جوزي بقاله 10سنين
الباب يفتح بالكامل.
لكن ما كان خلفه لم يكن غرفة...
بل مكتبة ضخمة جدًا، تمتد رفوفها إلى السقف، مليئة بآلاف الكتب والمخطوطات، وفي المنتصف مكتب خشبي كبير، فوقه صندوق زجاجي صغير.
اقترب صلاح من الصندوق.
بداخله مفتاح ذهبي، وبجواره رسالة مكتوبة بخط أنيق
إذا وصلت إلى هنا، فقد أثبتم أن الأمانة ما زالت في أيدٍ أمينة. لكن اعلموا أن هذا ليس المفتاح الرابع... بل دليل للوصول إليه.
قلب صلاح الرسالة، فوجد على ظهرها سطرًا واحدًا فقط
ابحثوا عن الرجل الذي لا يملك اسمًا... فهو آخر من يعرف الطريق.
ساد الصمت.
قالت ليلى
إزاي واحد ميكونش ليه اسم؟
ابتسم الأب ابتسامة غامضة وقال
لأن الناس كلها تعرفه بلقب واحد منذ أربعين سنة... ولم يعد أحد يتذكر اسمه الحقيقي.
وقبل أن يكمل حديثه...
وصلهم صوت إغلاق الباب الحجري خلفهم بقوة.
التفتوا بسرعة...
فاكتشفوا أنهم أصبحوا داخل المكتبة، والباب اختفى تمامًا، وكأن الممر لم يكن موجودًا من الأساس نظر صلاح إلى الخاتم في حيرة، ثم قال
ليا أنا؟! لكن أنا أول مرة أشوفه.
هز الرجل العجوز رأسه.
لا تستعجل. الخاتم لا يختار صاحبه بالشكل... وإنما بالعهد.
مد صلاح يده، ووضع الخاتم في إصبعه.
في البداية لم يحدث شيء.
تنفس فريد الصعداء وقال ضاحكًا
شكله مجرد خاتم قديم.
لكن بعد ثوانٍ...
ظهر على سطح الخاتم نقش لم يكن موجودًا من قبل.
اقترب محمود وقرأه بصوت مرتفع
الأمين السابع.
ساد الصمت.
سأل صلاح
يعني إيه الأمين السابع؟
أجاب الرجل العجوز
على مدار مئات السنين، كان فيه سبعة أمناء يتوارثون مسؤولية حماية الوثائق. كل جيل يسلّم الأمانة للي بعده.
ثم تنهد وأضاف
لكن قبل ثلاثين سنة، اختفى الأمين السابع قبل مراسم التسليم... ومن يومها بقت السلسلة ناقصة.
قالت ليلى
تقصد إن صلاح هو الأمين السابع؟
ابتسم الرجل.
لا...
تبادل الجميع النظرات.
قال فريد
أمال الخاتم كتب الأمين السابع ليه؟
اقترب الرجل من صلاح، وأخذ الخاتم من إصبعه، ثم وضعه في راحة يد ليلى.
في اللحظة نفسها...
بدأ الخاتم يصدر بريقًا خافتًا، وتحول النقش إلى عبارة جديدة
تم اكتمال العهد.
شهق محمود.
مستحيل!
نظر إليه الأب مبتسمًا لأول مرة.
كنت شاكك... لكن دلوقتي
قال صلاح وهو ينظر إلى ليلى
اتأكدت من إيه؟
رد الأب
الأمانة عمرها ما كانت لشخص واحد... كانت دايمًا لشخصين، يكمل كل واحد منهم الآخر. علشان كده كان لازم تكونوا مع بعض في اللحظة دي.
وقبل أن ينتهي من كلامه...
اهتزت أرضية المكتبة اهتزازًا خفيفًا.
ثم تحركت إحدى خزائن الكتب ببطء إلى الجانب، كاشفة عن غرفة صغيرة مخفية.
وفي منتصف الغرفة كانت توجد منضدة حجرية، وفوقها صندوق خشبي قديم.
وعلى الصندوق لوحة نحاسية كتب عليها
لا يُفتح إلا بعد اجتماع الأمناء السبعة.
نظر الجميع إلى بعضهم في حيرة.
قال صلاح
لكن حضرتك قلت إن السلسلة ناقصة... يبقى فين باقي الأمناء؟
ابتسم الرجل العجوز، ثم أشار إلى سبع صور معلقة على الجدار داخل الغرفة.
