طفلة 6سنين

لمحة نيوز

من آخر الممر
أنا أبو التوأم... وأنا جيت آخد ولادي.
التفت الجميع في صدمة.
رجل لم يره أحد منذ أربع شهور... ظهر فجأة، وفي يده أوراق رسمية، وعلى وجهه ابتسامة باردة، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ البداية.
أما ملك... فتراجعت خطوة للخلف، وهمست وهي ترتجف
لا... مش هو... هو قال إنه عمره ما هيرجع.
يتبع...الممر كله سكت.
الرجل مشي بخطوات واثقة لحد ما وقف قدام ملك.
بصتله بعينين مليانين خوف
قال بابتسامة مصطنعة
كبرتي يا ملك.
ملك هزت راسها بسرعة.
متقربش.
موظفة حماية الطفل لاحظت ارتباكها، فسألت
حضرتك اسمك؟
سامح الجندي... والد الطفلين.
ناولها شهادة الميلاد، وكانت البيانات بالفعل بتثبت إنه الأب.
محمود كان واقف يراقب كل حاجة في هدوء.
سأل سامح
لو إنت أبوهم... كنت فين الأربع شهور اللي فاتوا؟
سامح رد ببرود
كنت شغال برة المحافظة... ومعرفتش إن أمهم وصلت للحالة دي غير النهارده.
لكن قبل ما يكمل...
الحاجة أمينة، صاحبة الفرن، كانت داخلة المستشفى ومعاها شنطة هدوم للأطفال.
أول ما شافته، وشها اتقلب.
صرخت من آخر الطرقة
كداب!
الكل لف ناحيتها.
قالت وهي بتشاور عليه
إنت اللي رميت نجلاء في الشارع وهي حامل في التوأم! وإنت اللي قلتلها بالحرف لو خلفتيهم متجيبيهمش قدامي!
سامح اتوتر للحظة، لكنه رجع تماسك.
دي ست كبيرة وخرفت.
الحاجة أمينة طلعت موبايلها.
عندي تسجيل بصوتك... يوم ما جيت تهددها قدام البيت.
ساد صمت ثقيل.
موظفة حماية الطفل مدت إيدها.
ممكن أسمعه؟
سامح حاول يمنعها.
ده تسجيل غير قانوني.
لكن هالة ردت بهدوء
القانون يحدد قيمته... لكن من حقنا نراجعه.
الحاجة أمينة شغلت التسجيل.
خرج صوت سامح واضحًا
لو فكرتي تطلبي مني جنيه واحد، هعتبر إن التوأم ماتوا بالنسبة لي.
ملك نزلت دموعها بصمت.
أما محمود، فكان بيبص لسامح لأول مرة بنظرة مختلفة... نظرة غضب حقيقي.
لكن المفاجأة الأكبر حصلت بعدها بثوانٍ.
واحد من رجال الأمن دخل يجري ناحية موظفة حماية الطفل.
وقال
في
حد لسه مقدم بلاغ جديد ضد الأسرة دي.
هالة فتحت الملف الإلكتروني بسرعة.
قرأت أول سطر... فاتغير لون وشها.
بصت لمحمود مباشرة، وقالت
البلاغ مش ضد الأم...
وسكتت لحظة.
...البلاغ ضدك إنت.
محمود اتفاجئ.
ضدي أنا؟!
هالة أغلقت الجهاز ببطء وقالت
في حد بيتهمك إنك بتحاول تستغل ظروف الأسرة عشان تاخد الأطفال وتتبناهم بطرق غير قانونية... والبلاغ مقدم بأدلة وصور.
ساد الصمت.
وسامح... ابتسم لأول مرة ابتسامة سامح كانت مستفزة...
مش ابتسامة واحد واثق من براءته، لكن ابتسامة واحد كان مستني اللحظة دي من زمان.
محمود بص له وقال بهدوء
إنت اللي قدمت البلاغ.
سامح رفع كتفه.
وأنا ليه أعمل كده؟
لكن نظرة عينيه كانت كفاية.
