زعيم أكبر عيله فى البلد
المحتويات
المصانع التابعة لمجموعة الدمنهوري.
انتشرت سيارات الإطفاء والإسعاف، وامتلأت شاشات الأخبار بالخبر.
وصل سليم بنفسه إلى المكان، لكنه لم يسأل أولًا عن الخسائر.
كان أول سؤال له
كل العمال خرجوا؟
أجابه مدير المصنع كلهم بخير... لكن فيه عامل رجع ينقذ زميله واتصاب.
قال سليم فورًا هاتولي اسمه.
دخل إلى سيارة الإسعاف، فوجد شابًا في أواخر العشرينات، مصابًا بحروق بسيطة.
ابتسم الشاب رغم ألمه وقال أنا كويس يا فندم.
سأله سليم ليه رجعت؟ كنت ممكن تموت.
ابتسم الشاب وقال زمان... المؤسسة علمتني إن حياة الإنسان أغلى من أي حاجة. مقدرتش أسيب زميلي.
نظر سليم إليه طويلًا.
ثم سأل اسمك إيه؟
رد الشاب يوسف... ابن الست اللي بعتت لحضرتك جواب الشكر من سنين.
ابتسم سليم، وتذكر الطفل الصغير الذي جاءه يومًا برسالة من أمه.
لكن ذلك الطفل أصبح الآن رجلًا شجاعًا.
بعد أسابيع، أعيد افتتاح المصنع بعد تطويره بالكامل، وفي يوم الافتتاح دعا سليم جميع العاملين وقال
أنا كنت فاكر إني أنا اللي علمت الناس الخير... لكن الحقيقة إن الخير اللي بدأناه رجع يعلمنا إحنا.
ثم أعلن عن إنشاء أكاديمية مجانية لتدريب الشباب على الحرف والصناعات، حتى يجد كل شاب فرصة عمل كريمة.
صفق الجميع بحرارة.
اقتربت ملك من سليم وقالت بابتسامة
فاكر يوم ما ادّيتك رغيف عيش؟
ضحك سليم وقال
لو رجع بيا الزمن... كنت هطلب كوباية الشاي كمان.
ضحكت ملك، وضحك كل من حولهما.
وفي تلك اللحظة، شعر سليم أن أعظم إنجاز في حياته لم يكن شركة، ولا مصنعًا، ولا ثروة...
بل أنه ترك وراءه أثرًا طيبًا في قلوب الناس، وسيظل هذا الأثر يعيش حتى بعد أن تنتهي الحكاية.
وهنا تنتهي الرحلة فعلًا... نهاية يظل الخير فيها هو البطل الحقيقي في أحد الأيام، وبينما كانت المؤسسة تستعد للاحتفال بمرور خمسة وعشرين عامًا على تأسيسها، فوجئ الجميع بسليم
دخل مجلس الإدارة، وكانت علامات القلق على وجوههم.
قال سليم بهدوء
أنا عندي قرار مهم... وحان وقته.
ساد الصمت.
فتح درج مكتبه، وأخرج مظروفًا كبيرًا مختومًا بالشمع الأحمر.
وقال
المظروف ده كتبته من عشر سنين، وقلت مايتفتحش إلا في اليوم اللي أحس فيه إن المؤسسة بقت قوية وقادرة تكمل من غيري.
فتحت ملك المظروف، وبدأت تقرأ أمام الجميع.
كان فيه وصية إدارية، لا تتعلق بالمال، بل بالمبادئ.
لا ترفضوا محتاجًا بسبب شكله. ولا تقيسوا الإنسان بما يملك. وإذا اضطررتم يومًا للاختيار بين الربح والرحمة... فاختاروا الرحمة، لأن الربح يمكن تعويضه، أما القلوب إذا انكسرت فلا تُجبر بسهولة.
بكى أكثر الحاضرين تأثرًا.
ثم أخرج سليم صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
فتح الصندوق، فإذا بداخله الجاكيت القديم الممزق، والحذاء البالي، والكوب الورقي الذي شرب فيه أول قهوة من يد ملك.
نظر الجميع بدهشة.
قال سليم مبتسمًا
دي أغلى حاجات أملكها.
تعجبت إحدى الموظفات وقالت
مع إن عند حضرتك مقتنيات أغلى بكتير!
ابتسم سليم وقال
دي الحاجات الوحيدة اللي فكرّتني إن الإنسان قيمته في أخلاقه، مش في ثروته.
اقترحت ملك أن يُوضع الصندوق في قاعة خاصة داخل المؤسسة، ليكون تذكارًا للأجيال القادمة.
وافق سليم، وكتبوا بجواره لوحة صغيرة
من هنا بدأت الحكاية... برغيف، وكوب قهوة، وقلب رحيم.
وأصبح كل زائر للمؤسسة يقف أمام الصندوق لدقائق، ويقرأ القصة، ثم يخرج وهو مؤمن أن أبسط موقف إنساني قد يغيّر حياة إنسان إلى الأبد.
وهكذا بقي اسم سليم وملك مرتبطًا ليس بالثروة أو الشهرة، بل بالرحمة والكرامة والإنسانية، وهي الأشياء التي لا يطويها الزمن. تمت بعد عشرين عامًا...
كان اسم مؤسسة ملك للخير قد أصبح معروفًا في كل أنحاء البلاد، وصارت قصتها تُدرَّس في كليات الإدارة والعمل التطوعي كنموذج لكيفية نجاح
أما سليم، فقد تجاوز الستين من عمره، وأصبح يفضل الجلوس في حديقة المؤسسة بين الأطفال بدلًا من حضور اجتماعات رجال الأعمال.
