كان أول يوم شغل

لمحة نيوز

نفس اللحظة، الضحكة اختفت...
وحل محلها صوت سيدة بتقول بهدوء
اقفل الباب الأول... وبعدين ادخل.
اتلفت بسرعة.
ملقتش حد.
الصوت كان جاي من جوه البيت.
اتقدمت بحذر، ومديت إيدي للباب الخشب.
أول ما قفلته...
سمعت صوت تك خفيف، كأن قفل قديم اشتغل لوحده.
بعدها، الباب اللي كان قدامي اتفتح من الداخل ببطء... من غير ما حد يلمسه.
بلعت ريقي، ودخلت.
كان البيت نضيف على غير المتوقع.
الأثاث قديم، لكنه متلمع، وكأن حد بينضفه كل يوم.
وفي الصالة كانت ساعة حائط كبيرة.
عقاربها واقفة عند الساعة 317.
مع إنها كانت وقتها حوالي عشرة الصبح.
فضلت أمشي وأنا ببص حوالي.
لحد ما لفت نظري إن كل الصور المعلقة على الحيط...
مقلوبة.
واحدة واحدة.
كأن حد متعمد يخفي وشوش أصحابها.
مديت إيدي وعدلت أول برواز.
أول ما الصورة استقامت...
شهقت.
الصورة كانت لعلي.
لكن مش علي اللي أعرفه.
كان أصغر بحوالي عشر سنين.
واقف جنب راجل في الخمسينات، وبينهم بنت صغيرة عمرها يمكن خمس أو ست سنين.
وش البنت كان متشخبط عليه بحبر أسود.
حد متعمد يمحي ملامحها.
وفي أسفل الصورة مكتوب
الصورة الأخيرة قبل الاختفاء.
اتجمدت.
اختفاء مين؟
وليه حد يشوه وش البنت؟
قبل ما ألحق أفكر، سمعت صوت باب بيتقفل في آخر الطرقة.
جريت أبص.
ملقتش حد.
لكن على الأرض كان فيه مفتاح نحاسي... نفس شكل المفتاح اللي لقيته مع الخريطة.
جنبه ظرف أبيض.
فتحت الظرف.
كان فيه سطر واحد فقط
لو الصورة رجعت لمكانها... الحقيقة هتختفي للأبد.
بصيت بسرعة ناحية البرواز.
ولقيته...
رجع مقلوب لوحده.
وفي نفس اللحظة، دق جرس تليفوني.
المتصل...
علي.
دي كانت أول مرة يتصل بيا من أيام.
رديت بسرعة.
لكنه ما قالش ألو.
كل اللي قاله بصوت متوتر
فادية... اخرجي من البيت فورًا... أنا جايلك... ولو شوفتي الست اللي جوه، أوعي تصدقي أي كلمة هتقولها.
وقبل ما أسأله ليه؟...
سمعت صوت امرأة عجوز من ورايا مباشرة تقول بهدوء
واضح إنه سبقني... لكنه نسي يقولك أهم حاجة.
لفيت ببطء...
ولقيت ست كبيرة واقفة في آخر الطرقة، ماسكة ألبوم صور قديم،
وبتبصلي بابتسامة غامضة.
وقالت
تعالي يا بنتي... هوريكي الصورة اللي علي عمره ما سمح لحد يشوفها اتسعت عينايا وأنا ببص للمقبض وهو بينزل ببطء.
الست العجوز همست بسرعة
ولا كلمة... مهما شوفتي.
الباب اتفتح.
دخل راجل في أواخر الخمسينات، بدلة رمادي، ونضارة رفيعة، وفي إيده حقيبة جلد سوداء.
كان هادي بشكل يخوف.
أول ما دخل، بص للست العجوز وقال
لسه محتفظة بالألبوم؟
ردت بثبات
طول ما الحقيقة مدفونة... الألبوم هيفضل موجود.
الراجل ابتسم ابتسامة باردة.
ثم لفت نظره ناحيتي.
أحسست أنه يعرفني من أول نظرة.
قال بهدوء
إذن... دي فادية.
استغربت.
إنت تعرفني؟
هز رأسه.
أكتر مما تتخيلي.
قبل ما أتكلم، فتح الحقيبة الجلد.
طلع منها ملف سميك مربوط بشريط أحمر.