كانت الصور بالأبيض والأسود.
اقتربت ليلى منها...
وتجمدت في مكانها.
ففي الصورة السادسة ظهر والد صلاح.
أما الصورة السابعة...
فكانت فارغة تمامًا، ولم يكن مكتوبًا تحتها سوى كلمة واحدة
قريبًا....أخذت ليلى الساعة من يد صلاح، وظلت تحدق في الصورة طويلًا.
كانت الطفلة في الصورة ترتدي نفس الفستان الأزرق الذي تتذكره من إحدى صور طفولتها، لكن الرجل الذي يقف بجوارها لم تره في حياتها.
قالت وهي ترتجف
أكيد الصورة دي متعدلة... مستحيل أكون واقفة معاه.
ابتسم الرجل العجوز ابتسامة هادئة.
لا يا بنتي... الصورة حقيقية.
سأله صلاح بسرعة
حضرتك تعرف ليلى منين؟
أشار الرجل إلى مقعد خشبي قديم.
اقعدوا... لأن الحكاية طويلة.
جلس الجميع في صمت.
قال الرجل
من خمسة وعشرين سنة، حصل حريق كبير في دار الحكمة. الناس كلها افتكرت إن المخطوطات اتحرقت، لكن الحقيقة إننا نقلنا أهمها لمكان آمن قبل الحريق بساعات.
ثم نظر إلى ليلى.
يومها كانت أمك معانا.
شهقت ليلى.
أمي؟
أيوه... كانت مؤرخة، وكانت من الأمناء على الوثائق. ويوم النقل، أصرت تاخدك معاها لأنها مكنتش لاقية حد يسيبك عنده.
بدأت ليلى تحاول أن تتذكر، لكنها لم تتذكر سوى ومضة ضوء ورائحة كتب قديمة.
قال الرجل
لما انتهى اليوم، التقطنا صورة جماعية... وكنتي واقفة جنبي. بعدها بسنوات، رحلت والدتك، واحتفظت أنا بالصورة.
ساد الصمت.
ثم أخرج الرجل مفتاحًا صغيرًا من الخشب، يختلف تمامًا
وقال
ده اسمه مفتاح الذاكرة.
سأله فريد باستغراب
ومفتاح خشب يفتح إيه؟
ابتسم الرجل.
ولا باب.
أمال؟
يفتح درجًا واحدًا في المكتبة... محدش عرف يفتحه من أربعين سنة.
أخذ صلاح المفتاح، ومشى خلف الرجل حتى وصلا إلى مكتب قديم في آخر القاعة.
كان بالمكتب سبعة أدراج.
أشار الرجل إلى الدرج الأخير.
افتحه.
أدخل صلاح المفتاح...
فانفتح الدرج بسهولة.
لكن لم يكن بداخله مال ولا مخطوطات.
بل صندوق مخملي صغير.
فتحه صلاح ببطء...
فوجد داخله خاتمًا فضيًا بسيطًا، وتحته ورقة مكتوب فيها
إذا وصل هذا الخاتم إلى صاحبه الحقيقي، فسوف يظهر آخر الأمناء.
نظر الجميع إلى الخاتم في حيرة.
قالت ليلى
مين صاحبه؟
وقبل أن يجيب الرجل العجوز...
نظر إلى يد صلاح، ثم ابتسم وقال
الغريب... إن صاحبه الحقيقي موجود بينكم من أول لحظة... لكنه لا يعرف أن هذا الخاتم صُنع خصيصًا له منذ أكثر من ثلاثين عامًا ظل الجميع يحدق في الصورة الفارغة.
قال صلاح بصوت منخفض
ليه فاضية؟
اقترب الرجل العجوز، ولمس إطارها برفق، ثم قال
لأنها لا تمتلئ بصورة... بل بقرار.
استغربت ليلى.
يعني إيه؟
أجاب
آخر أمين لا يُختار بالوراثة، وإنما بالفعل الذي يثبت أنه يستحق حمل الأمانة.
وفي تلك اللحظة...
صدر صوت خفيف من داخل الصندوق الخشبي.
دق... دق... دق...
نظر الجميع إليه في دهشة.
قال فريد
هو... فيه حد جوه؟
ابتسم الرجل العجوز.
لا... ده نظام ميكانيكي قديم. الصندوق بيعلن إن الوقت بدأ.
