سلفتي كانت بتعايرني بقلم ندي الجمل
سلفتي كانت بتعايرني بخلفة البنات... وكانت كل ما تشوفني تنادي على واحد من ولادها وتضحك وهي بتقول يا واد... بكرة عمك يموت ونطلع نقعد في شقته الحلوة اللي فوق دي.
كنت كل مرة أسمع الكلام ده وأسكت... وأقول يمكن ربنا يهديها.
أنا أم لأربع بنات، وربنا ما رزقنيش أنا وجوزي بولد، لكن والله رزقنا ببنات متربين أحسن تربية، متعلمين أحسن تعليم، وبيتنا كله حب وراحة. ربنا كرم جوزي في شغله، وعايشين الحمد لله في خير من فضله.
أما سلفتي... فرغم إن ربنا رزقها بثلاثة ولاد، عمرها ما كانت مرتاحة. جوزها عصبي وطباعه صعبة، ومع ذلك كانت شايفة إن مجرد إن عندها ولاد يخليها أحسن مني.
كانت أول ما تشوفني تقول بصوت عالي قدام الناس أهي أم البنات وصلت! وأوقات تانية تقول يا خايبة... معرفتيش تجيبي حتى عيل يفرح قلب جوزك. وتكمل وهي بتبص على بيتي جوزك هيضيع العمر ده كله، وفي الآخر العز ده هيروح للبنات ويضيع.
كل كلمة كانت بتوجعني... لكن عمري ما رديت عليها، لأني كنت مؤمنة إن الأيام هي اللي بترد، وربنا عمره ما بيضيع حق حد.
في كل مرة كانت هناء تنزل من شقتها، كانت تسمع نفس الجملة اللي بقت تحفظها عن ظهر قلب.
نجلاء، سلفتها، كانت واقفة على باب شقتها، أول ما تشوفها تنادي على ابنها الكبير
يا كريم... تعالى يا حبيبي. بص... بكرة عمك أحمد يموت ونطلع نقعد في شقته الحلوة اللي فوق دي.
وتضحك بصوت عالي، كأنها بتقصد إن هناء لازم تسمع.
هناء كانت تبتسم ابتسامة باهتة وتمشي، ولا كأنها سمعت حاجة.
لكن جواها... كانت كل كلمة بتوجع.
مش عشان نفسها...
عشان بناتها.
كانت أم لأربع بنات مريم، وحبيبة، وجنى، وملك.
ربتهم أحسن تربية، وعلمتهم في مدارس كويسة، وبيتها كان مليان حب وهدوء.
وجوزها أحمد كان راجل ناجح، ربنا فتحها عليه في شغله، وعمره ما حسسها يوم إن عدم إنجاب ولد كان نقص.
كان دايمًا يقول لها
أنا ربنا رزقني بأربع نعم... وكل واحدة فيهم بالدنيا.
لكن نجلاء كان عندها رأي تاني.
كانت كل ما تقابل هناء تقول بصوت يسمعه اللي رايح واللي جاي
أهي يا أم البنات.
ولو لقت حد واقف، تكمل وهي تضحك
يا خايبة... معرفتيش تجيبي حتى عيل يفرح قلب جوزك.
وأوقات تبص على شقة أحمد
كل العز ده هيروح للبنات... وفي الآخر هيضيع.
هناء كانت بتسكت.
مش ضعف...
لكن لأنها كانت مؤمنة إن ربنا شايف كل حاجة.
أما أحمد، فكان كل ما يعرف بالكلام ده يغضب جدًا.
لكن هناء كانت تمسك إيده وتقول
سيبها يا أحمد... الأيام عمرها ما سابت حد.
وكل مرة كان يرد عليها
أنا مستني اليوم اللي تعرف فيه إن البنت نعمة... ويمكن تكون سند أكتر من ألف ولد.
لكن محدش كان يعرف...
إن الأيام كانت فعلًا بتحضر مفاجأة كبيرة، ومش لهناء وبناتها بس...
ل نجلاء نفسها، والوجع هييجي لها من أقرب الناس لقلبها.
حكايات_ندى_الجمل
في يوم الجمعة، كانت العيلة كلها متجمعة عند الحاج عبدالرحمن، والد أحمد وسيد.
البيت كان مليان دوشة، والأحفاد بيجروا في كل حتة.
كانت ملك، أصغر بنات هناء، قاعدة جنب جدها بتقراه من المصحف بصوت هادي، بينما مريم كانت بتحضر الشاي، وحبيبة وجنى بيساعدوا في تجهيز الغدا.
الحاج عبدالرحمن بص لهم بابتسامة وقال
ربنا يباركلي فيكم يا بناتي... والله إنتوا زينة البيت.
قبل ما هناء ترد، دخلت نجلاء وهي بتضحك وقالت بسخرية
أهو كله بنات... لكن في الآخر اسم العيلة هيقطعه مين؟
سكت المكان كله.
أحمد رفع عينه وقال بهدوء
اسم العيلة بيعيش بالأخلاق يا نجلاء... مش بنوع المولود.
لكن نجلاء مردتش، وقعدت تكمل كلامها وهي بتبص لأولادها
الحمد لله إني مخلفتش غير رجالة... الرجالة هي السند.
الحاج عبدالرحمن اتضايق من كلامها، لكنه غير الموضوع.
بعد الغدا، سمعوا صوت خناق برا البيت.
خرجوا كلهم يجروا.
لقوا يوسف ابن نجلاء ماسك في خناقة مع شابين في الشارع، والناس بتحاول تبعد بينهم.
