زعيم أكبر عيله فى البلد
المحتويات
لكل أعمالنا الخيرية. أنا واثق إن المؤسسة في إيد أمينة.
وافقت ملك، لكنها اشترطت شرطًا واحدًا
أي حد محتاج يدخل المؤسسة لازم يخرج مرفوع الرأس، من غير ما يحس إنه أقل من غيره.
ابتسم سليم وقال
وده بالضبط السبب اللي خلاني أختارك من أول يوم.
ومرت السنوات، وأصبحت مؤسسة ملك للخير من أكبر المؤسسات الخيرية في البلاد، وساعدت آلاف الأسر على بدء حياة جديدة.
أما سليم، فكان كلما سأله أحد عن سر نجاحه، يبتسم ويقول
كل اللي أنا فيه بدأ برغيف عيش وكوباية قهوة... قدمتهم إنسانة مؤمنة إن الكرامة حق لكل إنسان.
وهكذا انتهت الحكاية، وبقي أثر الخير ممتدًا في حياة كل من وصل إليه بعد مرور عام، تغيّر حال الشركة تمامًا.
صندوق المساعدات الذي أشرفت عليه ملك أصبح سببًا في علاج عشرات الموظفين، وسداد مصروفات دراسة أبناء كثير منهم، حتى صار الجميع يشعر أن الشركة بيت كبير، وليست مجرد مكان للعمل.
وفي احتفال مرور خمسين عامًا على تأسيس مجموعة الدمنهوري، حضر كبار رجال الأعمال والإعلاميين، إضافة إلى جميع الموظفين.
وقف سليم على المسرح وقال
من سنة، خرجت متخفيًا أبحث عن شخص يعاملني كإنسان قبل أن يعرف اسمي. كنت أظن أنني سأتعلم شيئًا عن الناس... لكن الحقيقة أنني تعلمت شيئًا عن نفسي.
ثم طلب من ملك أن تصعد إلى المنصة.
تقدمت وسط تصفيق حار.
قال سليم أمام الجميع
هذه الفتاة لم تغيّر حياتي لأنها ساعدتني برغيف وقهوة، بل لأنها ذكرتني أن قيمة الإنسان في أخلاقه، لا في ثروته.
ثم أعلن عن إنشاء مؤسسة ملك للخير، وهي مؤسسة خيرية تمولها مجموعة الدمنهوري، هدفها مساعدة الأسر البسيطة، وتدريب الشباب على العمل، وعلاج غير القادرين.
ولم يكتفِ بذلك، بل كتب أول تبرع باسم المؤسسة بمبلغ كبير، وقال
كل نجاح لا يعود بالنفع على الناس... يظل ناقصًا.
صفق الحاضرون طويلًا، بينما وقفت ملك والدموع تملأ عينيها، وقالت
أنا ما عملتش غير اللي ربنا أمرنا بيه.
ابتسم سليم وقال
والخير الصغير اللي عملتيه في يوم برد... غيّر حياة ناس كتير.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الناس يتذكرون سليم فقط كرجل الأعمال الذي يملك أكبر الشركات، بل كرجل تعلّم أن الرحمة أعظم من المال، وأن الكلمة الطيبة قد تغيّر مصير إنسان.
تمت بعد خمس سنوات...
في صباح هادئ، دخل سليم إلى المؤسسة من غير أي موكب أو حراسة، كالعادة.
فوجئ بعشرات الأطفال يلعبون في الحديقة التابعة للمؤسسة، ويضحكون بصوت ملأ المكان حياة.
سأل أحد المشرفين مين الأولاد دول؟
ابتسم المشرف وقال دول أولاد الأسر اللي المؤسسة ساعدتها. النهارده عاملين يوم مفتوح.
ظل سليم يتأملهم في صمت، ثم لمح طفلًا صغيرًا يجري نحوه.
وقف الطفل أمامه وقال ببراءة حضرتك عمو سليم؟
ابتسم سليم وربت على رأسه. أيوه.
أخرج الطفل من جيبه ورقة مطوية وقال ماما قالت لي أديها لحضرتك.
فتح سليم الورقة، فوجدها رسالة قصيرة
من خمس سنين كنت أم مش لاقية تمن علاج ابني، والمؤسسة وقفت جنبي من غير ما تعرفني. النهارده ابني بيجري ويلعب قدامك. شكرًا لأنك اخترت الخير.
لم يتمالك سليم نفسه، واغرورقت عيناه بالدموع.
في تلك اللحظة، وصلت ملك.
رأته يمسح دموعه، فابتسمت وقالت واضح إن الرسالة أثرت فيك.
أجاب وهو ينظر إلى الأطفال زمان كنت فاكر إن النجاح بالأرقام... النهارده عرفت إن النجاح الحقيقي هو الدعوة الصادقة من قلب حد كان محتاج.
وبينما هما يتحدثان، اقترب موظف مسن كان يعمل حارسًا في الشركة منذ سنوات.
قال لسليم فاكر أول يوم جيت فيه قدام المطعم بهدوم الشحات؟
ابتسم سليم وقال أنساه إزاي؟ ده اليوم اللي غيّر حياتي.
