سلفتي كانت بتعايرني بقلم ندي الجمل
كبير، وكل أفراد العيلة واقفين قدامه، ومافيش حد واقف لوحده.
تحت الرسمة كانت كاتبة بخط أطفال
العيلة بتفضل عيلة... لما القلوب تفضل صافية.
كريم مقدرش يمسك دموعه.
قال بصوت مبحوح
أنا عمري ما هنسى إنكم وقفتوا جنبي.
لكن...
بينما الجميع كان يظن أن الأزمة انتهت...
كان يوسف، أخوه الأصغر، واقف خارج المستشفى، بيتكلم في التليفون بصوت منخفض.
قال للشخص اللي بيكلمه
اطمن... محدش عرف حاجة لحد دلوقتي.
سكت لحظة...
ثم أكمل
ولو الحقيقة ظهرت... مش أنا لوحدي اللي هيتدمر.
وفي اللحظة نفسها...
كان أحمد خارج من مكتب المحامي، فسمع آخر جملة بالصدفة.
وقف مكانه...
والتفت ببطء ناحية يوسف.
أما يوسف...
فلما شاف عمه واقف خلفه، اتجمد في مكانه، ووقع الهاتف من إيده، بعدما أدرك أن السر الذي أخفاه طويلًا ربما انكشف أخيرًا... يتبع وصلوا كلهم قدام غرفة العناية، وأنفاسهم متلاحقة.
الدكتور خرج وهو ماسك الملف الطبي، وقال
متقلقوش... كريم فاق.
شهقت نجلاء وهي جريت ناحية الباب.
لكن الدكتور وقفها وقال
في حاجة أهم لازم تعرفوها الأول.
سيد قال بلهفة
قول يا دكتور.
رد الطبيب
الحالة مستقرة، لكن محتاج عملية دقيقة خلال أيام، ولازم تكون حالته النفسية هادية.
تنفست نجلاء الصعداء وهي بتحمد ربنا.
دخلت لكريم، لقيته فاتح عينه بالعافية.
أول ما شافها، دمعت عينه وقال
سامحيني يا أمي... أنا تعبتكم.
حضنته وهي بتبكي
أنت بس تقوم بالسلامة، وأنا مسامحاك على كل حاجة.
وقف أحمد وهناء عند الباب يطمنوا عليه، فقال كريم بصوت ضعيف
عمي أحمد...
اقترب أحمد.
قال كريم وهو بيبص لبنات هناء الواقفين ورا والدتهم
أنا كنت بسمع ماما وهي بتضايق طنط هناء... وساعات كنت بضحك معاها... حقكم عليا.
ابتسمت هناء وقالت
المهم إنك عرفت غلطك.
أما مريم فقالت
إحنا إخوات... واللي يعدي على واحد فينا، يوجعنا كلنا.
بكت نجلاء أكثر، وشعرت لأول مرة أن البنات اللاتي كانت تقلل منهن يملكن قلوبًا أكبر مما تخيلت.
في المساء...
رجعوا جميعًا إلى بيت الحاج عبدالرحمن.
الملف القديم ما زال على الطاولة كما تركوه.
قال الحاج
دلوقتي نكمل الكلام.
فتح الوصية مرة أخرى، وقال
أخويا إسماعيل كتب إنه باع قطعة أرض كبيرة قبل وفاته، وفلوسها
أول ما سمع أحمد الجملة، ابتسم.
أما نجلاء، فأحست كأن الكلمات موجهة إليها هي.
كمل الحاج
وكتب بخط إيده اللي يفرق بين ولد وبنت، عمره ما فهم معنى الرزق.
ساد صمت طويل.
ثم نظر الحاج إلى نجلاء وقال
شايفة؟ حتى أخويا من عشرين سنة كان فاهم اللي إنتِ رفضتي تفهميه.
انخفض رأس نجلاء في خجل شديد.
ولأول مرة منذ سنوات...
قامت من مكانها، واتجهت نحو هناء.
احتضنتها بقوة وهي تبكي، وقالت
أنا ظلمتك... وكل كلمة قولتها كانت هترجع تكسرني. ادعي ربنا يسامحني.
هناء ربّتت على كتفها وقالت
ربنا بيقبل توبة أي حد... المهم نتعلم من اللي فات.
في تلك اللحظة...
رن هاتف أحمد مرة أخرى.
نظر إلى الشاشة، ثم عقد حاجبيه.