حطه على الترابيزة.
وقال
أنا جاي آخد الملف... وبعدين همشي.
الست العجوز ردت بسرعة
الملف مش هنا.
بصلها وهو مبتسم.
عارف.
ساد صمت غريب.
بعدها بصلي وقال
لكن اللي معاه المفتاح... هو اللي يقدر يوصل له.
من غير ما أحس، إيدي راحت ناحية شنطتي... ناحية المفتاح الفضي.
كأنه كان عارف.
ابتسم وقال
واضح إن الحاج منصور سبقني.
قلبي انقبض.
إنت تعرف الحاج منصور؟
رد
من أكتر من تلاتين سنة.
ثم قرب خطوة، وقال بنبرة هادئة
اسمعي نصيحتي يا فادية... متدوريش ورا الماضي.
سألته
ليه؟
رد وهو بيبص في عيني
لأن كل واحد هيحكيلك جزء من الحقيقة... لكن الحقيقة الكاملة محدش يعرفها.
في اللحظة دي...
سمعنا صوت عربية تانية وقفت قدام البيت.
ثم صوت جري.
وبعد ثوانٍ، الباب الخارجي خبط بقوة.
وصوت علي جه من بره
افتحوا الباب... فادية جوه؟
الراجل صاحب البدلة اتنهد وقال
كان لازم يوصل.
الست العجوز بصتلي بسرعة وقالت
دلوقتي القرار قرارك.
قرار إيه؟
لو فتحتي الباب لعلي... هتسمعي حكايته.
ولو مفتحتوش؟
هتسمعي حكاية غيره.
بصيت ناحية الباب...
وبصيت ناحية الملف.
في اللحظة دي، لفت انتباهي حاجة غريبة جدًا.
الملف كان مفتوح سنة صغيرة.
ومن بين أوراقه ظهر طرف صورة.
مديت إيدي وسحبتها بهدوء.
كانت صورة قديمة بالأبيض والأسود.
فيها
علي وهو شاب صغير...
واقف جنب الحاج منصور...
وجنبهم نفس الراجل اللي قدامي.
لكن الغريب...
كان فيه شخص رابع واقف معاهم.
وشه متقطع من الصورة بالمقص.
كأن حد تعمد يمحيه.
قلبت الصورة.
وكان مكتوب على ظهرها بخط قديم
الأربعة اتفقوا...
وثلاثة فقط نفذوا العهد.
وقبل ما أستوعب معنى الجملة...
رن جرس ساعة الحائط فجأة.
رغم إنها كانت متوقفة.
رنّت...
ثلاث دقات...
ثم توقفت.
الراجل صاحب البدلة شحب وجهه.
والست العجوز وقفت فجأة وهي بتقول
مستحيل... ده معناه إنه رجع.
سألتها بسرعة
مين اللي رجع؟
لكن قبل ما ترد...
انقطع نور البيت كله.
وغرق المكان في ظلام تام...
ثم سمعنا صوت رجل مجهول يضحك من آخر الطرقة ويقول
فات الأوان... اللعبة بدأت من جديد شهقت ورميت المفتاح على الأرض من شدة سخونته.
لكن الغريب...
المفتاح ما وقعش.
فضل واقف على طرفه لثانية... ثم مال ببطء، واتجه رأسه ناحية طرقة جانبية كنت متأكدة إنها كانت مقفولة أول ما دخلت البيت.
الست العجوز بصت للمفتاح، وقالت بهدوء
ابتدى.
سألتها بسرعة
ابتدى إيه؟
لكنها ما ردتش.
الراجل صاحب البدلة انحنى، والتقط المفتاح بحذر شديد، ثم لفه في منديل أبيض، وناولهولي.
وقال
من دلوقتي... متسيبهوش من إيدك.
في نفس اللحظة، سمعنا صوت علي من بره مرة تانية.
كان بيخبط على الباب بكل قوته.
فادية... افتحي! بسرعة!
جريت ناحيته.
لكن قبل ما أوصل للباب، لفت نظري حاجة غريبة.
الطرقة الجانبية اللي كنت متأكدة إنها حائط مصمت...
بقى فيها باب خشب صغير.
وقبل ما أتكلم، الباب اتفتح لوحده.
من غير أي صوت.
ومن جوه خرجت ريحة ورق قديم.
الست العجوز قالت
ادخلي.
