ابويا وامي
المحتويات
نبرة صوته المرة دي مكانش فيها ثقة.
كان فيها خوف.
أسماء... إحنا لازم نقعد ونتكلم.
ابتسمت لأول مرة من أيام.
وسألته سؤال واحد
نتكلم عن السطح... ولا عن الفيديو... ولا عن الكدبة اللي قلتها للناس؟
سكت.
سكت لدرجة إني افتكرت الخط فصل.
وفجأة...
قال جملة خلتني أعرف إن اللي جاي أخطر بكتير
فيه شخص جالنا البيت النهارده... وقال إنه عايز يقابلك إنتِ بالاسم... ولو عرف الحقيقة كاملة، إحنا كلنا هنضيع.
يتبع...قفلت المكالمة وأنا مش فاهمة قصده.
مين الشخص اللي ممكن يخلي أبويا... اللي عمره ما اعترف بغلطه... يبقى خايف بالشكل ده؟
فضلت طول الليل أفكر.
هل هو حد من العيلة؟
حد شاف حاجة؟
ولا فيه سر تاني أنا معرفوش؟
تاني يوم الصبح، وأنا قاعدة في شقتي، خبط الباب.
فتحت...
لقيت راجل في أواخر الخمسينات واقف قدامي، لابس بدلة بسيطة وماسك ملف كبير.
بصلي وقال
أنتِ أسماء؟
هزيت راسي بحذر.
قال
أنا المهندس سامح.
دخل وقعد، وحط الملف على الترابيزة.
أنا عارف إن الوقت مش مناسب، بس فيه حاجة لازم تعرفيها.
فتحت الملف...
ولقيت صور.
صور للبيت.
صور للسطح.
وصور لعقود.
بصيتله باستغراب.
إيه ده؟
تنهد وقال
البيت ده مش مجرد بيت زي ما أنتِ فاكرة.
قلب الورق قدامي.
من حوالي 8 شهور، والدك كان بيجهز يبيع جزء من الأرض اللي جنب البيت. وأنا كنت من الناس اللي اتطلب منها تعمل معاينة.
سألته
وإيه علاقة ده بيا؟
بصلي وقال
لأن الأرض دي... باسمك.
اتجمدت.
باسمي؟ مستحيل.
طلع ورقة تانية.
والدك ووالدتك عملوا الموضوع من سنين. الأرض اتسجلت باسمك لأن جدك كان كاتبها ليكي.
فضلت ساكتة.
كل السنين اللي فاتت...
كنت فاكرة إني مجرد البنت اللي بيطلبوا منها تساعد.
لكن فيه حاجة كانت مخبية عني.
قال المهندس سامح
لما والدك عرف إن الموضوع ممكن يظهر، حاول يبيع بسرعة قبل ما تعرفي.
قلبي بدأ يدق أسرع.
طب هو ليه قال لي إنهم مفلسين؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
لأنهم كانوا بيختبروا حاجة.
إيه؟
فتح آخر ورقة في الملف.
كانت
رحلات.
مشتريات.
حجوزات.
وبجانبها ملاحظات مكتوبة بخط إيد أمي.
لكن آخر سطر كان هو اللي خلاني أتجمد.
كان مكتوب
لو أسماء رفضت تساعد المرة دي... يبقى لازم نستخدم الخطة البديلة.
رفعت عيني للمهندس سامح.
خطة بديلة لإيه؟
وقبل ما يرد...
رن موبايلي.
كان رقم أبويا.
رديت وأنا ببصله.
لكن اللي سمعته من الناحية التانية...
خلاني أقف من مكاني.
صوت أبويا كان مرتجفًا
أسماء... لازم تيجي حالًا.
ليه؟
سكت لحظة.
ثم قال
لأن الشخص اللي كان بيدور على الأرض... وصل للبيت.
وهو مش جاي يشتريها.
هو جاي يفتح قضية.
يتبع...ركبت عربيتي وأنا مش عارفة أنا رايحة أواجه إيه بالضبط.
كل خطوة ناحية بيت أبويا كانت بتحسسني إني راجعة لمكان كنت فاكرة إني أعرفه...