المتصل كان شخصًا غريبًا.
رد، فسمع صوت رجل يقول بلهجة رسمية
حضرتك الأستاذ أحمد؟ معايا خبر بخصوص قطعة الأرض المذكورة في الوصية... وفي مستند جديد ظهر النهارده، ولو طلع صحيح، كل اللي اتقال من شوية هيتغير.
تبادل الجميع النظرات في ذهول...
أما الحاج عبدالرحمن، فأغمض عينيه وقال
واضح إن الحكاية لسه مخلصتش... يتبع أحمد وقف مكانه...
ما نطقش ولا كلمة.
بس عينه كانت ثابتة على يوسف.
يوسف انحنى بسرعة خد الموبايل من على الأرض، وحاول يبتسم وهو بيقول
عمي... حضرتك جيت إمتى؟
أحمد رد بهدوء غريب
من قبل ما تقول لو الحقيقة ظهرت... مش أنا لوحدي اللي هيتدمر.
اتجمد يوسف.
وحس إن رجليه مش شايلينه.
بلع ريقه وقال
أنا... أنا كنت بتكلم في موضوع تاني.
أحمد قرب منه خطوة.
بص في عيني وقولها.
يوسف مقدرش يرفع عينه.
وده كان كفاية لأحمد يعرف إن فيه حاجة مستخبية.
قال له
أنا مش هسألك دلوقتي... لكن من النهارده، أي كدبة هتقولها هتضيعك.
وسابه ومشي.
أما يوسف...
فأول ما اختفى أحمد من قدامه، طلع نفس طويل، واتصل بنفس الرقم مرة تانية.
لكن...
الخط كان مقفول.
بعد يومين...
رجع كريم البيت.
العيلة كلها كانت مستنياه.
حتى هناء وبناتها حضروا يستقبلوه.
ولأول مرة...
نجلاء وقفت قدام الجيران كلهم، وقالت بصوت عالي
أنا عايزة أشهدكم على حاجة.
الكل بص لها باستغراب.
لفت ناحية هناء، وقالت
أنا غلطت
الناس سكتت.
أما هناء، فاتكسفت من الموقف وقالت
خلاص يا نجلاء... اللي فات مات.
لكن نجلاء هزت رأسها.
لأ... لازم الكل يسمع. البنات نعمة... وأنا اتعلمت الدرس بعد ما شوفت ولادي بيضيعوا من بين إيديا.
بنات هناء اتأثروا جدًا.
أما الحاج عبدالرحمن...
فابتسم لأول مرة من أيام.
وقال
النهارده بس حسيت إن بيتي رجع بيت.
في الليل...
بينما الكل نايم...
سمع أحمد صوت باب العمارة بيتفتح بهدوء.
بص من البلكونة.
شاف يوسف خارج وهو بيبص حواليه بخوف.
استغرب.
لبس هدومه بسرعة، وقرر ينزل ويمشي وراه من غير ما يحس.
يوسف ركب تاكسي.
أحمد ركب عربيته ومشي على مسافة بعيدة.
بعد حوالي نص ساعة...
التاكسي وقف قدام مخزن قديم في منطقة صناعية هادية.
يوسف نزل.
وبعد دقيقة...
وقفت عربية سودا.
نزل منها رجل في الخمسينات، لابس بدلة، ووشه مخفي بنضارة سوداء.
ناول يوسف ظرفًا سميكًا.
وقال له بحدة
دي آخر مرة. لو فتحت بقك، هتدخل نفسك والكل في مصيبة.
يوسف رد بصوت مرتعش
أنا نفذت كل اللي طلبتوه.
الرجل قال
لسه... باقي أهم خطوة.
أحمد كان واقف بعيد، بيصور كل اللي بيحصل بموبايله.
لكن وهو بيرجع خطوة لورا...
داس على قطعة صاج صدئة.
صدر صوت عالي وسط سكون الليل.
الرجل التفت فجأة ناحية مصدر الصوت...
وصرخ
مين هناك؟!
وفي أقل من ثانية...
انطلقت عدة رجال من داخل المخزن يجروا في اتجاه أحمد، بينما يوسف وقف مكانه مصدوم، وعرف أن السر الذي حاول يدفنه بدأ يخرج للنور... يتبع أحمد جرى بأقصى سرعة بين المخازن.
أصوات خطوات الرجال كانت بتقرب.
لكن قبل ما يوصلوا له، ركب عربيته وانطلق بسرعة، وهو قلبه بيدق بعنف.
