كان أول يوم شغل

لمحة نيوز

كان أول يوم شغل ليا بعد الجواز، وأنا داخلة المصنع كنت حاسة إني ببدأ حياة جديدة. كنت بشتغل طول اليوم، وأرجع آخر النهار تعبانة، لكن مجرد ما أتخيل بيتنا بعد ما يتجدد، التعب كله يهون.
جوزي، علي، كان دايمًا يقولي
اصبري شوية يا فادية... بدل ما نجيب الحاجة مرة واتنين، نجيبها كلها مع بعض لما نوضب الشقة.
كلامه كان يدخل قلبي بسهولة. كنت واثقة فيه، وواثقة إن كل اللي بنعمله النهارده هيبقى راحة بكرة.
أول جمعية قبضتها، اشتريت بيها سجادة كبيرة كنت بحلم بيها من زمان. لفّيتها كويس، وحطيتها تحت السرير.
بعدها بشهر جبت كفرات الانتريه.
واللي بعده أطقم ملايات.
وبعدين كوبايات، وطقم حلل، وصواني، وملاعق، وستاير...
كل أسبوع كنت أرجع بحاجة جديدة، أمسح عنها التراب، وأقعد أتفرج عليها شوية، وأتخيل مكانها في الشقة بعد التجديد، وبعدين أرجع أخبيها تاني.
لدرجة إن تحت السرير بقى مليان كراتين وأكياس، وكلها مكتوب عليها بخط إيدي
لما البيت يتوضب.
في يوم، علي رجع من الشغل وهو مبتسم وقال
إيه رأيك نعمل جمعية كبيرة أنا وإنتِ؟
بصيت له بفرحة وقلت
بجد؟
قال وهو بيحسبها على ورقة
لو قبضناها آخر الدور، ولو الفلوس مكفتش، نبقى دخلنا واحدة تانية ونقبضها أول الدور بعدها.
الفكرة عجبتني جدًا.
من اليوم ده بقيت كل أول شهر أقبض مرتبي، أديهوله كامل، وأحتفظ بجزء صغير جدًا للمواصلات والأكل والشرب.
كنت بعد الأيام على صوابعي.
أربع شهور...
وبعدين تلاتة...
وبعدين اتنين...
كل ليلة قبل ما أنام، كنت أتخيل شكل الشقة بعد الدهان الجديد، وألوان الحيطان، والسجاد، والستاير.
لكن في الفترة دي، بدأت ألاحظ حاجات صغيرة.
كل شوية علي يخرج بالليل بحجة إنه بيخلص ورق.
ولما أسأله
ورق إيه؟
يبتسم ويقول
هتعرفي في الوقت المناسب.
مرة صحي من النوم الفجر، وافتكر إني نايمة، وخرج بالبلكونة وهو بيتكلم في التليفون بصوت