ثم أشار إلى ساعة رملية صغيرة موضوعة بجواره.
بدأ الرمل ينزل ببطء.
قال محمود بقلق
قدامنا وقت قد إيه؟
ساعة واحدة فقط.
وبعدها؟
تنهد الرجل وقال
هيُغلق الصندوق... ومش هيفتح تاني إلا بعد خمسين سنة.
ساد الصمت.
اقترب صلاح من الصندوق، فوجد سبعة تجاويف صغيرة في غطائه.
كل تجويف يحمل رمزًا مختلفًا.
المفتاح... الهلال... النجمة... الكتاب... الخاتم... ثم رمزان لم يرهما من قبل.
قال صلاح
ناقصنا رمزين.
هز الرجل العجوز رأسه.
والرمزان موجودان في مكان واحد.
سألته ليلى بسرعة
فين؟
نظر إليها مباشرة وقال
في بيت جدتك.
شهقت ليلى.
بيت جدتي؟! لكنه مقفول من يوم وفاتها، ومحدش دخله.
ابتسم الرجل.
وده
أخرج الأب مفتاحًا قديمًا آخر، ووضعه في يد ليلى.
جدتك قبل وفاتها بشهر جت لي، وقالت اليوم اللي حفيدتي ترجع فيه البيت بإرادتها... اديلها المفتاح ده.
ارتعشت يد ليلى وهي تمسكه.
يعني جدتي كانت عارفة؟
كانت تعرف أكتر مما تتخيلي.
وقبل أن يتحركوا، دوّى صوت جرس قوي في أنحاء المكتبة.
ثم ظهر على أحد الجدران، لأول مرة، نقش مضيء يقول
تبقى 59 دقيقة.
نظر الجميع إلى بعضهم.
لم يعد الأمر مجرد كشف أسرار...
بل أصبح سباقًا مع الزمن، للوصول إلى بيت الجدة قبل أن تنتهي الساعة الرملية، ودون أن يعلموا ما الذي ينتظرهم خلف الباب الذي ظل مغلقًا لسنوات طويلة فتح صلاح الباب ببطء...
فوجد رجلًا مسنًا يقف مبتسمًا، يحمل في يده صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
قال بهدوء
اسمي عبدالرحمن... وأنا آخر شخص أوصاني والدك قبل اختفائه.
دعاه الجميع للدخول.
وضع عبدالرحمن الصندوق على الطاولة، ثم قال
قبل ثلاثين سنة،
اتفق الأمناء إن الأمانة لازم تفضل محفوظة، لكن في يوم من الأيام لازم ترجع للدولة، مش تفضل ملك لعيلة واحدة.
فتح الصندوق...
فوجدوا بداخله وثائق تاريخية نادرة، وخرائط أثرية، ورسائل أصلية تثبت أماكن آثار مفقودة كانت مهددة بالتهريب.
وقال عبدالرحمن
دي هي الأمانة الحقيقية... عمرها ما كانت كنز من دهب، ولا أموال. قيمتها في تاريخها.
ثم أخرج رسالة أخيرة كتبها والد صلاح.
قرأها صلاح بصوت مرتجف
يا بني... لو وصلت للرسالة دي، فأنا مطمئن. الأمانة مش معناها إنك تخبي الحقيقة، لكن إنك توصلها لأصحابها. لا تخاطر بحياتك ولا حياة أسرتك بسببها. سلّم الوثائق للجهات المختصة، وابدأ حياتك من جديد.
ساد الصمت...
نظر صلاح إلى ليلى، ثم أمسك يدها وقال
كل السنين دي كنت بدور على إجابات، لكن اكتشفت إن أهم حاجة كانت قدامي طول الوقت... أسرتي.
ابتسمت ليلى، وقالت
والسر الحقيقي إن الإنسان مهما عرف من أسرار، بيكون محتاج ناس يشاركهم الطريق.
في صباح اليوم التالي، سلّموا الوثائق إلى الجهات المختصة، وبعد أشهر أُعلن عن اكتشاف تاريخي كبير، وحُفظت المخطوطات في متحف وطني لتكون متاحة للباحثين والأجيال القادمة.
أما المكتبة القديمة، فقد تحولت إلى
وأغلق صلاح الصندوق الخشبي للمرة الأخيرة، ووضع المفتاح بجواره، وقال مبتسمًا
انتهت رحلة السر... وبدأت رحلة الحقيقة.
تمت.