فى يوم عيد الأم

لمحة نيوز

ميلادي.
وقفت نرمين أمام الجميع وقالت
زمان افتكرت إن الحب بيتقاس بقيمة الهدية، لكن أمي علمتني إن أغلى هدية هي الوقت والاهتمام والاحترام.
ثم قدمت لي ألبومًا جديدًا، مليئًا بصورنا معًا طوال العام.
في آخر صفحة، كانت هناك عبارة كتبتها بخط يدها
كل ما أنا فيه اليوم... كان بدايته دعوة صادقة من أم لم تتخلَّ عني يومًا.
أغلقت الألبوم، واحتضنتها بقوة.
وفي تلك اللحظة، شعرت أن كل سنوات التعب، والسهر، والتضحية... قد وجدت أخيرًا أجمل مكافأة حب ابنتي من جديد مرت خمس سنوات...
كبر الأحفاد، وتغيّرت أشياء كثيرة، لكن أكثر ما أسعدني أن بيتي لم يعد صامتًا كما كان.
كل يوم جمعة، كانت الأسرة كلها تجتمع عندي. نرمين تطبخ بنفسها، وأمجد يشوي في الحديقة، والأحفاد يملأون المكان ضحكًا.
وفي أحد الأيام، بينما كنا نجلس بعد الغداء، دخل حفيدي الصغير آدم وهو يحمل صندوقًا صغيرًا.
قال بخجل دي ليكي يا تيتا.
فتحته، فوجدت بداخله زهرة صناعية تشبه تمامًا تلك الزهرة التي أهدتني إياها نرمين في ذلك اليوم.
ساد الصمت.
نظرت نرمين إلى الزهرة، ثم انهمرت دموعها.
قالت أنا عمري ما نسيت اليوم ده... وكل ما أشوف الزهرة دي أفتكر قد إيه جرحتك.
ابتسمت وربتُّ على يدها.
ثم أمسكت الزهرتين، القديمة والجديدة، ووضعتهما بجوار بعض.
قلت دي كانت سبب وجعي... ودي بقت سبب سعادتي. لأن
من غير الأولى، ما كناش وصلنا للي إحنا فيه النهارده.
ابتسم الجميع.
وفي نهاية السهرة، وقفت نرمين أمام أولادها وقالت
افتكروا دايمًا... الأم والأب مش محتاجين أغلى الهدايا، محتاجين تحسسوهم إنهم أغلى ناس في حياتكم.
هز الأطفال رؤوسهم بالموافقة، ثم ركضوا نحوي يحتضنونني.
أغمضت عيني، وشعرت أن حسن لو كان بيننا الآن، لابتسم وهو يرى الأسرة التي تعب من أجلها ما زالت متماسكة.
ونظرت إلى صورته المعلقة على الحائط وقلت في سري
اطمّن... بنتنا رجعت، وبيتنا رجع مليان حب.
تمت. بعد نهاية القصة، يمكن تخيل فصل أخير يوضح أثر ما حدث بعد سنوات
بعد عشر سنوات، احتفلت نرمين بعيد ميلادي السابع والسبعين في المنزل نفسه الذي شهد أجمل ذكرياتنا.
وقف أحفادي واحدًا تلو الآخر يروون مواقف لا أنساها معهم، ثم تقدمت حفيدتي مريم وقالت
تيتا، المدرسة طلبت مننا نكتب عن أكتر شخص أثر في حياتنا... وأنا كتبت عنك.
ناولَتني الكراسة، وقرأت فيها
جدتي علمتني أن الحب ليس في ثمن الهدية، بل في الوقت والاهتمام والوفاء.
لم أتمالك دموعي.
التفتت نرمين إليّ وقالت
زمان كنت فاكرة إن النجاح هو الشغل والفلوس، لكنك علمتِني إن النجاح الحقيقي هو إن الإنسان يحافظ على أهله.
ابتسمت وأنا أنظر إلى الأسرة مجتمعة حول المائدة.
لم يعد يهمني كم أنفقت، ولا كم ضحيت، لأن أجمل عائد حصلت عليه لم
يكن مالًا... بل بيتًا مليئًا بالمحبة، وأبناءً وأحفادًا يعرفون قيمة العائلة.
وفي نهاية اليوم، أطفأت شموع عيد الميلاد، ودعوت الله أن يديم الألفة بينهم، ثم قلت
إذا خرجتم من هذه الدنيا وتركتم في قلوب من تحبون ذكرى طيبة... فقد عِشتم حياة تستحق أن تُروى.
وهكذا انتهت الحكاية، لا بانتصار المال، ولا بالخلاف، بل بعودة الرحمة والمودة إلى أسرة كادت أن تفرقها غفلة عابرة. بعد عامين، ضعفت صحتي قليلًا، ونصحني الأطباء بأن أرتاح وأقلل من العمل.
في إحدى الليالي، شعرت بتعب شديد، فاتصلت بنرمين.
لم يمر سوى عشرين دقيقة، وكانت تقف أمام باب منزلي مع أمجد.
دخلت وهي تبكي وقالت
أوعي تخوفينا عليكي يا ماما.
ابتسمت وقلت أهو دلوقتي بقيت مطمنة... لأني عارفة إني مش لوحدي.
ظلت بجواري طوال الليل، ولم تغادر إلا بعد أن اطمأنت أنني أصبحت بخير.
بعدها بأيام، قالت لي
أنا وأمجد اتفقنا على حاجة.
سألتها إيه هي؟
قالت هننقل شغلنا بحيث نبقى قريبين منك، ولو احتجتِ أي حاجة في أي وقت هنكون جنبك.
لم أستطع الرد.
اكتفيت باحتضانها.
وفي مساء هادئ، جلست معها في شرفة المنزل، نشرب الشاي كما كنا نفعل قديمًا.
قالت وهي تنظر إلى السماء
عارفة يا ماما... أكتر حاجة ندمانة عليها مش الزهرة... أكتر حاجة ندمانة عليها هي السنين اللي ضاعت بينا.
قلت لها بهدوء
المهم إننا لحقنا نعوضها.