لكن الحقيقة إن كل حاجة فيه كانت مستخبية عني.
لما وصلت، لقيت باب البيت مفتوح.
وأول مرة في حياتي أشوف أبويا واقف عند الباب مستنيني.
مش قاعد على كرسيه.
مش بيضحك.
مش بيقول كلامه المعتاد.
كان واقف ووشه شاحب.
دخلت...
لقيت أمي قاعدة على الكنبة، ماسكة ورق بإيد بتترعش.
وعلى الناحية التانية كان فيه راجل غريب، حوالي الستين سنة، قدامه حقيبة جلد.
أول ما شافني وقف.
وقال
أنتِ أسماء؟
قلت
أيوه.
بص لأبويا وقال
هي لازم تسمع كل حاجة.
أبويا حاول يقاطعه
مش دلوقتي يا أستاذ عادل...
لكن الراجل رفع إيده وقال
دلوقتي بالذات.
فتح الحقيبة وطلع ملف قديم.
حطه قدامي.
أنا محامي جدك.
سكت المكان كله.
جدّي...
الاسم اللي ما حدش كان بيجيبه غير في المناسبات.
قال المحامي
قبل وفاته، جدك كتب وصية فيها شرط واضح.
فتحت عيني باستغراب.
شرط؟
هز رأسه.
أيوه. كان عارف إن فيه خلافات بين أفراد العيلة، وعارف إن والدك مش دايمًا بيتصرف بحكمة.
بصيت لأبويا.
ملامحه اتغيرت.
قال المحامي
جدك ترك لكِ الأرض والجزء الأكبر من الممتلكات... لكن وضع شرط.
قرب الورقة مني.
إنك تعرفي الحقيقة بنفسك قبل سن معين.
ضحكت بسخرية.
يعني إيه أعرف الحقيقة؟
بص للمستندات.
يعني تعرفي إن والدك كان بيستخدم اسمك في معاملات مالية من غير ما يقولك.
سكت.
حسيت كأن الأرض اتحركت من تحتي.
بصيت لأبويا
إنت عملت إيه؟
ما ردش.
أمي بدأت تبكي.
وقالت
إحنا كنا هنرجع كل حاجة.
المحامي بص لها
بعد ما اتكشف الموضوع؟
الكلمة نزلت عليهم زي الصدمة.
أبويا قرب مني وقال
أسماء... اسمعيني. الموضوع مش زي ما فاهمة.
قلت
أنا فاهمة حاجة واحدة بس... إن كل مرة كنت بتقولولي محتاجينني، كان فيه حاجة أكبر مستخبية.
في اللحظة دي...
رن جرس الباب.
المهندس سامح دخل بسرعة.
وفي إيده ورقة.
بص لأبويا وقال
وصلتني أخبار إنك حاولت تعملها.
أبويا اتوتر.
تعمل إيه؟
مد سامح الورقة ناحيتي.
وقال
يحاول يبيع الأرض اللي باسمك... قبل ما المحكمة تمنعه.
فتحت الورقة.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في آخر سطر...
لأن التوقيع الموجود عليها...
كان توقيعي أنا.
وأنا عمري ما وقعت الورقة دي.
يتبع...فضلت أبص على الورقة كأني مستنية الحروف تتغير.
التوقيع...
اسمي...
لكن الخط مش خطي.
رفعت عيني ناحية أبويا.
إيه ده؟
وشه اصفر.
أسماء، الموضوع سوء تفاهم.
ضحكت ضحكة قصيرة من الصدمة.
سوء تفاهم؟ حد مضى باسمي يبقى سوء تفاهم؟
أمي قربت مني وقالت
اسمعينا بس... إحنا كنا مضطرين.
رجعت خطوة لورا.
مضطرين تعملوا إيه؟
المحامي عادل فتح الملف وقال بهدوء
الورقة دي عبارة عن توكيل بيع. تم تقديمها على إنها موقعة منك.
ثم بص لأبويا
لكن التوقيع فيه شبهة تزوير، وده سبب إن الموضوع وصل للقضاء.
سكت البيت كله.
حتى أمي اللي كانت طول الوقت بتحاول تبرر...
ما لقتش كلام.
