ابويا وامي
أبويا وأمي قالولي إنهم مفلسين ومش معاهم فلوس يجيبوا صنايعي يصلّح السطح... فنطّيت أنا فوق السطح في عز حر يوليو أشتغل ببلاش، وهم قاعدين تحت على كراسي الجنينة ياكلوا كرز ويصوروني كأني نكتة. أبويا ابتسم وقال يا بنتي بلاش حساسية... كل الناس عارفة إننا بنهزر. وأنا كملت شغل... لحد ما دخلت المطبخ المكيّف، ولمحت على الترابيزة حجوزات رحلة أوروبا درجة أولى كلها مدفوعة. وقتها لمّيت عدتي في هدوء... قبل ما المطر يوصل لأوضة نومهم.
مع نهاية أول يوم، رقبتي كانت اتحرقت من الشمس.
إيديا كلها فقاقيع، وكتافي بترتعش، وكل رزمة قرميد كانت بتحسّسني إنها أتقل من اللي قبلها.
ورغم كده، كنت بكرر لنفسي نفس الجملة اللي عشت عمري كله مصدقاها
هما محتاجيني.
وده كان دوري دايمًا في العيلة.
أسماء هي اللي تصلح، وتشيل، وتدفع، وبعدين تعتذر كمان لو حد زعل.
عشان كده لما أبويا وأمي قالولي إنهم مش قادرين يدفعوا أجرة صنايعي يصلح السطح... صدقتهم.
قست ميل السطح، وحسبت تكلفة الخامات، وكلمت واحد صاحبي مقاول.
قالّي إن أجرة الشغل حوالي 12 ألف دولار.
أبويا صفر بإعجاب وقال
الحمد لله إننا ربينا بنت تعرف تمسك السلم.
وأمي ابتسمت وقالت
أهو ده فايدة إن يبقى عندك عيال شاطرة.
بس في بيتنا... الشطارة عمرها ما كانت معناها إنهم بيحبوني.
كانت معناها إني نافعة.
وصلت قبل الساعة سبعة الصبح، نزلت العِدة، ورصيت القرميد، وطلعت فوق السطح والشمس بدأت تولع في الدنيا.
أبويا وأمي كانوا قاعدين في البلكونة يشربوا قهوة.
وفجأة أبويا طلع موبايله.
افتكرت في الأول إنه بيصور شغل السطح.
لكن لأ...
كان بيصورني وأنا بطلع السلم بالعافية، وبقف آخد نفسي، وبقع على ركبتي قبل ما أعرف أقف تاني.
ولما نزلت أشرب مية، وأنا دايخة ومليانة تراب، لوّح بالموبايل في وشي وقال
ده هيبقى فيديو جامد.
وأمي ضحكت وقالت
يمكن أخيرًا نبقى مشهورين بسببك.
طلبت من أبويا يمسك السلم وأنا طالعة.
أخد رشفة من الشاي وقال
مش عايز أعطلك.
بالليل.
أبويا كان مشغل الفيديو لكل العيلة.
كنت باينة في الفيديو تعبانة ومحروقة من الشمس، وشايلة رزمة قرميد بالعافية.
والتعليق المكتوب على الفيديو كان بيتريق عليّا، وبيقول إني بموت نفسي عشان أثبت إن ليا لازمة.
خالي بعت ميم يضحك.
أختي كتبت تعليق أرخم منه.
وأولاد خالاتي فضلوا يضحكوا.
ولما أبويا شافني واقفة على الباب، ابتسم وقال
يا بنتي بلاش حساسية... كل الناس عارفة إننا بنهزر.
في اللحظة دي...
حاجة جوايا سكتت.
مش اتكسرت...
اتقفلت.
وبرضه رجعت السطح تاني يوم.
أوقات الجسم بيفضل ماشي على العادات القديمة... حتى بعد ما القلب يفهم الحقيقة.
بعد شوية نزلت أشرب مية، ولاقيت شوية ورق على ترابيزة المطبخ.