موظفة حماية الطفل طلبت من محمود ييجي معاها لمكتب الإدارة.
وقبل ما يمشي، ملك جريت عليه.
مسكت إيده بكل قوتها.
هترجع... صح؟
ابتسم رغم القلق اللي جواه.
وعد.
دخل المكتب.
هالة فتحت الملف قدامه.
كان فيه صور ليه وهو شايل آدم.
وصورة تانية وهو خارج من السوبر ماركت ومعاه ملك.
وصورة وهو داخل البيت شايل أكياس الأكل.
وفي آخر الملف...
صورة لرقم تليفونه المكتوب على ورقة.
قالت هالة
البلاغ بيقول إنك خططت تتقرب من الأسرة من أول يوم، وإنك استغليت فقرهم عشان تكسب ثقتهم.
محمود اتنهد.
ولو كنت ناوي أعمل كده... كنت سيبت اسمي ورقمي الحقيقي؟
هالة سكتت.
المنطق كان في صالحه.
لكن الإجراءات لازم تكمل.
في نفس الوقت...
كانت ملك قاعدة برا المكتب.
سامعة كل كلمة.
وفجأة افتكرت حاجة.
قامت تجري ناحية عربية الأطفال، وفتحت الجيب الصغير اللي تحتها.
طلعت ظرف أبيض قديم.
كانت أمها حطاه هناك من شهور.
وكانت دايمًا تقول لها
لو حصلي حاجة... الظرف ده يتفتح بس قدام الشخص الصح.
ملك بصت للظرف.
عليه اسم واحد بس...
الأستاذ محمود عزام.
اتسعت عيناها.
جريت بأقصى سرعة ناحية المكتب.
لكن قبل ما توصل...
رجل لابس بدلة خطف الظرف من إيدها.
ملك صرخت
هات جواب ماما!
الرجل لف بسرعة ومشى ناحية
السلم، وكأنه عارف بالضبط قيمة اللي جوه.
محمود سمع صوتها، وخرج من المكتب يجري.
ولأول مرة من سنين...
نسي كل الاجتماعات، وكل الصفقات، وكل شركاته...
وجرى خلف رجل مجهول... لأنه أدرك أن الرسالة التي تركتها نجلاء قد تكون الشيء الوحيد القادر على كشف الحقيقة كلها.
يتبع...محمود اندفع ناحية السلم بأقصى سرعة.
الرجل اللي خطف الظرف كان بينزل درجتين درجتين، وكل شوية يبص وراه يتأكد إن محدش لحقه.
استنى!
لكن الراجل مابصش حتى.
وصل لجراج المستشفى، وركب عربية سوداء كانت مستنياه والمحرك شغال.
قبل ما الباب يقفل، محمود مسك المقبض بكل قوته.
حصل شدّ بينه وبين السواق لثواني...
لكن العربية انطلقت فجأة.
اضطر يسيبها عشان ميقعش تحت العجل.
وقفت ملك جنب محمود وهي بتنهج من كتر الجري.
وبدموع نازلة على خدها قالت
هو خد جواب ماما...
محمود حط إيده على كتفها.
إنتِ شوفتي وشه كويس؟
هزت راسها.
لأ... كان لابس كمامة ونضارة... بس...
بس إيه؟
كان بينادي حد في التليفون... وقال قول للأستاذ إن الجواب بقى معانا.
الجملة دي خلت محمود يحس إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد بلاغ كيدي.
رجعوا بسرعة للمستشفى.
لقوا هالة مستنياهم.
فين الطفلة؟ كنا بندور عليها.
قبل ما حد يرد...
دخل واحد من أفراد الأمن.
لقينا تسجيلات الكاميرات.
الكل دخل غرفة المراقبة.
الفيديو أظهر الرجل وهو داخل المستشفى قبل الحادثة بحوالي عشرين دقيقة.
الغريب...
إنه ماكانش بيدور على أي مريض.
كان واقف قدام غرفة نجلاء، وكأنه مستني إشارة.
