فى يوم عيد الأم
في يوم عيد الأم، دوّى التصفيق في المكان كله عندما قدّمت ابنتي هدية فاخرة لحماتها خاتم ألماس باهظ الثمن وتذاكر سفر درجة أولى وعندما جاء دوري، ناولتني زهرة لا يتجاوز ثمنها خمسين جنيهًا وهي تقول بابتسامة هادئة
أنتِ دايمًا بتقولي إن قيمة الهدية في معناها يا أمي.
ابتسمتُ، وأخذتُ الزهرة، لكن شيئًا في داخلي انكسر.
اسمي ليلى عبد الرحمن، أبلغ من العمر سبعة وستين عامًا. منذ رحيل زوجي حسن قبل ثلاث سنوات، أصبحتُ أعيش وحدي في منزلنا بالإسكندرية. كنت أعتقد أن ابنتي نرمين ستصبح أقرب إليّ بعد وفاة والدها، لكن الحياة أخذتها إلى مسؤولياتها وأسرتها، وأصبحت لقاءاتنا قليلة.
في صباح عيد الأم، استيقظت مبكرًا، أعددت فنجان قهوة، ونظرت إلى صورة حسن.
قلت بصوت خافت أكيد بنتنا لسه بتحبني... يمكن الظروف بس.
وصلت إلى منزلها في القاهرة، فاستقبلتني بابتسامة سريعة، ثم انشغلت بالضيوف. كان الجميع يضحك ويتبادل الهدايا، بينما جلست أراقب المشهد في هدوء.
قدّم زوجها أمجد هدية ثمينة لوالدته، وصفق الجميع بحرارة. وبعدها اقتربت مني نرمين وقدمت لي تلك الزهرة البسيطة.
لم تكن المشكلة في ثمنها، بل في الإحساس الذي وصلني... شعرت أنني أصبحت على هامش حياتها.
عدت إلى منزلي في المساء، ووضعت الزهرة بجوار صورة زوجي، وجلست أتذكر سنوات طويلة من التعب.
تذكرت
فتحت الملفات القديمة، لا لأطالبها بشيء، ولكن لأتذكر حجم الرحلة التي قطعناها معًا.
وجدت صورًا قديمة لها وهي صغيرة، ورسائل كانت تكتبها لي بخط يدها أنتِ أحسن أم في الدنيا.
ابتسمت وسط دموعي، وأدركت أن المشكلة ليست في المال ولا في الهدايا، بل في أن انشغال الحياة أبعد بيننا.
في صباح اليوم التالي، اتصلت بها وقلت ممكن أشوفك لوحدك؟
وافقت، وجاءت في المساء.
جلست أمامي صامتة، ثم سألتها بقيتِ تعرفي كل الناس تفرحيهم... ونسيتي تفرحي أمك؟
انفجرت بالبكاء.
قالت إنها كانت منشغلة، وإنها لم تدرك أن تصرفها جرحني بهذا الشكل، واعترفت بأنها أصبحت تعتبر وجودي أمرًا مضمونًا، بينما كانت تبالغ في إرضاء الآخرين.
أخرجت من حقيبتها ألبوم صور قديمًا كانت قد أعدته لي، وقالت إنها كانت تنوي تقديمه في نهاية اليوم، لكن انشغال الضيوف أفسد المفاجأة.
احتضنتها، وقلت أنا مش محتاجة ألماس... أنا محتاجة بنتي.
ومنذ ذلك اليوم، أصبح عيد الأم مناسبة نجتمع فيها كأسرة، بلا مقارنة بين أحد، ولا هدايا باهظة، لأن أعظم هدية كانت عودة الدفء بين أم وابنتها بعد سنوات من البعد في الأسبوع التالي، دعتني نرمين لتناول الغداء في منزلها.
دخلت وأنا
تيتا وصلت!