فضل يبص في المراية...
لحد ما اتأكد إن محدش بيمشي وراه.
أول ما وصل البيت، قفل على نفسه الأوضة، وفتح الفيديو اللي صوره.
كبر الصورة...
ووقف عند وش الرجل اللي سلّم يوسف الظرف.
وفجأة...
شهق.
وقال لنفسه
أنا شوفته قبل كده... بس فين؟
فضل يقلب في ذاكرته.
وفجأة افتكر.
الرجل ده...
كان موجود يوم خناقة يوسف الأولى.
وكان واقف بعيد بيتفرج، واختفى أول ما البوليس وصل.
يعني الموضوع كله...
ماكانش مجرد شقاوة عيال.
في صباح اليوم التالي...
استدعى
أول ما دخل، قفل الباب وقال
أنا شفتك امبارح.
اتجمد يوسف.
لكن حاول يمثل البراءة.
شوفتني فين؟
أحمد حط الموبايل قدامه.
وشغّل الفيديو.
أول ما يوسف شاف نفسه...
وشه اصفر.
وقع على الكرسي وهو بيقول
خلاص... أنا هقول كل حاجة.
أحمد قال بحزم
اتكلم.
يوسف بدأ يبكي.
من حوالي سنة... اتعرفت على شلة شباب أكبر مني. في الأول كانوا بيخلوني أوصل رسايل وطرود، وقالولي إنها شغل عادي.
سكت لحظة.
ثم أكمل
لما حاولت أبعد... هددوني. قالولي لو اتكلمت هيأذوا كريم... وأبويا.
أحمد سأله
والظرف اللي خدته امبارح؟
يوسف أخرج الظرف من شنطته، وحطه على الترابيزة.
أنا حتى مفتحتوش.
أحمد فتحه بحذر.
كان فيه مبلغ كبير من الفلوس...
ومعاه ورقة صغيرة مكتوب فيها
آخر مهمة... وبعدها تبقى حر.
نظر أحمد إلى يوسف وقال
آخر مهمة إيه؟
هز يوسف رأسه وهو يبكي.
معرفش... كانوا هيبلغوني النهارده.
في اللحظة دي...
رن موبايل يوسف.
ظهر نفس الرقم المجهول.
نظر يوسف لأحمد بخوف.
قال أحمد
رد... وخلي السماعة مفتوحة.
ضغط يوسف على زر الرد، وهو يحاول يثبت صوته.
جاءه صوت الرجل البارد
الميعاد اتغير... الليلة الساعة عشرة. والمرة دي المطلوب منك تدخل بيت عمك أحمد...
اتسعت عينا يوسف.
أما أحمد...
فشعر بقشعريرة تسري في جسده.
لكن الصدمة الأكبر جاءت مع الجملة التالية...
وتجيب الملف الأزرق القديم... بأي طريقة.
نظر أحمد إلى يوسف في ذهول.
إذن...
كل ما حدث من مشاكل، والوصية، والملفات القديمة...
لم يكن صدفة، بل كان هناك من يراقب العائلة منذ البداية، ويسعى للوصول إلى ذلك الملف مهما كان الثمن.
يتبع...نظر أحمد إلى يوسف، وقال بصوت منخفض
من اللحظة دي... هنعمل اللي هما عايزينه، لكن بطريقتنا.
يوسف بلع ريقه وقال
يعني إيه؟
ابتسم أحمد ابتسامة هادئة لأول مرة.
يعني هنخليهم يفتكروا إنك لسه معاهم... وفي نفس الوقت نعرف هما مين.
في المساء...
جمع أحمد أبوه وسيد وهناء في الصالون.
وحكى لهم كل اللي حصل.
سيد اتعصب وقام من مكانه.
أنا هروح أمسك الواد ده بنفسي.
لكن الحاج عبدالرحمن وقف قدامه وقال
لو خرجت دلوقتي بعصبيتك... هتضيع ابنك.
أما هناء، فكانت أول واحدة قالت
لازم نبلغ الشرطة.
أحمد هز رأسه.
بلغت
الساعة كانت عشرة إلا ربع.
البيت كله مطفي أنواره، كأنه فاضي.
أما الملف الأزرق...
فكان موجود فوق المكتب.
أو على الأقل...
ده اللي أي حد يشوفه هيفتكره.
لكن الحقيقة...
إن أحمد بدل الملف الأصلي