باريس.
فلورنسا.
نيس.
برشلونة.
تذاكر درجة أولى.
عربيات خاصة.
جناح فاخر.
ست أسابيع في أوروبا.
وكل حاجة مدفوعة بالكامل.
كان معاهم فلوس.
بس كانوا عايزين السطح يتصلح ببلاش كمان.
أبويا شافني ببص على الورق وقال
أمك لقت عرض ممتاز على الطيران.
بصيتله وقلت
إنتوا قلتولي إنكم مش معاكم فلوس تدفعوا أجرة الصنايعي.
أمي ابتسمت وقالت بمنتهى البساطة
ما إحنا مقدرناش ندفع الاتنين.
الحقيقة كانت قدامي على الترابيزة...
بين طبق الفاكهة وأوراق السفر.
هما عمرهم ما كانوا محتاجين حد ينقذهم.
هما كانوا محتاجين حد يخدمهم.
رجعت أكمل شغل... وإيديا بتترعش.
وفي اليوم اللي بعده، بصيت من شباك المطبخ...
لقيتهم قاعدين تحت التكييف، بياكلوا بطيخ، وبيعيدوا الفيديو.
أبويا بيقلد طريقة طلوعي على السلم.
وأمي بتضحك لدرجة إنها مش قادرة تقف.
ساعتها...
نزلت من فوق السطح.
لمّيت مسدس المسامير، ولفيت الخرطوم، وغطيت الجزء اللي مخلصش بالمشمع اللي كنت جايباه عشان يحميه بالليل.
وبعدين دخلت عليهم.
قلت بهدوء
لازم أمشي... فيه ظرف عائلي طارئ.
أبويا ابتسم بسخرية وقال
بس متسيبيناش على أعصابنا.
ما رديتش.
شلت عدتي، وحطيتها في العربية، ومشيت.
وبعد تلات ليالي...
العاصفة وصلت.
وفي تمام الساعة 1217 بعد نص الليل...
موبايلي بدأ يرن.
يتبع...ووو
حكايات_زيزي
رنّ التليفون مرة... واتنين... وتلاتة.
سيبته يرن.
بعد دقيقة، جالي أول فويس نوت من أمي.
صوتها كان مختلف... مفيهوش ولا ضحكة من اللي كانوا بيضحكوا بيها وهما بيتفرجوا على الفيديو.
أسماء... السقف بينقط! المية نازلة من كل حتة... ارجعي بسرعة.
بصيت للرسالة... وقفلتها من غير ما أسمعها للآخر.
بعدها بثواني، أبويا اتصل.
ولأول مرة من سنين... كان صوته فيه استعجال.
إنتِ غطيتي السطح غلط! المية دخلت أوضة نومنا!
ابتسمت في هدوء، وقلت
أنا غطيت الجزء اللي كنت شغالة فيه بس... الجزء اللي كنتوا مستعجلين أوفر فيه فلوس الصنايعي، لسه ما اتصلحش.
سكت.
سمعت وراه صوت حاجة تقيلة وقعت.
وبعدين أمي بتصرخ
السقف بينزل!
قفل الخط فجأة.
بعد أقل من عشر دقايق...
وصلتني صور من أختي.
السجادة غرقانة.
الدهان بينزل من السقف.
المية ماشية على الحيطة لحد السلم.
وآخر صورة كانت لأبويا واقف وسط البيت، ماسك جردل بيحاول يلم المية بإيده.
كتبتلي
إنتِ لازم ترجعي حالًا.
بصيت للشاشة شوية...
لكن ما كتبتش ولا حرف.
الصبح، صحيت على أكتر من خمسين مكالمة فائتة.
وفيه رسالة طويلة من خالي
إنتِ عارفة إن أبوكي كبير في السن... مهما حصل ده بيتك.
قريتها أكتر من مرة.
الغريب إنه ما سألش ليه مشيت.
ولا سأل هما عملوا فيا إيه.
كل اللي كان مهم بالنسبة له...
