جوزي بقاله 10سنين
في مساء هادئ، كانت ليلى ترتب أكواب الشاي في غرفة الجلوس، بينما جلس زوجها صلاح مع صديق عمره فريد الذي جاء لزيارته بعد غياب سنوات.
تعالت ضحكاتهما وهما يسترجعان ذكريات الدراسة والشباب، حتى قال فريد فجأة
فاكر أيام الحارة القديمة؟... وفاكر شهد؟
ساد الصمت للحظة.
تغيرت ملامح صلاح، وكأن اسمًا من الماضي أيقظ شيئًا كان نائمًا داخله منذ زمن. ابتسم ابتسامة باهتة وقال
أنسى؟ مستحيل... في ناس وجودها في حياتك بيفضل علامة، حتى لو كل واحد مشي في طريقه.
نظرت ليلى إليهما في دهشة، فلم تكن قد سمعت بهذا الاسم من قبل طوال عشر سنوات زواجها.
قال فريد وهو يراقب رد فعل صديقه
تعرف إنها رجعت البلد الأسبوع اللي فات؟
رفع صلاح رأسه بسرعة.
رجعت؟ بعد كل السنين دي؟
أيوه... ومعاها بنت صغيرة. محدش عارف رجعت ليه، ولا هتقعد قد إيه.
ظل صلاح صامتًا للحظات، ثم قال بهدوء
نفسي أعرف هي بخير ولا لأ... بس خلاص، كل واحد بقى له حياته.
ابتسم فريد ابتسامة غامضة وقال
طب قوم معايا. في حاجة لازم تشوفها بنفسك.
استغربت ليلى، لكنها لم تتدخل.
دخل صلاح غرفته، ارتدى ملابسه بسرعة، ثم خرج وهو يقول
مش هتأخر.
خرج مع فريد، لكن شيئًا في نبرة صوته أقلق ليلى. لم يكن الأمر غيرة، بل إحساس غامض بأن هناك سرًا كبيرًا يُخفى عنها.
بعد دقائق، قررت أن تلحق بهما من بعيد دون أن يلاحظا.
رأت صلاح يقف أمام عمارة قديمة، لا ينظر إلى الأعلى إلا كل بضع ثوانٍ، وكأنه ينتظر شخصًا.
وفجأة...
ظهرت امرأة في الشرفة.
كانت في الأربعين من عمرها، ملامحها هادئة، لكن أكثر ما لفت انتباه ليلى هو أنها بمجرد أن رأت صلاح... وضعت يدها على سلسلة كانت ترتديها في رقبتها، ثم رفعت شيئًا صغيرًا معلقًا بها.
في اللحظة نفسها،
همس لنفسه بصوت بالكاد يُسمع
معقول... لسه معاها؟
ثم نزلت المرأة مسرعة من العمارة.
اقتربت من صلاح، لكن بدلاً من السلام أو العناق، أخرجت من حقيبتها مفتاحًا نحاسيًا قديمًا ووضعته في يده، وقالت بصوت مرتجف
احتفظت بيه عشرين سنة... لأنك الوحيد اللي يقدر يفتح اللي وراه.
تجمد صلاح في مكانه.
أما ليلى، فقد شعرت أن الأمر لا يتعلق بقصة حب قديمة كما ظنت...
بل بسرٍ دفنه الزمن، وحان وقت كشفه.
وفي تلك اللحظة، قالت شهد جملة جعلت الدم يتجمد في عروق الجميع
قبل ما أقول أي حاجة... لازم مراتك تعرف الحقيقة، لأنها هي كمان جزء من السر... لكنها لحد دلوقتي متعرفش وقفت ليلى مكانها، وشعرت أن قلبها يخفق بقوة.
أنا؟! إزاي أكون جزء من سر وأنا معرفش عنه حاجة؟!
خرجت من مكان اختبائها دون أن تشعر بنفسها، وقالت بصوت مرتجف
يعني إيه أنا جزء من السر؟
التفت صلاح في صدمة.
ليلى! إنتِ هنا؟
أما شهد فلم تبدُ عليها الدهشة، وكأنها كانت تعلم أن ليلى تتبعه.
ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت
كنت عارفة إنك هتيجي ورا جوزك... لأن أي ست مكانك كانت هتعمل كده.
نظر إليها صلاح باستغراب.
شهد... اتكلمي. السر ده إيه؟
أخرجت شهد من حقيبتها ظرفًا بنيًا قديمًا، كان مغلقًا بالشمع الأحمر، وقد كُتب عليه بخط يد قديم
لا يُفتح إلا بحضور صلاح... وليلى.
اتسعت عينا ليلى.
اسمي مكتوب عليه؟!
هزت شهد رأسها.
أيوه... والظرف ده أنا محتفظة بيه من أكتر من عشرين سنة.
أخذ صلاح الظرف، ولاحظ في أسفله توقيعًا جعله يتراجع خطوة إلى الخلف.
همس وهو يرتجف
مستحيل... ده توقيع عمي محمود!
قالت شهد
قبل وفاته بأيام، سلمني الظرف وقال لي لو جه اليوم اللي يرجع فيه صلاح، افتحي له الطريق... لكن أوعى الظرف يتفتح غير
سألت ليلى في حيرة
بس أنا وقتها كنت طفلة... عمي محمود يعرفني منين؟
نظرت إليها شهد نظرة غامضة وقالت
لأنه كان يعرف من إنتِ... أكتر مما تعرفي نفسك.
