كان أول يوم شغل

لمحة نيوز

لسه مدخلش البيت.
الكلمة خلتني أقف مكاني.
في نفس الثانية...
رن تليفوني.
بصيت للشاشة.
المتصل...
علي.
رديت بسرعة.
سمعت صوته وهو بينهج
فادية... أنا لسه واقف قدام الباب... محدش يفتح لأي حد... لأن اللي بينادي باسمك من جوه...
سكت لحظة...
ثم قال بصوت مرتجف
...مش أنا.
وقبل ما يكمل...
سمعنا نفس الصوت من آخر الطرقة، أقرب من الأول
فادية... افتحيلي الباب الصغير... أنا مستنيكي.
الست العجوز غمضت عينيها، وقالت جملة زادت الغموض
واضح إنه عرف إن المفتاح معاكي.
بصيت للمفتاح الفضي اللي في إيدي.
ولقيت حاجة عمري ما انتبهت لها.
كان منقوش عليه رقم صغير جدًا...
317.
نفس الرقم اللي كانت واقفة عنده عقارب ساعة الحائط.
وقبل ما أسأل أي سؤال...
بدأ المفتاح يسخن في كف إيدي...
وكأنه بيقودني إلى مكان معين داخل البيت مديت إيدي ناحية الظرف، لكن قبل ما ألمسه، علي دخل الأوضة بسرعة.
كان نفسه مقطوع، ووشه مليان تراب، وكأنه جري مسافة طويلة.
أول ما شاف الظرف، وقف مكانه.
ثم قال بهدوء غريب
إذن... حصل اللي كنت خايف منه.
لفيت ناحيته بسرعة.
أنت كنت عارف إن الظرف موجود؟
هز رأسه.
أيوه.
وليه مخبي كل ده عني؟
بص في عيني، ولأول مرة من ساعة بدأت الحكاية، شفت في وشه تعب السنين.
قال
لأن أي إجابة هديهالك دلوقتي... هتخليكي تسألي ميت سؤال بعدها.
صرخت فيه
وأنا أصلًا بقالى أيام عايشة وسط أسئلة!
الراجل صاحب البدلة تدخل وقال
خلوها تفتح الظرف.
لكن علي رفع إيده.
لأ.
الست العجوز ردت بحزم
هي صاحبة
القرار.
بصوا كلهم عليا.
أنا.
كأن مصيرهم كلهم متعلق بالحركة اللي هعملها.
أخدت نفسًا عميقًا، وفتحت الظرف ببطء.
لكن...
كان فاضي.
فضلت أقلبه يمين وشمال.
مفيش ولا ورقة.
بصيت لهم باستغراب.
ده فاضي!
الغريب...
ولا واحد فيهم اتفاجئ.
علي ابتسم لأول مرة.
وقال
كنت متوقع.
سألته بعصبية
متوقع إيه؟
رد
الرسالة عمرها ما كانت جوه الظرف.
سكت لحظة، ثم أشار بإيده إلى الغطاء الداخلي للصندوق.
قربت منه.
ولما قلبت الغطاء...
لقيت جملة محفورة في الخشب، كانت مخفية طول الوقت.
ابحثوا تحت الساعة التي توقفت.
بصيت بسرعة ناحية الست العجوز.
قالت
كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.
خرجنا كلنا من الأوضة، وجريت ناحية الصالة.
الساعة القديمة كانت لسه واقفة عند 317.
علي وقف قدامها، ولمسها برفق.
ثم قال
من يوم ما وقفت... محدش قدر يحركها.
مد إيده ورفع الساعة من على الحائط.
وراها مباشرة...
كان فيه تجويف صغير داخل الحائط.
لكن التجويف...
كان فاضي.
اتغيرت ملامح علي فجأة.
همس
مستحيل...
الراجل صاحب البدلة قرب بسرعة.
كان فيه إيه هنا؟
رد علي بصوت منخفض
دفتر.
فينه؟
هز رأسه.
اتسرق.
في اللحظة دي، كل الأنوار رجعت تشتغل.
وفي نفس الثانية...
رن تليفون علي.
بص للشاشة، واتجمد.
سألته
مين؟
رد بصوت خافت
رقم مقفول من خمس عشرة سنة...
فتح المكالمة على السماعة.
وجالهم صوت رجل هادئ جدًا
واضح إنكم وصلتوا متأخرين.
ثم ضحك ضحكة قصيرة، وأكمل
الدفتر عندي... ولو عايزينه، تعالوا للمكان اللي بدأت فيه الحكاية كلها.