بصيتلها باستغراب.
وعلي؟
ردت
هو هيستنى.
إزاي أسيبه بره؟
قالت بنبرة واثقة
لو فتحتي الباب دلوقتي... مش هتعرفي ليه هو اختارك من الأساس.
الكلمة وقفتني.
اختارني؟
هزت رأسها.
أيوه... جوازك من علي مكانش صدفة.
قلبي انقبض.
لكنها كملت بسرعة قبل ما أفهم كلامها
ومتفهميش غلط... علي عمره ما استغلك، ولا خدعك، ولا اتجوزك لمصلحة. بالعكس... كان بيحاول يحميكي من حاجة أكبر
بكتير.
الكلام زاد حيرتي.
دخلت الأوضة الصغيرة.
كانت أقرب لمكتبة قديمة.
رفوف مليانة ملفات، وكراتين، وصناديق خشب، وكل صندوق عليه سنة مكتوبة.
1989...
1994...
2003...
2011...
وفي آخر الرف كان صندوق صغير، مفيش عليه سنة.
مكتوب عليه بس
لا يُفتح إلا إذا عاد المفتاح.
بمجرد ما قربت منه...
المفتاح اللي في إيدي بدأ يهتز.
ثم خرج من المنديل لوحده.
واتجه ناحية قفل الصندوق.
سمعت صوت تك.
القفل اتفتح.
لكن الغطاء ما اترفعش.
فضل مقفول، كأن حد من جوه ماسكه.
وفجأة...
سمعنا صوت نفس الطفل اللي ضحك أول مرة.
لكن المرة دي قال بوضوح
اتأخرتوا...
أنا والست العجوز والراجل بصينا لبعض.
الصوت كان خارج من داخل الصندوق.
وبعدين...
اتفتح الغطاء ببطء شديد...
وظهر بداخله ظرف أصفر قديم، ومفتاح ثالث مختلف تمامًا عن الاتنين اللي شفتهم قبل كده.
وعلى الظرف كانت جملة واحدة مكتوبة بخط يد قديم
إذا وصل هذا الظرف إلى فادية... فاعلموا أن السر خرج من مكانه تجمدت في مكاني.
الضحكة اختفت فجأة...
وساد صمت تقيل، لدرجة إني كنت سامعة صوت دقات قلبي.
الظلام كان حالك.
ولا شايفة الست العجوز...
ولا الراجل صاحب البدلة...
ولا حتى باب الصالة.
وفجأة، اشتعل نور صغير.
كان نور مصباح يدوي.
الراجل صاحب البدلة هو اللي كان ماسكه.
لف النور على وشوشنا بسرعة، وبعدين قال
محدش يتحرك.
وفي نفس اللحظة...
سمعنا صوت خطوات ماشية فوق السقف.
خطوة...
خطوتين...
تلاتة...
مع إن البيت دور واحد بس.
بصيت لفوق باستغراب.
الست العجوز همست
رجع يلف حوالين البيت.
سألتها بخوف
مين؟
لكنها حطت صباعها على بوقها.
اسكتي.
بعد ثوانٍ...
الخطوات وقفت.
ثم سمعنا صوت خبطتين على باب البيت.
خبط...
خبط.
ولا حد رد.
وبعدين اتكرر الصوت.
لكن المرة دي...
الخبط كان على شباك الصالة.
الراجل صاحب البدلة قرب من الشباك بحذر، وزاح الستارة سنة صغيرة.
أول ما بص بره...
وشه اتغير.
رجع خطوة لورا وهو بيهمس
إزاي؟!
سألته
فيه إيه؟
رد من غير ما يبصلي
العربية اللي علي جه بيها...
مالها؟
...فاضية.
اتسعت عيني.
يعني
هو فين؟
قبل ما يرد...
سمعنا صوت علي بنفسه.
لكن الصوت كان جاي من داخل البيت.
فادية...
لفيت بسرعة.
الصوت كان خارج من آخر الطرقة.
فادية... أنا هنا.
جريت ناحيته.
لكن الست العجوز مسكت إيدي بقوة.
وقالت بلهجة حاسمة
متروحيش.
بصيتلها بدهشة.
ده صوت جوزي.
قالت
عارفة.
أمال ليه؟
ردت بهدوء
لأن جوزك
تم نسخ الرابط