احتضنتهم بقوة، وشعرت أن شيئًا جميلًا بدأ يعود إلى حياتي.
بعد الغداء، طلبت نرمين من الجميع الجلوس.
وقفت أمامهم وقالت بصوت متأثر
أنا مدينة لأمي بكل حاجة وصلت لها. للأسف، انشغلت بالحياة ونسيت أعبّر لها عن امتناني بالطريقة اللي تستحقها.
ثم أخرجت صندوقًا صغيرًا.
فتحته، فوجدت بداخله مفتاحًا ذهبيًا.
قالت بابتسامة ده مفتاح بيتنا... من النهارده البيت ده بيتك قبل ما يكون بيتنا. تيجي في أي وقت ومن غير استئذان.
لم أتمالك دموعي.
قلت لها أنا مش كنت مستنية هدية... كنت مستنية أحس إني لسه ليَّ مكان في قلبك.
اقترب أمجد وقال حقك علينا يا طنط ليلى. إحنا فعلًا قصرنا.
ومنذ ذلك اليوم، تغيرت أشياء كثيرة.
أصبحت نرمين تزورني كل أسبوع، ونتناول الغداء معًا كما كنا نفعل قديمًا.
وفي كل مناسبة عائلية، كانت تصر أن أجلس بجوارها، وتقدمني للجميع بكل فخر وهي تقول
دي أمي... وصاحبة الفضل عليَّ بعد ربنا.
أما الزهرة البلاستيكية، فلم أرمها.
وضعتها في مزهرية صغيرة بجوار صورة حسن، لأنها أصبحت تذكرني أن الجرح قد يكون بداية لمصارحة تغيّر حياة كاملة.
وفي عيد الأم التالي، لم تكن هناك هدايا باهظة، ولا خاتم ألماس، ولا تصفيق.
كان هناك حضن طويل، وكلمة واحدة قالتها نرمين
سامحيني يا أمي... وأوعدك إن عمري ما هخليكي تحسي إنك لوحدك تاني.
ابتسمت وأنا أنظر إلى أحفادي يلعبون في الحديقة، وحمدت الله أن النهاية لم تكن خسارة ابنة... بل استعادة أسرة كاملة بعد عدة أشهر، كانت حياتنا قد تغيرت تمامًا.
أصبحت نرمين تتصل بي كل صباح، وتسألني إن كنت أحتاج شيئًا، وأصبحت زياراتها منتظمة، ليس لأنها تشعر بالذنب، بل لأنها أرادت أن تعوض ما فات.
وفي أحد الأيام، فوجئت بها تقف أمام باب منزلي ومعها أمجد والأحفاد.
قالت وهي تبتسم يلا يا ماما... إحنا جايين نخطفك.
ضحكت لأول مرة من قلبي منذ سنوات.
قضينا اليوم كله معًا، نتذكر المواقف القديمة، ونشاهد ألبومات الصور، حتى أخرجت صورة لها وهي في السادسة من عمرها، وكانت تحتضنني بقوة.
نظرت إليها وقلت البنت الصغيرة دي عمرها ما كانت هتخليني أزعل.
أمسكت يدي وقالت ولسه هي هي... بس الحياة شغلتها.
بعدها بأيام، طلبت مني أن أرافقها إلى مقر شركتي القديمة.
دخلت المبنى الذي بنيته بسنوات من الكفاح، وشعرت بالفخر.
قالت لي أنا عايزة أتعلم منك، وأكمل اللي بدأتيه.
ابتسمت وقلت أكبر نجاح ليا مش الشركة... أكبر نجاح إن بنتي رجعتلي.
بدأت نرمين تتعلم إدارة العمل، لكنها كانت حريصة على أن يكون كل قرار بموافقتي.
ولأول مرة منذ وفاة حسن، شعرت أن تعبي طوال العمر لم يذهب هباءً.
وفي نهاية العام، اجتمعت الأسرة كلها للاحتفال بعيد