زعيم أكبر عيله فى البلد
يحمل حقيبة جلدية قديمة.
وقف أمام سليم وقال
أنا اسمي محمود... وكنت صاحب الكشك اللي جنب المطعم من سنين.
حاول سليم أن يتذكره، ثم ابتسم عندما عرفه.
قال محمود
أنا شوفت كل اللي حصل يومها... وشوفت البنت وهي بتديك الرغيف والقهوة.
فتح الحقيبة، وأخرج منها صورة قديمة.
كانت صورة التقطها أحد المارة في ذلك اليوم دون أن ينتبه أحد.
الصورة أظهرت ملك وهي تمد يدها بالرغيف، وسليم ينظر إليها بابتسامة امتنان.
قال محمود
احتفظت بيها كل السنين دي... وقلت لازم ترجع لأصحابها.
أخذ سليم الصورة، وتأملها طويلًا.
ثم قال
الصورة دي أغلى عندي من أي لوحة في قصوري.
قرر أن يضعها في مدخل المؤسسة، وكتب تحتها عبارة
العطاء لا يحتاج أن يعرف اسم من تعطيه... يكفي أن يعرف الله.
وأصبحت الصورة أول ما يراه كل زائر يدخل المؤسسة.
وكان الأطفال يقفون أمامها، فيحكي لهم المرشد قصة الرغيف وكوب القهوة، وكيف بدأ منها خير وصل إلى آلاف الأسر.
ابتسمت ملك وهي ترى الأطفال يستمعون للحكاية، وقالت لسليم
واضح إن القصة مش هتنتهي.
ابتسم سليم وقال
طول ما في حد بيعمل خير من غير مقابل... هتفضل القصة بتتكتب كل يوم.
وهكذا لم تعد الحكاية حكاية سليم وملك فقط، بل أصبحت حكاية كل إنسان اختار الرحمة بدل القسوة، والكرامة بدل التكبر، والخير بدل الأنانية. النهاية
مرت السنوات، وشاب شعر سليم، وأصبحت ملك تدير المؤسسة بكل نجاح، بينما صار اسمها مرتبطًا بالرحمة والعدل في كل مكان.
وفي صباح أحد الأيام، دعا سليم جميع العاملين، والعمال القدامى، والأسر التي ساعدتها المؤسسة، والأطفال الذين كبروا بفضل منحها، إلى احتفال كبير في الحديقة التي بدأت
وقف على المسرح، وأمامه آلاف الوجوه.
ابتسم وقال
زمان كنت فاكر إن أكبر إنجاز في حياتي هو الشركات والمصانع والأراضي... لكن اكتشفت إن كل ده ممكن يضيع في لحظة. الحاجة الوحيدة اللي بتفضل هي أثر الإنسان.
ثم أشار إلى صندوق زجاجي صغير وُضع في منتصف المسرح.
كان بداخله الجاكيت القديم، والحذاء البالي، ورغيف من الخشب صُنع كتذكار، وكوب قهوة محفور عليه تاريخ أول لقاء بينه وبين ملك.
وقال
الحاجات دي قيمتها عندي أكبر من أي كنز. لأنها فكرّتني إن الخير البسيط ممكن يغيّر عمر كامل.
ثم أخرج ملفًا أخيرًا.
وقال
من النهارده، كل ثروتي بعد وفاتي هتكون وقفًا خيريًا لإكمال رسالة المؤسسة. لا تُباع، ولا تُقسم، ولا تتوقف.
ساد الصمت، ثم دوّى التصفيق.
اقتربت ملك والدموع في عينيها وقالت
أنت علمتنا
ابتسم سليم، ونظر إلى الأطفال الذين كانوا يضحكون في الحديقة، ثم قال
أنا مطمن... لأن الخير بقى ليه ناس تشيله.
وفي تلك اللحظة، اقترب طفل صغير من الصندوق الزجاجي، ووضع بجواره قطعة خبز اشتراها من مصروفه، ثم همس
دي لحد محتاج.
نظر سليم إلى ملك، وابتسم ابتسامة امتلأت بالرضا.
فهم أن الرسالة وصلت.
لم تعد قصة رجل غني تنكر في هيئة فقير...
بل أصبحت قصة بلد كاملة تعلّمت أن قيمة الإنسان ليست في ثروته، ولا في مظهره، بل في قلبه.
وبينما كانت الشمس تغرب، أُغلقت أبواب الحفل، لكن أبواب المؤسسة بقيت مفتوحة لكل محتاج، كما أراد سليم منذ اليوم الأول.
وهكذا انتهت الحكاية... لكن الخير الذي بدأ برغيف عيش وكوب قهوة، ظل يعيش في
تمت بحمد الله.