بصيت لأبويا وقلت
يعني طول الوقت كنتوا عارفين إن الأرض باسمي؟
ما ردش.
وعارفين إن ليّا حق فيها؟
فضل ساكت.
وعشان كده كنتوا بتخلوني أشتغل عندكم ببلاش؟
هنا انفجر.
كفاية يا أسماء! إحنا أبوكي وأمك!
الكلمة دي زمان كانت بتخليني أسكت.
لكن المرة دي...
ما سكتش.
قلت
الأب والأم مش ورقة تتفتح لما يحتاجوا حاجة وتتقفل لما يخلصوا.
نزل الصمت على المكان.
المهندس
في حاجة تانية لازم تعرفيها.
بصيتله.
طلع تليفونه وفتح تسجيل صوتي.
ضغط تشغيل.
وصوت أبويا طلع واضح.
كان بيتكلم مع شخص
هي هتعمل اللي عليها... أسماء طول عمرها بتحس بالذنب. نخليها تحس إنها مسؤولة ونخلص الموضوع.
إيدي بردت.
لأن الصوت كان صوته.
وصعب أكتر من أي دليل...
إن الشخص اللي كنت بحاول أرضيه طول عمري كان عارف بالضبط إزاي يضغط عليّا.
أمي بدأت تبكي.
إحنا غلطنا.
بصيتلها.
غلطتوا لما صورتوني وأنا بتعب؟ ولا لما ضحكتوا عليّا؟ ولا لما حاولتوا تبيعوا حاجة مش بتاعتكم؟
ما ردتش.
في اللحظة دي، دخل واحد من رجال المحكمة ومعاه أوراق.
قال
أستاذة أسماء؟ فيه قرار بتجميد أي تصرف في الأرض لحين انتهاء التحقيق.
أخدت الورق.
ولأول مرة...
حسيت إن الحمل اللي كان فوق كتافي سنين بدأ يخف.
لكن قبل ما أمشي...
أبويا وقف قدامي.
وشه كان مكسور.
وقال جملة ما توقعتش أسمعها منه أبدًا
أسماء... فيه حاجة ما قلتهاش لك.
وقفت.
بصيتله.
قال
السبب الحقيقي إن جدك كتب الأرض باسمك... مش بس لأنه كان واثق فيكي.
سكت لحظة.
ثم قال
كان خايف إننا نضيّعها.
تجمدت.
لأن معنى كلامه كان واضح...
جدي كان يعرف من زمان إن فيه حاجة غلط.
لكن السؤال اللي ظهر في دماغي كان أخطر
إيه السر اللي كان جدي عارفه عن أبويا قبل ما يموت؟
يتبع...رجعت بصيت لأبويا، ومستنية يكمل.
لأول مرة في حياتي...
ما كنتش مستنية منه اعتذار.
كنت مستنية الحقيقة.
قعد على الكرسي ببطء، وكأنه فجأة كبر عشرين سنة.
قال
جدك قبل ما يموت بشهر... طلب مني أقعد معاه لوحدنا.
سكت شوية.
قالي يا ابني أنا عارف إنك بتحب بنتك، لكن عندك مشكلة... إنك لما بتخاف بتفكر في نفسك قبل أي حد.
الكلام وجعني.
مش لأنه جديد...
لكن لأنه كان بالضبط اللي عشته.
كمل أبويا
قال لي كمان إنه حاطط الأرض باسمك يا أسماء، لأنه شاف فيكي حاجة ما شافهاش فيا.
نزلت عيني للأرض.
إيه الحاجة دي؟
رد بصوت منخفض
إنك بتعرفي تبني... مش تهد.
سكت الجميع.
أمي بدأت
لكن أنا ما قدرتش أتأثر بسهولة.
سنين وأنا مستنية كلمة تقدير.
ولما جات...
جات بعد ما كل شيء انكشف.
المحامي عادل فتح ورقة جديدة.
وقال
فيه جزء أخير من الوصية.
بصيتله.
إيه هو؟
قال
جدك ترك رسالة ليكي.
طلع ظرف قديم، عليه اسمي بخط جدي.
إيدي بدأت ترتعش
متابعة القراءة