سلفتي كانت بتعايرني بقلم ندي الجمل

لمحة نيوز

بملف تاني مليان ورق أبيض.
أما الوصية والمستندات الحقيقية، فحطهم في خزنة صغيرة عند أحد أقاربه.
الساعة عشرة بالضبط...
رن موبايل يوسف.
ادخل.
فتح يوسف باب العمارة بهدوء.
وقلبه كان هيخرج من مكانه.
طلع السلم...
ودخل شقة أحمد بالمفتاح اللي كان أحمد مديهوله.
أخذ الملف المزيف...
وخرج.
في آخر الشارع...
كانت العربية السودا مستنياه.
ركب.
الرجل الغامض فتح الملف بسرعة.
بدأ يقلب الورق.
وفجأة...
اتغير وشه.
صرخ بعصبية
إيه الهبل ده؟!
قلب كل الأوراق.
مفيش وصية.
مفيش عقود.
مفيش أي حاجة.
بص ليوسف بغضب شديد.
إنت بتلعب بينا؟!
وقبل ما يوسف يرد...
سمعوا صوتًا قويًا
محدش يتحرك!
في أقل من ثوانٍ...
خرجت عربيات الشرطة من كل اتجاه.
وأحاطت بالمكان.
الرجل حاول يجري.
لكن الضابط صرخ
قف مكانك!
ورغم كده...
فتح الرجل باب العربية، ورمى الملف على الأرض، وجري ناحية المخازن.
بدأت مطاردة عنيفة.
وأحمد كان بيتابع من بعيد.
وفجأة...
الرجل وهو بيجري، أخرج من جيبه فلاشة صغيرة، ورماها داخل مصرف مليان مية، وهو بيصرخ
لو أنا وقعت... الحقيقة كلها هتغرق معايا!
قفز أحد الضباط يحاول يلحق الفلاشة...
لكن المياه جرفتها بسرعة وسط الظلام.
وفي نفس اللحظة...
أُلقي القبض على الرجل.
ابتسم أحمد وهو يظن أن كل شيء انتهى.
لكن الضابط اقترب منه وقال بوجه متجهم
للأسف... اللي قبضنا عليه مجرد وسيط.
أحمد عقد حاجبيه.
يعني إيه؟
رد الضابط وهو ينظر إلى الملف الفارغ
الشخص اللي كان بيدير كل حاجة... ويطمع في أملاك عيلتكم... اسمه موجود على الفلاشة اللي ضاعت.
ثم صمت لحظة، وأضاف
والأخطر... إن الشخص ده واحد تعرفوه كويس جدًا... وكان داخل بيتكم سنين، من غير ما حد يشك فيه.
ساد الصمت...
وتبادل الجميع نظرات الصدمة، بينما بدأ كل واحد منهم يسترجع في ذهنه الوجوه القريبة من العائلة، محاولًا تخمين من يكون الخائن الحقيقي... يتبع قضى الجميع الليلة في قسم الشرطة.
الرجل المقبوض عليه رفض ينطق بكلمة.
كل ما الضابط يسأله
مين اللي باعتك؟
كان يرد بنفس الجملة
أنا معرفش غير الشخص اللي بيسلمني التعليمات.
في الصباح...
دخل ضابط المباحث على أحمد وقال
في حاجة غريبة لقيناها مع الراجل.
حط قدامه مفتاح نحاس قديم، متعلق فيه ميدالية

صغيرة مكتوب عليها
المخزن 17
أحمد بص للمفتاح باستغراب.
وفجأة...
الحاج عبدالرحمن وقف من مكانه وقال بصدمة
المفتاح ده... أنا أعرفه.
الكل بصله.
قال وهو بيحاول يفتكر
ده مفتاح مخزن قديم كان بتاع أخويا إسماعيل... محدش فتحه من أكتر من عشرين سنة.
الضابط قال بسرعة
يبقى لازم نروح دلوقتي.
بعد أقل من ساعة...
وصلوا للمخزن.
كان في آخر شارع مهجور، بابه مغطى بالتراب والصدأ.
الضابط لف المفتاح.
الباب فتح بصعوبة، وصوت صريره ملأ المكان.
دخلوا بحذر.
المخزن كان مليان صناديق خشب قديمة.
لكن في آخره...
كان فيه دولاب حديد مقفول.
المفتاح نفسه فتحه.
أول ما الباب اتفتح...
لقوا ملفات قديمة، وعقود، ودفاتر حسابات.
وفوق الكل...
صندوق خشب صغير.
الحاج عبدالرحمن فتحه بإيده المرتعشة.
