كان أول يوم شغل
المحتويات
الباب.
بعد ثواني، الباب اتفتح سنة صغيرة.
خرج راجل طويل، شعره كله أبيض، ماسك كشاف صغير، وفضل يبص يمين وشمال.
كنت مستخبية ورا عمود خرساني، وبالكاد قادرة آخد نفسي.
فضل واقف دقيقة كاملة، وبعدين قال وهو بيقفل الباب
يمكن كان صوت قط.
رجع تاني وقفله بالمفتاح.
استنيت شوية، وبعدها قربت من الباب.
كان فيه جزء صغير من الخشب متآكل، عامل فتحة قد عقلة الإصبع.
حطيت عيني عليها...
وشفت أوضة واسعة فيها تراب كتير، لكن في نصها كانت فيه ترابيزة كبيرة، وعلي قاعد عليها مع تلات رجالة كبار في السن.
كان قدامهم صندوق خشب قديم، كله نقوش غريبة، ومقفول بقفل حديد ضخم.
واحد من الرجالة قال
الورق كله بقى جاهز.
رد علي بهدوء
لسه ناقص حاجة واحدة.
سأله التاني
وهي؟
علي بص للصندوق وقال
صاحبة الأمانة.
سكتوا كلهم.
وبعدين الراجل الكبير قال
يعني هتقولها الحقيقة؟
علي هز راسه بالنفي.
لسه... مش دلوقتي.
أنا كنت مش فاهمة ولا كلمة.
صاحبة الأمانة مين؟
أنا؟
ولا حد تاني؟
وفجأة...
علي مد إيده في جيبه، وطلع صورة قديمة.
حطها فوق الترابيزة.
الراجل اللي جنبه أول ما شافها قال
سبحان الله... البنت بقت نسخة من أمها.
قلبي دق بعنف.
كنت عايزة أشوف الصورة.
حاولت أقرب أكتر.
لكن وأنا بتحرك، رجلي خبطت في علبة صفيح مرمية على الأرض.
رنّ صوتها في المكان كله.
الرجالة وقفوا مرة واحدة.
وعلي قام بسرعة واتجه ناحية الباب.
سمعت خطواته بتقرب.
رجعت أجري ناحية السلم، لكن الأرض كانت مليانة تراب، ورجلي زحلت.
وقعت على ركبتي.
قبل ما ألحق أقوم، اتفتح الباب وخرج علي.
فضل يبص حواليه، لحد ما وقعت عينه على آثار رجلي في التراب.
نزل على ركبته، ولمسها بإيده.
وساعتها قال بصوت هادي، لكنه أخوف من الصراخ
في حد كان هنا... ولسه بعيدش.
ثم رفع رأسه وقال للرجالة
دوروا في العمارة كلها... محدش يخرج قبل ما نعرف مين اللي سمع كلامنا.
أما أنا...
فكنت مستخبية تحت السلم، كاتمة
وفجأة، لمحت بابًا صغيرًا مفتوحًا تحت السلم لم أكن قد رأيته من قبل.
خرج منه هواء بارد جدًا...
ومن أعماقه جاء صوت رجل عجوز يقول بهدوء
يا فادية... لو عايزة تعرفي الحقيقة، انزلي بسرعة... قبل ما علي يلاقيكي الكلمة نزلت عليّ كالصاعقة.
فادية مش المقصودة بالأمانة.
أنا؟
إزاي؟
كنت حابسة نفسي في الركن المظلم، وإيدي بتضغط على المفتاح الفضي لدرجة إنه ساب علامة في كفي.
الحاج منصور رفع رأسه وقال بهدوء
أنا مقولتش إنها صاحبة الأمانة... أنا قلت إن المفتاح اختارها.
واحد من الرجالة بص لعلي بتوتر وقال
يبقى خلاص... لازم نقولها كل حاجة.
لكن علي رد بسرعة وحزم
لأ... لسه مش دلوقتي.
