جوزي بقاله 10سنين

لمحة نيوز

مليئة بالأموال.
بل غرفة صغيرة، تتوسطها طاولة خشبية، وفوقها صندوق أسود.
وعلى الصندوق رسالة قصيرة مكتوبة بخط يد والد صلاح
إذا وصلت إلى هنا، فهذا يعني أن الحقيقة سبقتني. لكن قبل أن تفتح الصندوق... انظر خلفك.
تجمد صلاح.
ورفع رأسه ببطء.
التفت الجميع إلى الخلف...
فوجدوا شخصًا يقف في مدخل الغرفة، ملامحه مخفية في الظلام، لكنه قال جملة واحدة جعلت حسام يشحب وجهه
متفتحوش الصندوق... لأن والد صلاح كذب عليكم جميعًا، والحقيقة اللي فيه ناقصة اتسعت عينا صلاح، ثم قال وهو يهز رأسه في إنكار
أنا؟! مستحيل... أنا مالي باللي حصل من عشرين سنة؟
اقترب حسام خطوة، ثم أخرج من حقيبته ملفًا جلديًا قديمًا، وقد علاه الغبار.
فتح الملف أمام الجميع.
كانت بداخله عشرات المستندات وصور قديمة، وفي آخره شهادة ميلاد.
ناولها إلى صلاح.
نظر إليها للحظات، ثم تغير لون وجهه فجأة.
الاسم المكتوب لم يكن صلاح عبدالحميد كما عاش عمره كله...
بل كان
يوسف محمود الرفاعي.
ارتعشت يده وسقطت الشهادة على الأرض.
ده... ده مستحيل!
قال حسام بهدوء
الاسم اللي عشت بيه طول حياتك كان لحمايتك.
شهقت ليلى
يعني إيه؟!
رد حسام
يوم الحادث، كان فيه طفلين في نفس العمر تقريبًا. علشان يحموا الطفل الحقيقي، اتبدلت هويته، واتربى باسم جديد، وفي بيت جديد... ومن يومها محدش عرف الحقيقة.
رفع صلاح رأسه وهو يحاول استيعاب الكلام.
يعني أنا... مش ابن أبويا وأمي؟
وقبل أن يجيب حسام...
قالت شهد لأول مرة وهي تبكي
لا... لكنهم ربّوك وكأنك ابنهم، وكانوا عارفين الحقيقة من أول يوم.
نظر إليها صلاح بصدمة.
وإنتِ... عرفتي منين؟
أخرجت شهد سلسلة فضية من رقبتها، وفتحتها.
كان بداخلها نصف ميدالية على شكل نجمة.
ثم قالت
فاكر الميدالية اللي كانت معاك وإنت
صغير؟ النص التاني كان معايا.
أخرج صلاح من جيبه محفظته القديمة، وفتح أحد الجيوب السرية.
أخرج قطعة معدنية صغيرة احتفظ بها منذ طفولته دون أن يعرف قيمتها.
وما إن وضعها بجوار قطعة شهد...
التحم النصان، وظهرت على ظهر الميدالية عبارة محفورة بخط دقيق
الخريطة في المكان الذي لا يجرؤ أحد على فتحه.
ساد الصمت.
ثم همس فريد، الذي كان يتابع كل شيء دون أن يتكلم
يبقى السر لسه مستخبي...
رفع حسام رأسه وقال
أيوه... واللي جوه المكان ده مش مجرد أوراق.
سأله صلاح
أمال إيه؟
نظر حسام إلى الجميع، ثم قال بصوت منخفض
كنز... لكنه مش فلوس ولا دهب.
تبادل الجميع النظرات في حيرة.
ابتسم حسام ابتسامة غامضة، وقال
الحقيقة نفسها... الحقيقة اللي لو ظهرت، هتغير حياة كل واحد فيكم، وفي ناس مستعدة تقتل علشان تفضل مدفونة.
وفي اللحظة نفسها، رن هاتف صلاح من رقم مجهول.
فتح الخط.
جاءه صوت رجل مسن يقول
لو عايز تعرف مين أنت بجد... انزل حالًا إلى قبو بيت والدك، وافتح الباب الحديدي رقم سبعة... لكن أوعى حد يعرف إنك رايح. ثم أُغلق الخط فجأة تسمرت الأقدام في أماكنها.
نظر كل واحد إلى الآخر، لكن هذه المرة لم تكن النظرات مليئة بالشك، بل بالحيرة.
قال صلاح بصوت مبحوح
يعني... أبويا عايش؟
هز محمود رأسه وقال
أيوه... لكنه اضطر يختفي بإرادته. لو ظهر قبل ما الوقت المناسب ييجي، كانت حياة ناس كتير هتكون في خطر.
سألت ليلى
طيب ليه عمل كل ده؟ وليه خبّى الحقيقة كل السنين دي؟
اقترب محمود من الصندوق الأسود، وربت عليه برفق.
لأن اللي جواه مش ملك لشخص واحد... ده أمانة.
فتح درجًا صغيرًا في جانب الطاولة، وأخرج دفترًا جلديًا قديمًا.
كانت أول صفحة مكتوبًا عليها
وصية عائلة الرفاعي.