كان جواه جواب.
مكتوب عليه بخط إسماعيل
يفتح إذا شعرت أن عائلتي أصبحت مهددة.
ساد صمت رهيب.
بدأ الحاج يقرأ.
كل سطر كان بيخليه يبهت أكتر.
وفجأة...
وقف عن القراءة.
أحمد قال بقلق
في إيه يا حاج؟
ناول له الجواب.
قرأ أحمد السطور الأولى...
ثم قال بدهشة
يعني... كل اللي بيحصل دلوقتي سببه...
لكن قبل أن يكمل...
سمعوا صوت باب المخزن بيتقفل بقوة.
استدار الجميع.
لقوا شخصًا واقفًا عند الباب، وفي إيده قطعة حديد غليظة.
ابتسم ابتسامة باردة وقال
كنت عارف إنكم هتوصلوا للمكان.
ثم ضغط على مفتاح الكهرباء.
انطفأت الأنوار تمامًا.
وغرق المخزن في ظلام دامس...
ولم يبقَ سوى صوت خطوات تقترب منهم ببطء، بينما أمسك أحمد بيد والده وهمس
محدش يتحرك... هو مش لوحده.
وفي اللحظة التالية...
انطلق صوت ارتطام قوي من داخل الظلام، تلاه صرخة جعلت الجميع يتجمد في أماكنهم، دون أن يعرفوا من الذي سقط... يتبع ساد الظلام لثوانٍ...
لكن الضابط كان مستعد.
طلع الكشاف الصغير اللي في جيبه، وضغط عليه.
شعاع النور قطع العتمة...
وظهر المشهد.
أحد الأمناء كان واقع على الأرض بعد ما اتخبط بقطعة خشب، لكن إصابته كانت بسيطة.
أما الرجل اللي قفل الباب...
فكان بيجري ناحية المخرج الخلفي للمخزن.
صرخ الضابط
امسكوه!
بدأت مطاردة وسط الصناديق القديمة.
الرجل كان حافظ المكان كويس، وبيتنقل بسرعة.
لكن أحمد لمح حاجة غريبة...
الرجل كان بيجري ناحية ركن معين، مش ناحية
الهروب.
وفجأة...
ركع على الأرض، ومد إيده تحت لوح خشب مكسور.
صرخ أحمد
هو بيدور على حاجة!
قبل ما الرجل يمسكها...
وصل الضابط وأوقعه على الأرض.
بدأ يقاوم بعنف، لكن اتقيد بالأغلال.
أحمد رفع لوح الخشب.
تحته كان فيه صندوق حديدي صغير.
أخده وفتحه بحذر.
لقوا جواه فلاشة...
ومجموعة أوراق مختومة.
الضابط ابتسم وقال
واضح إن دي اللي كان عايزها.
لكن الرجل المقبوض عليه ضحك فجأة.
ضحكة خلت الكل يبصله باستغراب.
وقال بثقة
اتأخرتوا.
الضابط عقد حاجبيه.
يعني إيه؟
رد وهو مبتسم
اللي كان فيها... اتنقل من أسبوع.
سكت لحظة...
ثم أكمل
أنا كنت مجرد مكلف أخفيها لو حد وصل.
الحاج عبدالرحمن مسك رأسه وقال
يبقى لسه في حد بيدير كل ده.
في اللحظة دي...
دخل عسكري يجري وهو بيقول
يا فندم... في حد برا المخزن عايز يقابل الأستاذ أحمد.
خرج أحمد مع الضابط.
كان واقف رجل كبير في السن، شكله بسيط، وماسك ظرف أبيض.
أول ما شاف أحمد، قال
أنا البواب القديم لعمارة عمك إسماعيل.
أحمد استغرب.
خير؟
ناول له الظرف وقال
قبل ما يموت بأيام، إداني الظرف ده، وقال لو في يوم حصل مشاكل بين العيلة بسبب الورث... سلمه لأحمد بنفسه، ومحدش غيره.
أخذ أحمد الظرف، وكانت إيده بترتعش.
فتحه ببطء.
كان بداخله خطاب قصير ومفتاح صغير.
قرأ أول سطر...
فاغرورقت عيناه بالدموع.
رفع رأسه للحاج عبدالرحمن وقال
عمي إسماعيل ماكانش خايف على الورث...
سكت لحظة.
ثم أكمل
كان خايف على العيلة من شخص قريب جدًا... وكان كاتب اسمه في آخر الخطاب.
اقترب الجميع في لهفة.
قلب أحمد الورقة ليقرأ الاسم...