وفي صباح أحد الأيام، دخلت فتاة صغيرة إلى مكتبه، لا يتجاوز عمرها اثني عشر عامًا.
طرقت الباب بخجل وقالت
حضرتك الأستاذ سليم؟
ابتسم وقال
أيوه يا بنتي، اتفضلي.
ناولته الفتاة حصالة زجاجية صغيرة مليئة بالعملات المعدنية.
تعجب سليم وسألها
إيه دي؟
قالت وهي تبتسم
أنا كنت بجمع مصروفي من سنتين... وعايزة أتبرع بيه للمؤسسة.
تأثر سليم بشدة وقال
بس ده تحويشة عمرك.
أجابت بثقة
حضرتك علمتونا إن قيمة العطاء مش في المبلغ... قيمته في النية.
اغرورقت عينا سليم بالدموع، ونادى على ملك.
دخلت ملك، فلما رأت الطفلة والحصالة، فهمت كل شيء.
انحنت أمام الطفلة وقالت
إحنا هنحافظ على الأمانة دي، وكل جنيه فيها هيساعد حد محتاج.
خرجت الطفلة وهي سعيدة، وظل سليم ينظر إلى الحصالة.
ثم قال بصوت خافت
فاكرة أول رغيف عيش ادتهولي؟
ابتسمت ملك وقالت
أفتكره إزاي.
قال
الرغيف ده بقى النهارده آلاف الأرغفة... وكوباية القهوة بقت أمل لآلاف الناس.
ابتسمت ملك وقالت
عشان المعروف الصغير... عمره ما بيضيع.
وفي نهاية اليوم، علّق سليم أول حصالة تبرعات في مدخل المؤسسة، وكتب تحتها عبارة قصيرة
لا تستصغر خيرًا، فقد يغيّر حياة إنسان.
ومنذ ذلك اليوم، صار كل طفل يزور المؤسسة يضع فيها جنيهًا أو اثنين، حتى أصبحت رمزًا لمعنى أن الخير لا يحتاج إلى ثروة... بل يحتاج إلى قلب صادق.
وهكذا استمرت الحكاية، لأن قصص الخير لا تنتهي أبدًا. في الذكرى الثلاثين لتأسيس المؤسسة، قرر سليم أن يفعل شيئًا لم يتوقعه أحد.
أعلن أمام مجلس الإدارة
بكرة هكرر نفس التجربة... لكن بطريقة مختلفة.
استغرب الجميع.
وفي صباح اليوم التالي، ارتدى ملابس بسيطة جدًا، لا تدل على ثرائه، وخرج وحده دون
ظل يتنقل بين الشوارع، يراقب الناس بصمت.
لكن هذه المرة لم يكن يبحث عن شخص يساعده.
كان يبحث عن شخص يساعد غيره.
وبعد ساعات، رأى شابًا يعمل في توصيل الطلبات، يقف أمام مخبز.
خرجت سيدة مسنة تبحث في حقيبتها، ثم قالت لصاحب المخبز بحرج
معايا فلوس ناقصة.
وقبل أن تتراجع، أخرج الشاب آخر ما في جيبه، ودفع الفرق دون أن يعرفها.
ثم ركب دراجته وانصرف بسرعة، حتى لا تشكره.
ابتسم سليم.
تتبعه حتى عرف مكان عمله.
وفي اليوم التالي، استدعاه إلى الشركة.
دخل الشاب مرتبكًا، ولم يكن يعلم لماذا طُلب للحضور.
قال له سليم
أنا شوفت اللي عملته امبارح.
ارتبك الشاب وقال
يا فندم... ده مبلغ بسيط.
ابتسم سليم وقال
الخير عمره ما كان بالمبلغ.
ثم عرض عليه منحة كاملة ليدرس في الجامعة، ووظيفة تضمن له مستقبلًا كريمًا بعد تخرجه.
خرج الشاب وهو يبكي من شدة الفرح.
التفت سليم إلى ملك، التي كانت تتابع الموقف، وقال
فاكرة يوم ما كنت أنا اللي واقف محتاج؟
ابتسمت وقالت
دلوقتي بقيت أنت اللي بتدور على أصحاب القلوب الطيبة.
ضحك سليم وقال
لأنهم أغلى كنز في الدنيا.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت المؤسسة لديها برنامج جديد اسمه عين الخير، يبحث عن أصحاب المواقف الإنسانية البسيطة، ويمنحهم فرصًا للتعليم والعمل، حتى يكبر الخير وينتشر.
وكان شعار البرنامج
لا نكافئ الأغنياء... بل نكافئ أصحاب القلوب.
وهكذا استمرت رحلة سليم وملك، لا في جمع المال، بل في اكتشاف الخير داخل الناس، يومًا بعد يوم، حتى أصبحت قصتهما مصدر إلهام لكل من سمعها بعد افتتاح قاعة الذكريات بأيام، وقف سليم يتأمل الجاكيت القديم خلف الزجاج، ثم ابتسم وقال لملك
تفتكري لو اليوم ده ماكنش حصل... كانت حياتنا هتبقى عاملة إزاي؟
ردت ملك يمكن كنت هتفضل أغنى راجل في البلد... لكن مش أسعد واحد.
ابتسم سليم ولم يرد.
وفي تلك اللحظة دخل
يا فندم... فيه راجل كبير واقف بره، ورافض يدخل غير لما يشوفك.
سمح له بالدخول.
دخل رجل تجاوز السبعين،
متابعة القراءة