فتح محمود الدفتر بحذر، وقال
جد صلاح كان عالم
آثار، لكنه أثناء أحد أعمال الترميم اكتشف غرفة قديمة داخل قصر تاريخي. لم يكن بداخلها ذهب أو مجوهرات، بل وثائق تاريخية نادرة تثبت حقائق مهمة عن آثار مفقودة، ولو وقعت في الأيدي الخطأ كانت هتتباع بره البلد للأبد.
وأضاف
جدكم رفض يبيعها، وقرر يخفيها ويحافظ عليها، ومن يومها والعائلة كلها بقت مسؤولة عن الأمانة دي.
نظر صلاح إلى الدفتر بانبهار.
يعني كل اللي حصل كان علشان يحافظوا على الوثائق؟
بالضبط.
وفي تلك اللحظة، سمعوا صوت خطوات تقترب من القبو.
فتح الباب ببطء...
ودخل رجل مسن، يمشي مستندًا إلى عصاه.
ما إن رآه صلاح حتى دمعت عيناه.
بابا...!
ابتسم الرجل وقال
سامحني يا ابني... كان نفسي أقولك الحقيقة من زمان، لكن كنت مستني اليوم اللي تبقى فيه قادر تشيل الأمانة.
احتضنه صلاح بقوة، بينما وقفت ليلى متأثرة وهي ترى لمّ الشمل بعد سنوات طويلة.
ابتسم الأب وقال لها
وإنتِ يا ليلى... وجودك في حياة صلاح كان سبب إنه يفضل ثابت. علشان كده كنت واثق إنك هتكوني معاه لما يعرف الحقيقة.
ثم نظر إلى الجميع وقال
من النهارده، السر مبقاش سر عشان نخاف منه... بقى مسؤولية نحافظ بيها على تاريخ كامل.
وفي آخر القبو، لفت انتباه ليلى إطار خشبي قديم مغطى بقماش.
أزاحت القماش برفق...
فوجدت خريطة مرسومة يدويًا، وفي أسفلها عبارة بخط قديم
هذه ليست النهاية... فمن يجد الخريطة الأولى، يبدأ رحلة البحث عن المدينة المفقودة.
نظر الجميع إلى الخريطة في صمت، وأدركوا أن ما اكتشفوه الليلة لم يكن نهاية اللغز...
بل كان بداية مغامرة أكبر بكثير ساد الصمت، ولم يجرؤ أحد على الاقتراب.
تقدم الرجل خطوة إلى الأمام، فسقط ضوء المصباح على وجهه.
شهقت شهد، وتراجعت للخلف وهي تضع يدها على فمها.
أنت...!
نظر إليها الرجل وقال
بهدوء
أيوه... أنا عارف إنك افتكرتِ إني مت.
أما حسام، فكان ينظر إليه وكأنه رأى شبحًا.
مستحيل... إحنا دفناك بإيدينا!
ابتسم الرجل ابتسامة حزينة.
اللي اندفن كان شخص تاني... أما أنا، فاختفيت بإرادتي.
التفت إلى صلاح وقال
قبل ما تفتح الصندوق، لازم تعرف إن الراجل اللي رباك كان أشجع إنسان قابلته في حياتي.
عقد صلاح حاجبيه.
حضرتك مين؟
خلع الرجل قبعته ببطء، ثم قال
اسمي محمود الرفاعي.
ارتجف صلاح.
فهذا هو الاسم نفسه المكتوب في شهادة الميلاد التي وجدها قبل قليل.
همس
يعني... أنت...
هز الرجل رأسه.
لا... مش أبوك.
تبادل الجميع نظرات الحيرة.
أكمل محمود
أنا أخو أبوك الحقيقي.
صمت لثوانٍ، ثم قال
وأبوك... ما ماتش في الحادث زي ما الناس كلها فاكرة.
شهقت ليلى
أمال فين؟
تنهد محمود وقال
اختفى... لأنه كان بيحاول يحمي حاجة أخطر من أي كنز.
أشار إلى الصندوق الأسود.
اللي جواه مش مجرد مستندات... ده مفتاح يوصل لمكان تاني.
اقترب صلاح من الصندوق، لكن محمود رفع يده بسرعة.
استنى.
ليه؟
لأن الصندوق ده له قفلين... واحد بالمفتاح، والتاني بالبصمة.
نظر صلاح إليه باستغراب.
بصمة مين؟
ابتسم محمود ابتسامة غامضة وقال
بصمة الشخص اللي كتب الرسالة... يعني والدك بالتبني.
ساد الصمت.
قال صلاح
لكنه مات!
رد محمود وهو ينظر إلى الباب المفتوح
ودي أول كذبة لازم تعرفها الليلة...
ثم أخرج هاتفًا قديمًا من جيبه، وضغط زر التشغيل.
ظهرت رسالة صوتية مسجلة بتاريخ قبل ثلاثة أيام فقط.
ضغط زر التشغيل...
وانطلق صوت واضح يعرفه صلاح جيدًا، صوت الرجل الذي ربّاه، يقول
يا صلاح... لو بتسمع الرسالة دي، يبقى أنا لسه عايش... لكن مفيش وقت أشرح. متصدقش أي حد، حتى محمود... لأن بين الموجودين واحد بيشتغل مع الناس اللي بتطاردكم من
عشرين سنة.
ساد الذهول المكان.
وتبادل الجميع النظرات في صمت...
فإذا كان والد صلاح ما زال حيًا...
فمن هو الشخص الذي دُفن في جنازته قبل عامين؟ ومن الخائن
تم نسخ الرابط