وقبل ما يقفل...
قال جملة خلت وش الحاج منصور يشحب لأول مرة
مستنيكم... في محطة القطار القديمة وصلنا محطة القطار القديمة قبل غروب الشمس.
كانت مهجورة تمامًا، والسكة الحديد مغطاة بالحشائش، وكأنها لم تستقبل قطارًا منذ عشرات السنين.
في منتصف الرصيف وقف رجل مسن، يحمل الدفتر في يده.
ابتسم أول ما شاف الحاج منصور، وقال
تأخرتوا... لكن يمكن لسه في وقت.
مد الدفتر ناحية علي.
لكن علي لم يمد يده.
قال بهدوء
الدفتر مش ليا.
ثم بص ناحيتي.
لفادية.
استغربت، وأخذت الدفتر بيدي المرتعشة.
فتحته...
ولقيت أول صفحة مكتوب فيها
هذه ليست قصة كنز... ولا ميراث... بل قصة أمانة.
بدأت أقرأ.
من أكثر من ثلاثين سنة، كان والد فادية يعمل محاسبًا عند رجل أعمال كبير. وقبل وفاة الرجل بأيام، سلّمه ملفات تثبت ملكية أراضٍ وأموال كثيرة تخص عددًا من الأسر البسيطة، وطلب منه ألا يسلمها إلا لأصحابها الحقيقيين حتى لا يستولي عليها الورثة الطامعون.
لكن والد فادية توفي فجأة قبل أن يتم المهمة.
ولأنه كان يثق في الحاج منصور، سلّمه الأمانة.
ومع مرور السنوات، كبر أصحاب الحقوق وتفرقت عائلاتهم، وأصبح الوصول إليهم صعبًا جدًا.
قبل وفاة الحاج منصور، عهد بالمهمة إلى علي.
لم يكن المطلوب أن يحتفظ بالأموال لنفسه...
بل أن يبحث عن أصحابها الحقيقيين ويعيد لكل واحد حقه.
ولهذا كان يخرج ليلًا، ويقابل المحامين، ويجمع المستندات القديمة، ويتأكد من كل اسم حتى لا يضيع حق أحد.
رفعت رأسي ونظرت إلى علي.
قلت بصوت
مرتجف
ليه مخبتش عليا كل ده؟
ابتسم بحزن وقال
لأن كل ما كنت بقرب من الحقيقة، كان في ناس بتحاول تمنعني. وخفت لو عرفتي، تبقي في خطر بسببي.
ثم أخرج من جيبه ظرفًا صغيرًا.
ناولني إياه.
فتحته...
كانت فيه مفاتيح شقتنا.
وقال
أنا كنت ببيع الشقة فعلًا... لكن مش عشان أسيبك.
استغربت.
فأكمل
العمارة كلها كانت هتتهد، وكنت وقعت عقد شراء لشقة جديدة باسمنا إحنا الاتنين، وأخفيت الموضوع لحد ما أخلص إجراءات نقل الأمانة وأضمن إن محدش يوصلك.
ثم أخرج عقدًا رسميًا.
كان مكتوبًا فيه اسمي واسمه معًا.
كل شيء كان مسجلًا بالنصف.
لم يأخذ شيئًا لنفسه.
بل حتى الأثاث الذي كنت أشتريه، كان قد نقله للشقة الجديدة حتى يفاجئني بعد انتهاء الإجراءات.
أما كل الغموض، فلم يكن إلا خوفًا من أن تصل الأمانة إلى الشخص الخطأ.
بعد أشهر من العمل، أعاد علي والحاج منصور والمحامي كل الحقوق إلى أصحابها، وأغلقت آخر قضية.
وفي مساء هادئ، دخلت أنا وعلي شقتنا الجديدة.
رفعت أول سجادة كنت اشتريتها بعرقي، وفرشناها معًا.
ثم أخرجت أطقم الكوبايات، والملايات، والستاير، وكل شيء كنت أخبئه تحت السرير سنوات.
وقفت في منتصف البيت، ودموعي نازلة.
لكنها لم تكن دموع حزن...
كانت دموع راحة.
ابتسم علي وقال وهو يناولني آخر كرتونة
فاكرة لما كنتِ كل أسبوع تطلعي الحاجة وتتفرجي عليها وترجعيها مكانها؟
ضحكت لأول مرة منذ شهور.
وقلت
أهو جه اليوم اللي هنفرش فيه البيت.
نظر إليّ وقال
وتعلمت أنا كمان درس عمري.
سألته
إيه هو؟
قال
إن
حتى لو النية طيبة... إخفاء الحقيقة عن اللي بنحبهم ممكن يوجعهم أكتر من الحقيقة نفسها.
ومن يومها، انتهت رحلة الأسرار، وبدأت حياتنا من جديد... على أساس الثقة، لا الغموض.

تم نسخ الرابط