الحاج منصور تنهد وقال
كل مرة بتقول لسه مش دلوقتي... وفي الآخر الوقت هو اللي هيقرر.
ساد صمت لثوانٍ.
بعدها علي قرب من الصندوق الكبير، وحط إيده عليه بحرص شديد، وقال
بعد يومين... كل حاجة هتنتهي.
الراجل اللي جنبه سأله
ولو وصلت قبلك؟
علي رد وهو باصص للصندوق
مستحيل... هي متعرفش تدور فين.
ابتسم الحاج منصور ابتسامة خفيفة، لكنه ما ردش.
بعد دقائق، علي والرجالة خرجوا من السرداب.
أول ما اختفت خطواتهم، خرجت من مخبئي وأنا بصعوبة واقفة على رجلي.
بصيت للحاج منصور وقلت بسرعة
أرجوك... فهمني.
ابتسم بحزن وقال
في حاجات لو عرفتيها قبل وقتها... هتكرهي ناس ملهمش ذنب.
قلت بانفعال
وأنا بقى ليا شهرين عايشة في دوامة ومحدش راضي يفهمني حاجة!
مد إيده وربت على كتفي.
اصبري يومين بس.
هززت راسي بعصبية.
لأ... مش هستنى.
بصلي شوية، وكأنه كان متوقع الرد ده.
ثم أخرج من جيبه ورقة صغيرة مطوية.
ناولها لي وقال
لو مصممة تعرفي... روحي العنوان ده.
فتحت الورقة.
كان عنوان بيت قديم في حي بعيد عن أي مكان أعرفه.
لكن اللي شد انتباهي أكتر...
إن تحت العنوان مكتوب بخط اليد
لا تدخلي البيت إذا كان الباب مفتوحًا.
رفعت
لقيت وشه اتغير فجأة.
بص ناحية السلم وهو بيهمس
امشي... حالًا.
سمعت صوت باب السرداب بيتفتح من جديد.
لكن المرة دي...
الخطوات كانت لشخص واحد فقط.
قفلت الورقة بسرعة، وحطيتها في شنطتي، وطلعت من الباب الخلفي اللي الحاج منصور دلني عليه.
جريت لحد ما خرجت للشارع.
وقفت آخد نفسي، وبصيت للورقة مرة تانية.
العنوان كان يبعد حوالي ساعة.
فضلت طول الليل أفكر.
أروح...
ولا أسمع كلام الحاج منصور وأستنى؟
وفي الصبح، فضولي غلبني.
ركبت أول مواصلة، وبعد رحلة طويلة وصلت للعنوان.
كان بيت قديم جدًا، وسط بيوت مهجورة.
الغريب...
إن كل البيوت حواليه مقفولة.
إلا البيت ده.
بابه...
كان مفتوحًا على آخره.
وقفت مكاني، وافتكرت الجملة المكتوبة
لا تدخلي البيت إذا كان الباب مفتوحًا.
وبينما أنا مترددة...
سمعت من داخل البيت صوت طفل صغير يضحك...
رغم إن المكان كله كان يبدو خاليًا من أي حياة شهقت من الرعب.
اتجمدت مكاني.
الصوت ناداني باسمي...
مع إن مستحيل أي حد يعرف إني مستخبية تحت السلم.
بصيت ناحية الفتحة الصغيرة.
كانت عبارة عن باب حديد قديم، نصه مستخبي ورا مواسير مية وتراب السنين.
ومن جوه كان في سلم نازل لتحت.
وفي نفس اللحظة سمعت صوت خطوات علي والرجالة وهم بيقربوا.
واحد منهم قال
دوروا فوق كمان... يمكن حد استخبى.
العجوز همس مرة تانية
متخافيش... انزلي.
من غير ما أفكر، نزلت أول درجة.
وبعدين التانية...
ولما نزلت، الباب اتقفل لوحده بهدوء.