وبعدها بدقائق...
ظهر شخص تاني في الفيديو.
أول ما شافته الحاجة أمينة، شهقت.
مستحيل...
محمود لف ناحيتها.
تعرفيه؟
قالت وهي مرتبكة
ده... محامي.
محامي مين؟
سكتت ثواني، ثم قالت بصوت مرتعش
محامي صاحب العمارة اللي كانت نجلاء ساكنة فيها زمان... قبل ما تنقل للبيت الحالي.
هالة عقدت حاجبيها.
وإيه علاقته بالجواب؟
الحاجة أمينة بلعت ريقها.
لأن نجلاء كانت دايمًا تقول إن في ورق مهم استخبّى قبل
ما تسيب العمارة... وإن لو الورق ده ظهر، ناس كبيرة هتدخل السجن.
في اللحظة دي...
رن موبايل محمود.
رقم مجهول.
رد بحذر.
جاله صوت مشوش قال جملة واحدة
لو عايز تشوف الجواب تاني... ابعد عن ملك وإخواتها... وإلا المرة الجاية مش هيضيع جواب... هتضيع البنت نفسها.
وانقطع الخط...
أما محمود، فوقف مكانه وهو مدرك أن الأمر لم يعد مجرد مساعدة أسرة فقيرة... بل أصبح مواجهة مع أشخاص مستعدين لفعل أي شيء حتى لا تنكشف الحقيقة.
يتبع...محمود فضّل ماسك الموبايل ثواني بعد ما الخط اتقفل.
أول حاجة عملها إنه بص على ملك.
كانت قاعدة على كرسي قدام العناية، ضامة آدم، بينما عمر نايم في حضن الحاجة أمينة، ولا تعرف إن حد لسه هدد بخطفها.
هالة لاحظت تغير ملامحه.
في إيه؟
محمود تردد للحظة... ثم حكى لها المكالمة كلها.
اتغيرت ملامحها فورًا.
من دلوقتي، الأطفال مش هيتسابوا لوحدهم لحظة.
بعد أقل من ربع ساعة، وصل ضابط مباحث للمستشفى، وبدأ يسمع أقوال الجميع.
ولما وصل الدور للحاجة أمينة، قالت فجأة
في حاجة كنت مخبياها... لأن نجلاء حلفتني ما أقولهاش إلا لو حياتها بقت في خطر.
الكل بص لها.
أخرجت مفتاحًا نحاسيًا صغيرًا من سلسلة كانت معلقة في رقبتها.
وقالت
المفتاح ده سابتهولي نجلاء من سنتين.
محمود سألها
مفتاح إيه؟
ردت
خزنة في محطة الأتوبيس القديمة.
ساد الصمت.
قالتلي لو حصلها حاجة... أسلمه لمحمود عزام بنفسه.
محمود اتجمد مكانه للمرة الثانية.
أنا... هي كانت تعرف اسمي من سنتين؟
الحاجة أمينة هزت رأسها.
وقالت كمان إن اليوم اللي تشوف فيه اسمك، هتعرف إن الوقت جه.
قبل أن يكملوا الكلام...
انفتح باب العناية المركزة.
خرجت الممرضة بسرعة.
المريضة فاقت... لكنها بتطلب شخص واحد بس.
مين؟ سأل محمود.
الممرضة بصت في الورقة اللي معاها.
ثم رفعت عينيها وقالت
بتقول إنها مش هتتكلم غير مع... محمود عزام.
سامح انفجر غاضبًا.
إزاي؟! أنا أبو العيال!
لكن نجلاء من داخل الغرفة كانت بتكرر بصوت ضعيف
محمود.
.. محمود...
دخل محمود وحده.
كانت نجلاء شاحبة جدًا، وأجهزة المراقبة حواليها.
بمجرد ما شافته، حاولت ترفع إيدها.
قرب منها بسرعة.
همست بصعوبة
اسمعني... الوقت قليل...
أنا سامعك.
قالت وهي تقاوم الألم
الجواب... مش أهم
تم نسخ الرابط