ساد صمت ثقيل.
وفجأة...
رن هاتف شهد.
نظرت إلى الشاشة، فتغير لون وجهها، وأغلقت الهاتف بسرعة.
قال صلاح بقلق
مين؟
همست شهد
لقونا...
مين اللي لقاكم؟
ردت وهي تنظر حولها بخوف
الناس اللي كانوا فاكرين إن الظرف اتحرق من سنين... ولو عرفوا إنه لسه موجود، مش هيسيبوا حد فينا يعيش.
وفي اللحظة نفسها...
توقفت سيارة سوداء بلا لوحات على بُعد أمتار منهم، ونزل منها ثلاثة رجال، يتجهون نحوهم بخطوات ثابتة... دون أن ينطق أيٌ منهم بكلمة تجمد الأربعة في أماكنهم.
كان الرجال الثلاثة يرتدون ملابس سوداء بسيطة، لكن نظراتهم كانت كافية لتثير الرعب.
همس صلاح
إنتِ متأكدة إنهم هم؟
أومأت شهد برأسها، ثم قالت بسرعة
مفيش وقت. خدوا الظرف وامشوا... لو وقع في إيديهم، كل اللي حصل من عشرين سنة هيضيع.
لكن قبل أن يتحركوا، اقترب أكبر الرجال سنًا وقال بهدوء غريب
إحنا مش جايين نؤذي حد... إحنا جايين ناخد حق اتأخر عشرين سنة.
ثم نظر مباشرة إلى ليلى، وقال
وإنتِ... أخيرًا لقيناكي.
ارتبكت ليلى.
أنا؟! حضرتك أكيد غلطان.
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة.
لا... إحنا عمرنا ما غلطنا في وشك.
مد يده في جيبه، وأخرج صورة قديمة باهتة.
ناولها إلى ليلى.
ارتعشت يداها وهي تنظر إليها...
كانت الصورة لطفلة لا يتجاوز عمرها أربع سنوات، تقف بين رجل وامرأة.
لكن الصدمة...
أن الطفلة كانت هي نفسها.
أما الرجل والمرأة... فلم يكونا والديها اللذين تربت معهما.
شهقت ليلى
مستحيل... دي مش ماما وبابا!
نظر إليها الرجل وقال
لأن دول والديك الحقيقيين.
سقطت الصورة من يدها.
أما صلاح فصاح بغضب
كفاية! أنتم مين؟ وعايزين إيه؟
رد الرجل بهدوء
اسمي حسام... وكنت شريك والد ليلى.
قبل عشرين سنة، اختفت عائلة كاملة في ظروف غامضة، وكل الناس افتكرت إنهم ماتوا في حادث.
لكن الحقيقة...
أن الحادث كان مدبرًا.
وسكت لحظة، ثم أكمل
وكان فيه طفل واحد نجا...
صلاح عقد حاجبيه.
طفل؟! لكن ليلى بنت.
تنهد الرجل وقال
أيوه... لأن الطفل اللي كانوا بيدوروا عليه... مش ليلى.
نظر الجميع إليه في ذهول.
ثم قال الجملة التي قلبت كل شيء
ليلى كانت مجرد شاهدة صغيرة... أما الشخص اللي كان مستهدفًا وما زال حيًا حتى اليوم... فهو موجود بينكم الآن.
وسادت لحظة صمت ثقيل...
قبل أن تتحول كل الأنظار ببطء نحو صلاح ظل صلاح ممسكًا بالهاتف، ينظر إلى الشاشة التي انطفأت.
ساد صمت ثقيل.
قالت ليلى بقلق
هنروح؟
نظر حسام إلى الساعة في يده، ثم قال بجدية
لو هتروحوا... لازم دلوقتي. بعد نص الليل هيكون فات الأوان.
استقل الأربعة سيارة فريد، واتجهوا إلى البيت القديم الذي نشأ فيه صلاح.
كان المنزل مهجورًا منذ وفاة والده قبل عامين، ولم يدخله أحد منذ ذلك الوقت.
ما إن فتح صلاح الباب حتى استقبلتهم رائحة الخشب القديم والغبار.
مرر يده على الحائط وهو يهمس
كل حاجة زي ما هي...
توجه مباشرة إلى السلم المؤدي إلى القبو.
لكن الغريب أن باب القبو كان مفتوحًا، رغم أنه يتذكر جيدًا أنه أغلقه بالمفتاح آخر مرة.
نظر الجميع إلى بعضهم.
قال حسام
حد سبقنا.
نزلوا السلم بحذر.
كان القبو واسعًا، مليئًا بالأثاث القديم والصناديق المغطاة بالأقمشة.
وفي آخره...
ظهر باب حديدي كبير، تتدلى فوقه لوحة صدئة كُتب عليها
7
تقدم صلاح، وأخرج المفتاح النحاسي الذي أعطته له شهد.
وما إن أدخله
حتى سمعوا صوت دوران التروس داخل الباب، وكأنه لم يُفتح منذ عشرات السنين.
انفتح الباب ببطء.
لكن خلفه لم يكن هناك كنز، ولا غرفة