ابويا وامي
أرجع أصلح اللي غيري بوّظه.
بصلي وقال
كنت عارف إنك هتوصلي هنا.
ضحكت بسخرية.
كنت عارف؟ ولا كنت مستني تشوفي إيه؟
ما ردش.
عينه راحت للصندوق المفتوح.
اتغير وشه.
فتحتيه؟
قلت
أيوه.
سكت لحظة.
ثم قال
يبقى خلاص... عرفتِ.
قربت منه.
عرفت إيه يا خالي؟
بص لفؤاد.
إنت كنت المفروض تمنعها.
رد فؤاد بهدوء
أنا وعدت جدها إني أوصل الحقيقة لصاحبتها... مش أخبيها عنها.
الكلمة دي خلت خالي يتوتر.
قال
أنتِ فاكرة إنك فاهمة كل حاجة؟
قلت
لأ... عشان كده أنا هنا.
قعد خالي على الكرسي، وحط إيده على وشه.
لأول مرة أشوفه مش واثق.
قال
جدك كان عارف إن فيه ديون.
ديون مين؟
سكت.
ثم قال
ديون والدك.
بصيت له.
يعني إنت كنت عارف؟
هز راسه.
أيوه.
وسكت؟
رد بصوت منخفض
كنت بحاول أحمي العيلة.
ابتسمت بمرارة.
الغريب إن كل واحد فيكم بيقول نفس الجملة... وبالآخر أنا اللي بدفع الثمن.
فتح خالي حقيبته وطلع ورقة.
فيه حاجة لازم تشوفيها قبل ما تحكمي.
أخدت الورقة.
كانت عقد شراكة قديم.
لكن الاسم اللي عليه خلاني أرفع عيني بسرعة.
مش اسم أبويا.
ولا اسم خالي.
كان اسم شخص تاني.
شخص ما أعرفوش.
وتحت العقد...
كان فيه توقيع جدي.
فؤاد قرب وبص للورقة.
وفجأة تغيرت ملامحه.
قال
مستحيل...
سألته
إيه؟
أشار للتوقيع.
ده معناه إن جدك ما كانش بس بيحميك من والدك...
سكت.
كان بيحميك من الشخص اللي ماسك الخيوط من ورا الكل.
وفي اللحظة
وصلت رسالة على موبايلي.
رقم مجهول.
فتحتها...
وكان فيها صورة حديثة.
صورة لخالي وهو داخل مكتب مع نفس الشخص الموجود في العقد.
وتحت الصورة جملة واحدة
لو عايزة تعرفي مين خان جدك... تعالي للمكان المكتوب في الصورة.
يتبع...فضلت ماسكة الصورة ومش قادرة أرفع عيني عنها.
أمي...
واقفة جنب جدي.
مش مجرد صورة عائلية عادية.
كان واضح من شكلهم إن فيه موضوع مهم.
رفعت عيني للرجل وقلت
إيه معنى الصورة دي؟
أخد نفس طويل وقال
قبل ما تظلميها... اسمعي القصة كاملة.
الكلمة دي ضايقتني.
لأن طول عمري كنت أنا اللي بسمع.
أنا اللي أبرر.
أنا اللي أدي أعذار.
قلت له
أنا مش جاية أظلم حد... أنا جاية أعرف الحقيقة.
فتح الملف وأخرج ورقة قديمة.
جدك كان عنده مشكلة كبيرة قبل وفاته. كان فيه حد بيحاول يضغط عليه عشان يبيع جزء من ممتلكاته.
مين؟
سكت لحظة.
شخص كان قريب من العيلة.
بصيت للصورة.
وأمي كانت عارفة؟
قال
أمك كانت تعرف جزء من الموضوع.
جزء؟
هز رأسه.
أيوه. لكنها ما كانتش تعرف كل التفاصيل.
لأول مرة حسيت إن الصورة اللي في دماغي بدأت تتغير.
يمكن أمي ما كانتش مجرد الشخص اللي ضحك عليّا.
يمكن كان فيه شيء أكبر.
لكن قبل ما أسأله...
رن هاتفي.
كان أبويا.
نظرت للشاشة.
اترددت.
ثم رديت.
صوته كان ضعيفًا.
أسماء... لازم ترجعي البيت.
قلت
ليه؟
سكت.
ثم قال
لأن أمك اختفت.
تجمدت.
اختفت إزاي؟
من الصبح وهي
قلبي بدأ يدق.