واطي جدًا.
كل اللي سمعته جملة واحدة...
لسه بدري... محدش يعرف حاجة.
أول ما رجع لقاني مفتحة عيني.
ابتسم وقال بسرعة
كان واحد من الشغل.
ما سألتوش تاني.
مش لأني صدقته...
لكن لأني كنت مصدقة إن جوزي مستحيل يخبي عني حاجة كبيرة.
بعدها بأسبوع، وأنا بنضف الدولاب، لقيت ظرف بني قديم واقع وراه.
الظرف كان مقفول.
ومكتوب عليه بخط واضح
لا يُفتح قبل يوم 15.
بصيت للتاريخ...
كان باقي عليه يومين بس.
مديت إيدي علشان أفتحه...
لكن قبل ما ألمسه، سمعت صوت مفتاح الشقة بيلف في الباب...
فعملت حاجة غريبة من غير ما أفكر...
رجعت الظرف مكانه بالظبط، وقفلت الدولاب، واستقبلت علي كأن مفيش أي حاجة حصلت...
لكن من اللحظة دي، عرفت إن في سر كبير مستخبي جوا البيت...
سر ممكن يغيّر كل حاجة دخل علي وهو شايل كيس فاكهة ووشه هادي كعادته.
ابتسم وقال
مالك؟ شكلك مرهقة.
ابتسمت بالعافية وأنا بحاول أخبي توتري.
شوية شغل.
بص في عيني كأنه بيحاول يعرف إذا كنت شفت حاجة ولا لأ، لكني فضلت طبيعية.
اليومين اللي بعدهم مروا بصعوبة.
الظرف كان شاغل بالي لدرجة إني بقيت أصحى بالليل وأفكر فيه.
يا ترى إيه اللي فيه؟
وليه كاتب عليه لا يُفتح قبل يوم 15؟
وليه مستخبيه ورا الدولاب؟
جاء يوم 15.
علي خرج بدري جدًا وقال إنه عنده مشوار مهم، ويمكن يتأخر.
أول ما سمعت باب الشقة اتقفل، قلبي بدأ يدق بسرعة.
فتحت الدولاب...
طلعت الظرف...
ولأول مرة فتحته.
إيدي كانت بتترعش.
طلعت منه ورقة واحدة فقط.
كانت عبارة عن خريطة مرسومة بالقلم، وفي آخرها عنوان بيت قديم في قرية أنا عمري ما سمعت اسمها.
ومع الخريطة كان فيه مفتاح نحاس قديم جدًا، مربوط فيه ورقة صغيرة مكتوب عليها
اللي جوه أمانة... متدخلش حد معاك.
مفيش اسم.
مفيش تفسير.
ولا حتى تاريخ.
قعدت أبص للمفتاح والخريطة وأنا مش فاهمة أي حاجة.
قبل ما ألحق أفكر، سمعت صوت إشعار
على تليفوني.
كان علي باعت رسالة لأول مرة من سنين وهو في الشغل.
الرسالة كانت قصيرة جدًا
لو رجعت قبل الساعة خمسة، متفتحيش الدولاب.
اتجمدت في مكاني.
إزاي عرف إني فتحته؟
بصيت حواليّا في الأوضة.
هل كان فيه كاميرا؟
ولا حد شافني؟
لفيت بعيني في كل ركن، لحد ما لمحت حاجة صغيرة فوق النجفة.
حاجة سوداء قد حجم عقلة الإصبع.
وقفت على الكرسي أبص عليها.
طلعت مش كاميرا...
لكن جهاز غريب صغير عليه لمبة حمرا بتنور وتطفي.
وفي نفس اللحظة، رن جرس الباب.
فتحت من غير ما أسأل مين.
لقيت راجل كبير في الستينات، هدومه بسيطة، وشعره كله أبيض.
أول ما شافني، سألني بهدوء
حضرتك مدام فادية؟
هززت راسي.
مد إيده بورقة مطوية وقال
دي أمانة كان لازم أوصلها لحضرتك النهارده بالذات... ولو الأستاذ علي عرف إني جيت، اعتبري إنك عمرك ما شفتني.
قبل ما أسأله أي سؤال...
لف ومشي بسرعة، وكأنه كان خايف حد يشوفه.
قفلت الباب، وبصيت للورقة في إيدي.
كانت قديمة جدًا...
وعليها ختم جهة حكومية انتهى استخدامه من سنين.
فتحتها ببطء...
وأول سطر فيها خلاني أحس إن كل اللي كنت أعرفه عن جوزي... يمكن يكون مش حقيقي أصلًا وقفت مكاني وأنا ببص للورقة.
كان نفسي أقراها كلها مرة واحدة، لكن عنيا وقفت عند أول سطر
إقرار باستلام عهدة...
مش اسم علي.
ولا اسمي.
اسم راجل تاني خالص.
لكن اللي صدمني إن عنوان الإقرار... هو نفس عنوان شقتنا.
قلبت الورقة بسرعة.
التوقيع في آخرها كان باهت، والختم القديم مخلي نص الكلام مش واضح، لكن كان فيه رقم ملف كبير مكتوب بالقلم الأحمر، وتحته جملة
يُحفظ لحين حضور صاحب الحق.
مين صاحب الحق؟
وإيه العهدة دي؟
وليه الورقة عند جوزي؟
وليه الراجل قال إنها أمانة لازم توصلني النهارده؟
قبل ما ألحق أستوعب، سمعت صوت مفتاح الشقة.
علي رجع.
اتلخبطت بسرعة، حطيت الورقة في جيبي، ورجعت الظرف مكانه، وقعدت على
الكنبة كأني كنت بتفرج على التلفزيون.
دخل وهو بيبص حواليه بطريقة غريبة.
أول حاجة عملها...
ما سلمش علي.
دخل الأوضة على طول.
بعد ثواني سمعته بيفتح الدولاب.
فضل ساكت شوية...
وبعدين خرج.
بصلي وسأل بهدوء
حد جه هنا؟
هززت راسي بالنفي.
فضل يبصلي كام ثانية من غير ما يرمش.
بعدها ابتسم ابتسامة صغيرة وقال
تمام.
وراح غير هدومه كأن مفيش حاجة حصلت.
لكن من يومها...
بقى بيتصرف بطريقة أغرب.
كل ليلة، أول ما الساعة تيجي اتنين بعد نص الليل، يلبس هدومه وينزل من غير ما يصحيني.
وأول ما الفجر يأذن يرجع.
ولما أسأله كان فين، يرد بنفس الجملة
شغل.
لكن شغل إيه اللي يبدأ الساعة اتنين الفجر؟
فضل الوضع أسبوع كامل.
لحد ما قررت أعرف الحقيقة.
في ليلة، استنيته ينزل.
ولأول مرة في حياتي...
خرجت أمشي وراه.
كان ماشي بسرعة، وكل شوية يبص وراه.
استخبيت ورا العربيات لحد ما ركب تاكسي.
وقفت ألوح لتاكسي تاني وقلت للسواق
لو سمحت... امشي ورا العربية دي، بس من بعيد.
بعد حوالي نص ساعة، العربيتين وقفوا قدام عمارة قديمة جدًا، شكلها مهجور.
لا فيها نور...
ولا سكان...
ولا حتى حارس.
نزل علي، وبص حواليه كأنه بيتأكد إن محدش شايفه.
بعدها طلع من جيبه...
نفس المفتاح النحاسي القديم اللي لقيته في الظرف.
فتح باب العمارة...
واختفى في الضلمة.
استنيت خمس دقايق...
عشرة...
ربع ساعة...
ومخرجش.
نزلت من التاكسي، وقلبي بيدق بعنف.
قربت من باب العمارة.
كان موارب.
زقّيته بهدوء.
المدخل كان تراب، كأنه مقفول من سنين.
لكن الغريب...
كان فيه آثار أقدام جديدة على الأرض.
مش آثار شخص واحد...
آثار أكتر من واحد.
فضلت أمشي وراها لحد ما وصلت لباب خشب كبير في آخر الممر.
كان مقفول.
لكن من الناحية التانية...
سمعت صوت حد بيقول بصوت منخفض
هو لسه ميعرفش الحقيقة... ولو عرفها دلوقتي، كل اللي عملناه السنين دي هيروح.
وقبل
ما أسمع باقي الكلام...
صر الباب صرخة طويلة...
وحد من جوه قال فجأة
مين بره؟!اتجمد الدم في عروقي.
رجلي كانت عايزة تجري، لكن فضولي كان أقوى.
رجعت خطوة لورا بسرعة، ولزقت ضهري في الحيطة جنب
تم نسخ الرابط