وقفت في ممر ضيق، نور أصفر خافت خارج من لمبة قديمة.
وفي آخر الممر كان قاعد راجل كبير على كرسي خشب.
وشه كله تجاعيد، لكن عنيه كانت ثابتة عليا.
أول ما قربت، ابتسم وقال
أخيرًا وصلتي.
بلعت ريقي وقلت
إنت مين؟
قال بهدوء
اسمي الحاج منصور... وأنا مستني اليوم ده من أكتر من عشرين سنة.
استغربت.
مستنيني أنا؟
هز راسه.
أيوه... لأن اللي معاه مفتاح الحقيقة دلوقتي هو جوزك.
قلبي دق بسرعة.
هو
سكت شوية، وكأنه بيختار كلماته.
وبعدين قال
جوزك مش بيشتغل في المكان اللي قالك عليه.
افتكرت كل الليالي اللي كان بيخرج فيها.
قلت بسرعة
أمال بيروح فين؟
رد
بيروح ينفذ وصية.
وصية مين؟
العجوز بص للسقف وقال
وصية راجل مات من سنين... وطلب من علي يحافظ على أمانة لحد ما توصل لصاحبها الحقيقي.
أنا بدأت أتنفس بسرعة.
إيه الأمانة دي؟
مد إيده تحت الكرسي، وطلع صندوق خشب صغير.
كان نفس نوع الخشب اللي شفته فوق.
لكن الصندوق ده كان أصغر.
حطه قدامي وقال
الصندوق ده ميتفتحش إلا بحضور أربع أشخاص.
مين؟
أنا... وعلي... وصاحب الحق... وشاهد رابع.
سألته وأنا حاسة إن عقلي هيقف
وصاحب الحق ده مين؟
ابتسم ابتسامة غامضة وقال
ده السؤال اللي علي بيحاول يجاوب عليه بقاله سنين.
قبل ما أسأله تاني...
سمعنا خبطات قوية فوقينا.
وصوت علي واضح وهو بينادي
يا عم منصور... أنا عارف إنها عندك.
العجوز غمض عينيه وقال
واضح إن الوقت خلص.
قام بصعوبة، وفتح درجًا صغيرًا في الحائط، وأخرج مفتاحًا فضيًا مختلفًا تمامًا عن المفتاح النحاسي.
حطه في إيدي، وقفل عليها بقوة.
وقال
لو احتفظتي بالمفتاح ده... هتعرفي الحقيقة كلها.
سألته بسرعة
وأنت مش هتيجي معايا؟
ابتسم بحزن وقال
أنا دوري انتهى من زمان.
في اللحظة دي...
اتكسر باب السرداب من فوق.
وصوت أقدام بتنزل بسرعة.
بص الحاج منصور ناحيتي وقال بصوت منخفض
استخبي... ومتطلعيش مهما سمعتي.
جريت ناحية ركن مظلم، وأنا ضامة المفتاح في إيدي.
بعد ثوانٍ نزل علي ومعاه الراجلين.
بص للحاج منصور وقال بغضب لأول مرة أشوفه
إنت سلّمتها المفتاح؟!
العجوز رد بهدوء غريب
لا... المفتاح هو اللي اختار صاحبه.
ساد صمت ثقيل...
ثم قال علي جملة قلبت كل اللي كنت فاهماه
لو فادية عرفت إنها مش المقصودة بالأمانة... كل حاجة هتتغير تسمرت مكاني.
ضحكة الطفل كانت واضحة... بريئة، لكنها خارجة من بيت مهجور
بصيت حواليّ.
الشارع فاضي.
الشبابيك في البيوت المقفولة كلها متقفلة بإحكام، كأن المكان متساب من سنين.
رجعت أبص للباب المفتوح.
افتكرت التحذير
لا تدخلي البيت إذا كان الباب مفتوحًا.
لكن في
متابعة القراءة