إني أرجع أكمل اللي بدأته.
بعد الضهر، كنت في الورشة عند صاحبي المقاول، برجعله المعدات اللي استلفتها.
بصلي باستغراب وقال
خلصتي الشغل بسرعة؟
هزيت راسي وأنا بقول
لأ... سيبته.
سكت لحظة، وقال
الغريبة إن أبوكي كلمني الصبح.
اتجمدت مكاني.
وقال إيه؟
صاحبي اتنهد، ومسح إيده في البنطلون قبل ما يرد.
قالي إنك سيبتي الشغل في النص، وإنك خربتي السطح عمد... وطلب مني أروح أصلحه، على الحساب، لحد ما يبقى معاه فلوس.
ابتسمت بمرارة.
وصدّقته؟
رد وهو بيبصلي بثبات
كنت هصدقه... لولا إنه بعدها
فضلت ساكتة.
لكن لأول مرة...
حسيت إن حد غيري شاف الحقيقة.
وفي مساء نفس اليوم...
وصلني إشعار من واحد من أولاد خالاتي.
كان باعتلي لينك.
ولما فتحته...
حسيت الدم جمد في عروقي.
الفيديو اللي كانوا بيتريقوا فيه عليّا...
ما بقاش موجود لوحده.
كان فيه فيديو جديد نازل من حساب أبويا...
عنوانه أخطر بكتير.
شوفوا البنت العاقة اللي سابت أهلها يغرقوا في عز العاصفة.
وأعداد المشاهدات كانت بتزيد كل ثانية...
لكن اللي شد انتباهي فعلًا...
أول تعليق مثبت تحت الفيديو.
تعليق من شخص... عمري ما توقعت أشوف اسمه هناك.
يتبع...فتحت التعليق وأنا قلبي بيدق بعنف.
الاسم كان...
المهندس سامح فؤاد.
صاحب أكبر شركة مقاولات في المحافظة.
الراجل اللي اشتغلت معاه تدريب صيفي وأنا في الكلية، واللي كان دايمًا يقول إن الشغل النضيف عمره ما بيستخبى.
تعليقه كان قصير...
لكنه قلب كل حاجة.
غريب إنكم بتقولوا إنها سابت الشغل... مع إن الجزء اللي اتصلح واضح جدًا، والجزء اللي بيسرب هو الجزء اللي ما اتعملش أصلًا.
بدأت التعليقات تتغير.
يعني البنت مش السبب؟
هو ليه كانت هي اللي فوق السطح لوحدها؟
فين الصنايعية؟
إزاي ست تشيل كل ده لوحدها؟
أبويا حاول يرد بسرعة.
كتب
هي أصرت تشتغل بنفسها.
لكن بعد دقيقة...
المهندس سامح رد عليه بصورة.
صورة من المحادثة اللي كانت بينه وبين صاحبي المقاول.
واضح فيها إن أبويا كان رافض يدفع أجرة الصنايعي، وكاتب بالحرف
بنتي هتعمله ببلاش... هي متعودة.
الدنيا انفجرت.
ناس كتير بدأت تدخل تشتم.
وفي ناس كانت بتسأل سؤال واحد
إزاي أب يصور بنته وهي بتتعب بدل ما يساعدها؟
بعد ساعة...
الفيديو القديم اللي كانوا بيتريقوا فيه عليّا بقى بيتشارك من جديد.
بس المرة دي...
مش علشان يضحكوا.
علشان يقولوا
بصوا البنت كانت بتتعامل إزاي.
المكالمة جاتلي بعدها مباشرة.
أمي.
أول ما رديت، كانت
إنتِ بعتّي المحادثات دي لمين؟
قلت بهدوء
أنا مبعتّش حاجة.
أمال وصلت للناس إزاي؟!
قبل ما أرد...
سمعت صوت أبويا من بعيد وهو بيقول بعصبية
هاتِ التليفون!
ثواني...
وبقى هو اللي بيتكلم.
لكن