرًا
شعرت بالتراب يخف عن كتفي.
ثم عن صدري.
ثم خرجت ذراعاي.
لكن بمجرد ما حاولت أتحرك
صرخت من الألم.
المرأة أمسكت بيدي.
بالراحة.
وبينما كانوا بيطلعوني، سقطت الشفاطة من فمي.
أخذت أول نفس كامل من الهواء منذ أيام.
بكيت.
مش من الألم.
من الإحساس إني أخيرًا خرجت.
لكن قبل ما ينقلوني بعيدًا، سمعت فؤاد يقول
استنوا.
الجميع التفت له.
كان واقفًا عند الحفرة.
وأشار إلى شيء ظهر تحت التراب بعد خروجي.
صندوق معدني صغير.
قال
ده ماكانش موجود لما اكتشفت الحفرة.
جوزي تراجع خطوة.
أمه قالت
محدش يفتحه.
المرأة نظرت إليها باستغراب.
ليه؟
لم تجب.
أما جوزي
فكان ينظر
المرأة انحنت وأخرجته.
فتحت القفل.
وفي اللحظة التي رفعت فيها الغطاء
تغير وجهها تمامًا.
لأن الصندوق لم يكن فيه أموال.
ولا أوراق ملكية.
كان فيه
ملف كامل باسمي.
وفي أول صفحة منه كانت صورة لي وأنا حامل.
وتحتها تاريخ أقدم من يوم زواجي بجوزي.
رفعت المرأة عينيها ببطء.
مين كان بيراقبها من قبل الجواز؟لم يرد أحد.
الهواء نفسه كأنه توقف.
المرأة قلبت الصفحة الأولى ببطء، ثم الثانية، ثم الثالثة.
كل صفحة كانت تحمل تاريخًا مختلفًا.
عنوان مكان.
صورة.
معلومة عن حياتي.
حتى تفاصيل صغيرة ماكانش يعرفها غير أقرب الناس ليا.
رفعت عينيها وقالت
الملف ده مش معمول في أسبوع ده متجمع من سنين.
بصيت لفؤاد.
كان ساكت.
ثم قال
عشان كده أنا بلغت.
جوزي صرخ
إنت كنت عارف بالملف ده؟!
فؤاد رد
عرفت جزء منه من وقت طويل.
أمه قالت بعصبية
وإنت ساكت ليه؟
لأني كنت بدور على صاحبه.
نادين اقتربت من الصندوق.
يعني مين اللي كان بيجمع المعلومات عنها؟
فؤاد ما ردش.
المرأة قلبت آخر صفحة.
ثم توقفت.
كان فيها سطر واحد فقط
المرحلة الأخيرة تبدأ بعد الحمل.
شعرت ببرودة تسري في جسمي.
رفعت عيني إليها.
يعني إيه المرحلة الأخيرة؟
قبل ما تجاوب، جوزي خطف الورقة من إيدها.
مزقها نصفين.
الرجلان أمسكاه فورًا.
سيبوني!
صرخت أمه
ابني!
لكن المرأة لم تتحرك.
كانت تنظر إلى بقايا الورقة.
ثم قالت بهدوء
ليه خفت من الجملة دي تحديدًا؟
جوزي سكت.
فؤاد قال
لأنه عارف معناها.
جوزي بص له بنظرة مليانة غضب.
إنت هتودينا كلنا في داهية.
فؤاد رد
لأ.
ثم نظر إليّ.
أنا بحاول أطلعها من الداهية اللي إنتوا حطيتوها فيها.
نقلت المرأة نظرها بينهما.
واضح إن فيه حاجة محدش قالها.
فجأة
صدر صوت من الصندوق.
رنّة هاتف.
الجميع اتجمد.
المرأة فتحت الصندوق بسرعة.
كان فيه هاتف قديم صغير.
شاشته مضيئة.
والرقم المتصل
رقمي أنا.
نادين شهقت.
بس موبايلها معانا!
نظرت إلى الهاتف في يد المرأة.
ثم إلى الموبايل الذي وجدوه في التراب.
كان الاتصال مستمرًا.
نفس الرقم.
نفس الاسم.
أنا.
المرأة ردت.
ألو؟
لم يأتِ
ثم سمعنا تشويشًا خافتًا.
وبعده صوت رجل.
هادئ.
بارد.
أخيرًا خرجت من التراب.
تجمد الدم في عروقي.
المرأة قالت
مين معايا؟
ضحكة قصيرة جاءت من الطرف الآخر.
الشخص اللي كان مستني اللحظة دي من زمان.
فؤاد اقترب.
إنت مين؟
الصوت رد
اسألوا الزوج.
كل العيون اتجهت إلى جوزي.
قال بسرعة
أنا معرفوش!
الصوت ضحك.
كذاب.
ثم أضاف
هو عارف كويس مين
متابعة القراءة