فى يوم عيد الأم
مقدرش يدفع المصاريف. وقتها الست ليلى تكفلت بتعليمي من غير حتى ما أعرف اسمها.
أخرج من جيبه شهادة تخرجه القديمة، وكانت عليها رسالة بخط يد ليلى
ساعد غيرك عندما تستطيع... فربما يأتي يوم يحتاج فيه غيرك إليك.
امتلأت عينا الطفل بالإعجاب.
وسأله
وأنت عملت إيه بعد كده؟
ابتسم الرجل وقال
بقيت دكتور... وعالجت آلاف المرضى ببلاش، عشان أرد جزءًا من الجميل.
في تلك اللحظة، دخلت مجموعة من الأطفال في زيارة للمؤسسة.
وقف المرشد أمام صورة ليلى وقال
هذه السيدة لم تترك قصورًا ولا كنوزًا، لكنها تركت أثرًا يعيش في الناس.
رفع أحد الأطفال يده وسأل
يعني الإنسان يقدر يعيش حتى بعد ما يموت؟
ابتسم المرشد وأجاب
طالما أثره الطيب باقي... يبقى اسمه عمره ما يموت.
وفي
سقطت منها ورقة خضراء على الأرض، فالتقطها الحفيد الصغير ووضعها داخل كتابه، وقال
هفتكر الحكاية دي طول عمري.
ابتسم جده، ونظر إلى السماء، ثم همس
رحمك الله يا ليلى... زرعتِ خيرًا، فحصدتِ دعوات لا تنتهي.
وهكذا بقيت الحكاية حية، ليس في الكتب، بل في قلوب الناس الذين غيّرت حياتهم كلمة طيبة، ويد حانية، وأم لم تبخل بالعطاء. النهاية
في صباح هادئ من أيام الربيع، اجتمعت الأسرة كلها في الحديقة التي كانت ليلى تحب الجلوس فيها.
وقف أمجد يحمل صورة قديمة لها مع حسن، بينما كانت نرمين تمسك بيد أحفادها.
قالت بصوت تغلبه الدموع
زمان كنت فاكرة إن أمي هتفضل معايا
اقترب حفيدها الأكبر ووضع باقة ورد أمام صورة جدته، ثم قال
إحنا عمرنا ما شفناها، لكن كل يوم بنشوف أثرها في الناس.
في تلك اللحظة، وصلت سيدة مسنة تستند إلى عصاها، وقالت
أنا جيت كل سنة من يوم ما الست ليلى ساعدتني. بدعيلها، لأنها كانت سبب بعد ربنا في إنقاذ أسرتي.
ثم جاء شاب يحمل طفله الصغير، وقال
وأنا اتعلمت على نفقتها... والنهارده ابني بيدرس في نفس المدرسة.
ابتسمت نرمين وهي تنظر إلى السماء، وقالت
أهو يا ماما... الخير اللي زرعتيه بقى شجرة كبيرة، وكل يوم بتطلع ثمرة جديدة.
بعدها طلبت من الجميع دقيقة صمت.
ثم أخرجت الزهرة البلاستيكية القديمة من صندوق زجاجي كانت تحتفظ
رفعتها أمام الجميع وقالت
الزهرة دي كانت يومًا سببًا في أكبر وجع بيني وبين أمي... لكنها بقت سببًا في أكبر درس اتعلمته في حياتي.
وضعتها بجوار صورة ليلى، ثم قالت
لو الزمن رجع، كنت هديها حضن قبل أي هدية.
غادر الجميع المكان، وبقيت نرمين وحدها للحظات.
نظرت إلى صورة والدتها، وابتسمت وهي تهمس
اطمني يا أمي... وصيتك اتنفذت. العيلة متماسكة، والخير لسه مستمر، وأنا كل يوم بدعيلك بنفس الحب اللي ربيتِني عليه.
ومع غروب الشمس، أغلقت باب المؤسسة، لكن أبواب الخير التي فتحتها ليلى ظلت مفتوحة في قلوب الناس.
وهكذا انتهت الحكاية... لتبقى رسالتها خالدة
قد لا يتذكر الناس قيمة الهدايا، لكنهم لن ينسوا أبدًا من منحهم حبًا صادقًا، واحتواءً في وقت
تمت.