فى يوم عيد الأم
المحتويات
المؤسسة، وقفت نرمين أمام الحضور وقالت
زمان جرحت أغلى إنسانة في حياتي من غير ما أقصد، لكن أمي علمتني إن الاعتذار الحقيقي مش بالكلام... الاعتذار الحقيقي بيكون بتغيير الأفعال.
صفق الجميع بحرارة.
أما ليلى، فاكتفت بالنظر إلى صورة حسن المعلقة في قاعة المؤسسة وهمست
الحمد لله... تعب العمر طلع منه خير لناس كتير.
وهكذا لم تصبح قصة ليلى مجرد حكاية عن أم وابنتها، بل أصبحت بداية خير امتد أثره إلى كل من احتاج يدًا حانية أو كلمة طيبة.
تمت بحمد الله. بعد مرور خمسة عشر عامًا، كانت ليلى قد تجاوزت الثانية والثمانين من عمرها، وأصبحت الحركة أصعب عليها، لكن ابتسامتها لم تفارق وجهها.
في إحدى الأمسيات، جمعت أبناءها وأحفادها حولها وقالت
عايزة أطلب منكم طلب.
قالت نرمين بقلق تحت أمرك يا ماما.
ابتسمت ليلى وقالت بعد عمر طويل... أوعوا تختلفوا على أي حاجة. حافظوا على بعض، لأن العيلة هي السند الحقيقي.
هز الجميع رؤوسهم والدموع في أعينهم.
وبعد أشهر قليلة، رحلت ليلى بهدوء وهي بين أبنائها وأحفادها، بعدما أوصتهم بالمحبة وصلة الرحم.
في يوم العزاء، امتلأ المكان بأشخاص لم تعرفهم نرمين من قبل.
كانت سيدة مسنة تقول والدتك دفعت مصاريف علاج جوزي.
وقال شاب أنا اتخرجت من الجامعة بسبب منحتها.
وقالت أم شابة هي اللي وقفت جنبي وقت ما مكنش معايا ثمن عملية
وقفت نرمين تبكي وهي تكتشف أن أمها لم تكن أمًا لها فقط، بل كانت أمًا لكل من احتاج إليها.
وبعد انتهاء العزاء، عادت إلى منزل والدتها.
دخلت غرفتها، وجلست أمام المكتب القديم.
كانت الزهرة البلاستيكية ما تزال في المزهرية بجوار صورة حسن.
ابتسمت وسط دموعها، وهمست
سامحيني يا ماما... ووعد مني هفضل أكمل طريقك.
ومنذ ذلك اليوم، كرست نرمين حياتها لإدارة المؤسسة التي أسستها والدتها، ووسعت نشاطها حتى أصبحت تساعد آلاف الأسر كل عام.
وعند مدخل المؤسسة، عُلقت لوحة رخامية كُتب عليها
إذا أردت أن يبقى أثرك بعد رحيلك، فازرع الخير في قلوب الناس.
وكان أسفلها اسم
ليلى عبد الرحمن... أم لم تتوقف عن العطاء حتى آخر يوم في عمرها.
النهاية. بعد سنوات، وقفت نرمين أمام أحفادها في عيد الأم، وأخرجت من درج قديم تلك الزهرة البلاستيكية التي كانت سببًا في تغيير حياتها.
رفع حفيدها الصغير حاجبيه وقال
هو ليه يا تيتا محتفظة بيها لحد دلوقتي؟
ابتسمت ومسحت عليها برفق، ثم قالت
لأنها علمتني أغلى درس في حياتي.
وحكت لهم القصة كاملة، دون أن تُخفي خطأها.
قالت لهم في النهاية
الإنسان مش بيتعلم من نجاحاته بس... بيتعلم كمان من أخطائه لو اعترف بيها.
وفي العام نفسه، قررت الأسرة إطلاق مبادرة جديدة باسم زهرة من القلب.