لكن في نفس اللحظة، هبت رياح قوية من باب المخزن المفتوح، وخطفت الورقة من يده.
طار الخطاب خارج المخزن...
وجرى الجميع خلفه قبل أن يضيع، بينما ظل الاسم الذي كُتب في آخر سطر مجهولًا حتى تلك اللحظة... يتبع مرت أيام...
وبعد التحقيقات، الشرطة قدرت توصل للرجل الحقيقي اللي كان بيحرك كل الخيوط.
والمفاجأة...
إنه ماكانش واحد من العيلة، ولا قريب ليهم.
كان سمسار أراضي قديم، عرف من سنين إن عم إسماعيل كان مخبي مستندات تثبت ملكية قطعة أرض بقت تساوي ملايين، وحاول بكل الطرق يوصل لها قبل أصحابها الشرعيين.
استغل تهور يوسف، وأوقعه وسط مجموعة شباب، وخلاه ينقل
رسايل وطرود، وبعدها بدأ يهدده بأخوه كريم وأبوه سيد، لحد ما بقى يوسف بينفذ أوامره وهو مرعوب.
لما الشرطة واجهت يوسف بالأدلة، انهار واعترف بكل حاجة.
القضية اتقفلت، واتقبض على أفراد العصابة، ورجعت كل الأوراق لأصحابها.
بعد شهر...
وقف الحاج عبدالرحمن وجمع العيلة كلها.
قال وهو مبتسم
أنا خلاص كتبت كل حاجة بالعدل، ومحدش هيظلم حد بعد النهارده.
ثم بص ناحية هناء وبناتها وقال
وأحب أقول قدام الكل... البنات دول رفعوا راس العيلة.
مريم كانت أول واحدة تبرعت بالدم لكريم.
وحبيبة كانت تروح تذاكر لأولاد عمها قبل امتحاناتهم.
وجنى وملك كانوا كل يوم يزوروا جدهم ويهتموا بيه.
أما كريم...
فقام من مكانه، ومشى لحد بنات عمه، وقال
أنا كنت غلطان لما سمعت كلام ماما وسكت. من النهارده... إنتوا أخواتي بجد.
ابتسمت هناء، ودموعها نزلت من الفرحة.
أما نجلاء...
فوقفت قدام هناء، وأمام كل أفراد العائلة، وقالت
أنا عايرتك سنين لأن ربنا رزقك ببنات، وافتكرت إن الولد أحسن من البنت. النهارده بعترف إني كنت جاهلة، وربنا وراني إن قيمة الإنسان في أخلاقه، مش في كونه ولد أو بنت.
مسكت إيد هناء وقبلتها.
لكن هناء سحبت إيدها برفق، وحضنتها وهي بتقول
اللي فات خلاص فات... أهم حاجة إننا نبدأ صفحة جديدة.
انفجرت نجلاء في البكاء، وكانت دي أول مرة تبكي من قلبها.
بعد سنة...
اتخرجت مريم بتفوق، واتعينت في وظيفة محترمة.
وحبيبة دخلت كلية كانت بتحلم بيها.
وجنى وملك بقوا من أوائل المدرسة.
أما يوسف...
فبعد ما خلص عقوبته القانونية المخففة لتعاونه مع التحقيق، بدأ يشتغل مع أبوه سيد في الورشة، وقرر يبعد نهائي عن أي طريق غلط.
وكريم أجرى عملية القلب، والحمد لله نجحت، ورجع لحياته الطبيعية.
وفي يوم جمعة...
العيلة كلها كانت متجمعة على نفس السفرة.
الحاج عبدالرحمن بص حواليه، وابتسم وقال
فاكرين زمان لما كان في حد بيقول بكرة عمك يموت ونطلع نقعد في شقته؟
نجلاء نزلت رأسها في خجل.
لكن الحاج كمل وهو يضحك
الحمد لله... لا حد مات، ولا حد خد حق غيره، وربنا أصلح القلوب قبل ما يصلح البيوت.
ضحك الجميع.
ونظرت هناء إلى بناتها الأربع، ثم أمسكت يد أحمد.
قال لها بهدوء
فاكرة لما قلتلك إن ربنا رزقني بأربع نعم؟
ابتسمت وهي تنظر
لبناتها وقالت
دلوقتي عرفت إنهم كانوا أغلى نعمة في حياتنا.
وانتهت الحكاية، بعدما أثبتت الأيام أن الولد والبنت كلاهما رزق من الله، وأن الأخلاق والتربية هما الميراث الحقيقي الذي يبقى، أما السخرية والشماتة فلا يعودان إلا على صاحبهما.
تمت.

تم نسخ الرابط