ابتسمت وهي تمسك يدي.
وفي تلك اللحظة، شعرت أن القلب الذي انكسر يومًا قد التأم بالكامل.
ومنذ ذلك اليوم، لم يمر عيد أم إلا وكانت نرمين أول من يطرق بابي في الصباح، تحمل باقة ورد حقيقية، وتقول وهي تضحك
المرة دي مفيش زهور بلاستيك... دي وردة من القلب.
فأبتسم وأجيبها
وأنا خلاص... الهدية اللي كنت مستنياها وصلت من زمان.
النهاية الحقيقية أحيانًا لا تحتاج العلاقات إلى هدايا باهظة، بل إلى كلمة صادقة، ووقتٍ صادق، وقلب لا ينسى من ربّاه. بعد سنوات طويلة، جلست ليلى في شرفتها المعتادة، تحمل كوب الشاي وتراقب أحفادها يلعبون في الحديقة.
اقتربت منها نرمين وجلست بجوارها.
قالت فاكرة أول عيد أم بعد ما اتصالحنا؟
ابتسمت ليلى وقالت فاكرة... وافتكر كمان إني كنت خايفة أكون خسرتك للأبد.
ردت نرمين وهي تمسك يدها وأنا كنت خايفة تيجي لحظة متسامحينيش.
وقبل أن تكمل حديثها، جاء أمجد يحمل ظرفًا كبيرًا.
قال مبتسمًا دي مفاجأة للأسرة كلها.
فتحت ليلى الظرف، فوجدت عقدًا يحمل اسم مؤسسة حسن وليلى لرعاية الأمهات وكبار السن.
نظرت إليهما بدهشة.
قال أمجد إحنا قررنا نخصص جزءًا من أرباح الشركة لعمل المؤسسة دي، عشان تساعد كل أم محتاجة، وتوفر رعاية لكبار السن اللي ملهمش حد.
انهمرت دموع ليلى.
قالت دي أحلى هدية شفتها في حياتي.
وبدأت المؤسسة عملها بالفعل، وكانت تستقبل
عشرات الأمهات كل شهر، وتوفر لهن العلاج والدعم والمساعدة.
وفي حفل افتتاح
تم نسخ الرابط