كانت فكرتها بسيطة؛ في كل عيد أم، يزور المتطوعون
ولم يكن الهدف قيمة الهدية، بل أن تشعر كل أم أنها ليست وحدها.
انتشرت المبادرة في مدن كثيرة، وأصبحت آلاف الأمهات ينتظرنها كل عام.
وفي أحد الاحتفالات، سأل صحفي نرمين
إيه سر نجاح المبادرة؟
ابتسمت وقالت
لأنها بدأت من خطأ ارتكبته بنت مع أمها... وتحول إلى رسالة حب لكل الأمهات.
وفي نهاية الحفل، رفعت نرمين نظرها إلى السماء وقالت بصوت خافت
كل سنة وأنتِ في قلبي يا أمي... ولسه بتعلم منك، حتى بعد رحيلك.
ثم وضعت الزهرة البلاستيكية داخل صندوق زجاجي في مدخل المؤسسة، وتحتها عبارة صغيرة
ليست كل الهدايا تُقاس بثمنها... لكن كل كلمة أو تصرف قد يترك أثرًا لا يُنسى.
وهكذا بقيت قصة ليلى تُروى من جيل إلى جيل، ليس لأنها كانت غنية أو ناجحة، بل لأنها علّمت أسرتها أن الحب يُثبت بالأفعال، وأن برّ الوالدين هو أعظم استثمار في الحياة. بعد مرور ثلاثين عامًا، أصبحت مؤسسة حسن وليلى من أكبر المؤسسات الخيرية في البلاد، وأصبحت قصة ليلى تُحكى لكل متطوع جديد ينضم إليها.
وفي صباح أحد أعياد الأم، دخلت فتاة صغيرة لا يتجاوز عمرها اثني عشر عامًا إلى قاعة الاستقبال، وهي تحمل وردة بيضاء.
سألها الموظف جاية لمين يا حبيبتي؟
أجابت بابتسامة أنا جاية أحط وردة
اقترب الموظف منها وقال كنتي تعرفيها؟
هزت رأسها بالنفي.
وقالت لا... لكن ماما قالتلي إن الست دي كانت السبب إننا نعيش حياة كريمة، لأنها ساعدتنا وإحنا في أصعب ظروفنا.
وضعت الطفلة الوردة أمام الصورة، ثم همست
شكرًا.
كانت نرمين تراقب المشهد من بعيد، ولم تستطع أن تمنع دموعها.
اقترب منها حفيدها، الذي أصبح شابًا، وقال
تيتا... واضح إن جدتي لسه عايشة.
ابتسمت نرمين وقالت
الناس بتموت لما يتنسي أثرها... وأمّي عمرها ما هتتمحي من قلوب اللي ساعدتهم.
وفي نهاية اليوم، أُطفئت أنوار المؤسسة، وبقي ضوء صغير يضيء صورة ليلى وحسن المعلقة في المدخل.
أسفل الصورة كانت العبارة التي أصبحت شعار المؤسسة
قد تنتهي الأعمار... لكن الخير الصادق لا تنتهي حكايته.
وهكذا انتهت الحكاية بالفعل، بعدما تحولت دمعة أم في عيد الأم إلى رسالة أمل ومحبة امتدت لعشرات السنين، وأثبتت أن الكلمة الطيبة والاعتذار الصادق قادران على تغيير حياة أسرة كاملة... بل وحياة آلاف الأشخاص من بعدها.
تمت بحمد الله. بعد خمسين عامًا، دخل رجل مسن إلى مبنى المؤسسة، يتكئ على عصاه، ويصحبه حفيده الصغير.
توقف أمام صورة ليلى طويلًا، ثم قال للحفيد
شايف الست دي؟
قال الطفل آه يا جدو... دي صاحبة المؤسسة.
ابتسم الرجل وقال
لا... دي الست اللي أنقذت حياتي.
نظر إليه الطفل
قال الرجل
وأنا عندي عشر سنين، كنت هسيب المدرسة لأن أبويا
متابعة القراءة