رسالة إيه؟
قال
كتبت اسمك بس.
قفلت المكالمة وأنا مش فاهمة.
الرجل اللي قدامي قال
لازم تروحي.
رجعت البيت بسرعة.
لقيت أبويا واقف في الصالة.
لكن المرة دي...
ما كانش فيه غرور.
كان فيه خوف حقيقي.
ناولني ظرف.
وقال
لقيته على ترابيزتها.
فتحت الظرف.
كان فيه ورقة واحدة.
بخط أمي.
وكان أول سطر فيها
أسماء... لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى الوقت خلص، ولازم تعرفي إن أبوكي مش الشخص الوحيد اللي أخفى عنك الحقيقة.
وقفت عند الجملة.
وكملت القراءة...
أنا عملت حاجة من سنين... وكنت مستنية اليوم اللي أقدر أقولك عليها.
وفي آخر الصفحة...
كان فيه عنوان.
لكن العنوان ده...
كان لنفس المكان اللي بدأ منه كل شيء.
بيت جدي القديم.
وتحت العنوان جملة واحدة
هناك ستعرفين لماذا اختارك جدك أنتِ بالذات.
يتبع...بعد أيام من البحث...
عرفت أسماء الحقيقة كاملة.
رجعت لبيت جدي القديم مرة أخيرة، وهناك قابلت أمي.
كانت قاعدة في نفس الغرفة اللي كان فيها الصندوق.
أول ما شافتني، عينيها اتمليت دموع.
قالت
كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.
وقفت قدامها وقلت
ليه يا أمي؟
نزلت عينيها للأرض.
لأني كنت غلطانة.
سكتت.
ثم بدأت تحكي.
قبل وفاة جدي، كان اكتشف إن أبويا دخل في شراكات خسرانة، وإن فيه ناس بتحاول تستغل خوفه وطمعه.
لكن جدي ما كانش عايز يفضح ابنه.
كان عايز يديه فرصة يصلح
أما أمي...
فكانت عارفة جزء من الموضوع.
كانت خايفة على البيت، وعلى العيلة، وعلى نفسها.
فاختارت الصمت.
لكن صمتها كان ثمنه إن أنا بقيت الشخص اللي الكل يعتمد عليه ويضغط عليه.
قالت وهي بتبكي
أنا كنت فاكرة إني بحمي العيلة... لكني كنت بظلمك.
بصيت لها طويلًا.
كنت مستنية اللحظة دي من سنين.
لحظة اعتذار.
لكن الغريب...
إني لما سمعتها، ما حسيتش بالانتصار.
حسيت بالتعب.
تعب السنين اللي قضيتها وأنا بحاول أثبت إني أستحق الحب.
بعدها بأيام، انتهت التحقيقات.
اتثبت إن التوكيل مزور، وإن الأرض ملكي بالكامل.
أما أبويا...
فوقف قدام المحكمة واعترف إنه أخطأ.
مش كل حاجة اتصلحت.
في حاجات لما تتكسر ما بترجعش زي الأول.
لكن لأول مرة...
بدأ يتحمل مسؤولية أفعاله.
أما أنا...
ما رجعتش أصلح سطح البيت.
اشتريت بيت صغير باسمي.
بيت مفيهوش حد يطلب مني أكون المنقذة.
ولا حد يصور تعبي ويضحك.
وبعد شهور...
قررت أعمل حاجة واحدة كنت بحلم بيها من زمان.
فتحت شركة صغيرة لترميم البيوت.
مش عشان أثبت حاجة لحد.
لكن عشان أساعد الناس اللي فعلًا محتاجة.
وفي أول يوم افتتاح...
جالي ظرف.
فتحته.
كان من أبويا.
جواه صورة قديمة ليا وأنا طفلة مع جدي.
ومكتوب خلفها
أسماء... أهم بيت لازم تبنيه هو البيت اللي جواكي.
ابتسمت.
لأن لأول مرة فهمت معنى كلام جدي.
أنا ما كنتش ضعيفة لأني كنت بساعد.
أنا كنت قوية...
لكن
ومن يومها...
لما حد يطلب مني أضحي بنفسي عشان يرتاح...
بفتكر سطح يوليو الحار.
والبنت اللي كانت فوقه لوحدها.
وبقول لها
كفاية... المرة دي دورك أنتِ ترتاحي.
النهاية.