رد الحارس الحقيقة... اليوم ده غيّر حياة ناس كتير،
نظر سليم إلى ملك، ثم إلى الأطفال، وقال بابتسامة هادئة
ربنا أكرمني بالمال... لكنه أكرمني بالناس الصالحة أكتر.
وساد المكان شعور بالرضا، بينما ارتفعت ضحكات الأطفال في الأرجاء، لتكون أجمل نهاية لحكاية بدأت برجل متنكر في هيئة فقير، وانتهت برسالة إنسانية تقول
قد يغيّر معروف صغير حياة شخص واحد... لكنه أحيانًا يغيّر حياة أجيال كاملة.
النهاية بعد عدة أشهر، كان سليم وملك في جولة داخل أحد فروع المؤسسة الجديدة في إحدى القرى، عندما دخل رجل مسن يحمل صندوقًا خشبيًا قديمًا.
قال للحارس أنا عايز أقابل الأستاذ سليم... ضروري.
سمحوا له بالدخول.
وقف الرجل أمام سليم وقال يمكن متعرفنيش... لكن أنا عارفك.
تعجب سليم وسأله اتقابلنا قبل كده؟
ابتسم الرجل وقال من أكتر من عشرين سنة... وأنا كنت شغال حارس في مصنع والدك.
ساد الصمت.
ثم فتح الرجل الصندوق الخشبي، وأخرج منه دفترًا قديمًا وصورة باهتة.
كانت الصورة لسليم وهو طفل، يقف بجوار والده داخل المصنع.
قال الرجل أبوك كان بيقول دايمًا لو ربنا وسع رزقك، وسّع على الناس. يوم ما توفي، احتفظت بالصورة دي، وكنت مستني اليوم اللي أشوفك فيه.
أخذ سليم الصورة بيد مرتجفة، وشعر أن كلمات والده عادت إليه بعد سنوات طويلة.
نظر إلى ملك وقال يمكن علشان كده ربنا خلاكي تقابلي طريقي... عشان أفهم وصية أبويا.
ابتسم الرجل المسن وأضاف الفلوس بتتبني بيها عمارات... لكن السمعة الطيبة بتتبني بالمواقف.
وفي نهاية اليوم، أصدر سليم قرارًا جديدًا
أن تُخصص نسبة ثابتة من أرباح جميع شركاته كل عام لدعم التعليم والعلاج ومساعدة الأسر المحتاجة، لتصبح عملًا دائمًا لا يتوقف بغيابه.
صفق الموظفون بحرارة، بينما وقفت ملك تنظر إلى الأطفال الذين يدرسون في المدرسة التابعة للمؤسسة، وقالت
أهو
ابتسم سليم، ورفع بصره إلى السماء هامسًا
الحمد لله... الرحلة بدأت برغيف عيش، وانتهت برسالة هتعيش بعدنا كلنا.
تمت بحمد الله بعد سنوات طويلة، قرر سليم أن يبتعد قليلًا عن إدارة الشركات، ويسلّم معظم المسؤوليات إلى مجلس إدارة اختاره بعناية.
وفي يوم هادئ، دعا جميع الموظفين القدامى إلى حفل بسيط داخل المقر الرئيسي.
وقف أمامهم وقال
أنا النهارده مش جاي أودعكم... أنا جاي أشكركم. كل نجاح حققناه كان بفضل تعبكم وإخلاصكم.
ثم التفت إلى ملك، التي أصبحت من أبرز الشخصيات في العمل الخيري، وقال
أول يوم شوفتك فيه، كنت فاكر إني باختبر الناس... لكن الحقيقة إن ربنا كان بيختبرني أنا.
ساد الصمت، وتأثرت ملك بكلماته.
وفي نهاية الحفل، خرج سليم وحده يتمشى في الشارع نفسه الذي بدأت فيه حكايته.
مرّ أمام المطعم الفاخر، فابتسم عندما رأى شابًا بسيطًا يقف خارجًا يحمل كيس طعام.
اقترب الشاب من رجل مسن يجلس على الرصيف، وأعطاه الطعام دون أن ينتظر كلمة شكر.
وقف سليم يراقب المشهد، وابتسم في هدوء.
اقتربت منه ملك وقالت
بتفكر في إيه؟
أجاب وهو ينظر إلى الرجل المسن
فاكرة يوم ما قلتيلي إن معاملة الإنسان كبني آدم مش محتاجة مقابل؟
هزت رأسها.
قال
الكلمة دي فضلت عايشة... وشكلها هتفضل تنتقل من شخص للتاني.
وفي تلك اللحظة، مر طفل صغير بجوارهما، وسأل والدته
ماما... ليه الراجل ده اداله الأكل؟
ابتسمت الأم وقالت
عشان الخير لما يطلع من القلب... بيرجع لصاحبه أضعاف.
نظر سليم إلى ملك، وقال بابتسامة مطمئنة
دلوقتي أقدر أقول إن رسالتي وصلت.
ثم غادرا المكان بهدوء، بينما استمرت الحياة من حولهما، تحمل كل يوم فرصة جديدة لعمل خير جديد.
وهكذا لم تكن نهاية القصة نهاية أشخاص، بل بداية أثر
اشتعلت النيران ليلًا في أحد
متابعة القراءة