وسيد، أبوه، نزل يجري وضربه بالقلم قدام الناس وهو بيزعق
كل يوم فضيحة شكل!
يوسف زق أبوه بعصبية وقال
سيبني في حالي... أنا حر!
الكلمة نزلت على سيد زي الصاعقة.
أما نجلاء، فوقفت تدافع عن ابنها وتقول
لسه صغير.
رد عليها واحد من الجيران
صغير إيه يا مدام؟ ده بقاله شهور عامل مشاكل مع نص المنطقة.
هناء أخدت بناتها وطلعت من غير ما تتكلم.
وفي الليل، وهي قاعدة مع أحمد في البلكونة، قالت بحزن
أنا عمري ما فرقت معايا ولد ولا بنت... نفسي الناس تبطل تبص للبنات كأنهم أقل.
أحمد
اصبري يا هناء... الأيام لسه مخبية كتير.
وفعلًا...
بعد أقل من أسبوع، حصلت حاجة قلبت حياة نجلاء كلها، وخليتها لأول مرة تتمنى لو الزمن يرجع بيها، وما كانتش عايرت هناء ولا مرة.
حكايات_ندى_الجمل
مين عايز يكملها ؟؟
صلي على النبي في بعد أقل من أسبوع...
الساعة كانت داخلة على اتنين بعد نص الليل، لما صوت خبط عنيف على باب شقة نجلاء صحّى العمارة كلها.
سيد فتح الباب مفزوع، لقى اتنين من رجال المباحث واقفين.
قال أحدهم بجدية يوسف ابنك موجود؟
اتبدل لون وش نجلاء وهي بتقرب منهم بسرعة. في إيه؟ حصل إيه؟
رد الضابط في بلاغ ضده، ولازم ييجي معانا.
يوسف خرج من أوضته وهو متضايق، وقال بعصبية أنا معملتش حاجة.
لكن أول ما سمع تفاصيل البلاغ... سكت.
نجلاء فضلت تصرخ ابني محترم! أكيد في حد بيكدب عليه!
الجيران كانوا فاتحين الأبواب، وكل واحد بيبص من عنده.
والمشهد اللي كانت هناء دايمًا تخاف تعيشه...
بقى قدام نجلاء.
سيد لبس هدومه بسرعة، وخرج مع ابنه، بينما نجلاء وقفت في مدخل العمارة تبكي وهي بتنادي يوسف... متخافش يا حبيبي.
في الوقت ده...
هناء كانت واقفة ورا باب شقتها.
سمعت كل حاجة.
بصت لأحمد وقالت بحزن ربنا يسترها عليهم.
أحمد رد بهدوء مهما عملت فيكي... دي في الآخر مرات أخويا.
في الصباح، الخبر انتشر في المنطقة كلها.
كل واحد كان بيحكي رواية مختلفة.
اللي يقول خناقة كبيرة... واللي يقول إصابة شاب... واللي يقول إن الموضوع ممكن يوصل للمحكمة.
ونجلاء لأول مرة نزلت من شقتها...
من غير مكياج... ولا صوت عالي... ولا ضحكة سخرية.
كانت ماشية وراسها في الأرض.
ولما عدت من قدام هناء...
رفعت عينها للحظة.
لكنها مقدرتش تقول ولا كلمة.
أما هناء، فاكتفت إنها قالت بهدوء ربنا يفك كربكم.
الجملة كانت بسيطة...
لكنها هزت نجلاء من جواها.
لأنها افتكرت كل مرة وقفت فيها قدام نفس الباب وهي بتضحك وتقول يا كريم... بكرة عمك يموت ونطلع نقعد في شقته.
وفي نفس اليوم...
وصل اتصال لسيد من المدرسة.
المدير طلب حضوره فورًا بسبب ابنه الأوسط، عمر.
سيد راح وهو فاكر إن الموضوع مجرد مشكلة بسيطة.
لكن أول ما دخل مكتب المدير...
شاف عمر قاعد، ووشه شاحب.
وقدامه ورقة...
وأول ما سيد قرأ أول سطر فيها، حس إن الأرض بتميد بيه.
رفع عينه ناحية ابنه وهو بيقول بصوت مرتعش إيه اللي أنت عملته ده يا عمر؟!
عمر نزل راسه من غير ما ينطق.
وسيد لأول مرة حس إن المشاكل اللي كان بيعتبرها شقاوة ولاد بدأت تتحول لكارثة حقيقية...
وفي نفس اللحظة، كان الحاج عبدالرحمن ماسك صدره في البيت بعد ما وصله جزء من الأخبار، وقال بصوت متعب
أنا لازم أجمع العيلة كلها... في حاجات لازم تتقال... قبل ما يبقى الوقت فات.
ولم يكن أحد يعلم...
أن الاجتماع القادم سيكشف سرًا قديمًا احتفظ به الحاج عبدالرحمن لسنوات، وسيتسبب في صدمة ستغيّر علاقة الإخوة ببعضهم إلى الأبد في مساء اليوم التالي...
وصل أحمد وأخوه سيد بيت الحاج عبدالرحمن بدري عن الميعاد.
الغريب...
إن أبوهم كان طالب إن الاجتماع يبقى من غير أولاد.
ولما نجلاء سألت باستغراب إيه يعني؟ حتى كريم ويوسف ميحضروش؟
رد الحاج عبدالرحمن بحزم لأول مرة قلت الكبار بس.
نجلاء استغربت نبرة صوته، لكنها سكتت.
بعد دقائق، كان الجميع قاعدين في الصالون.
الهدوء كان تقيل...
لدرجة إن صوت ساعة الحائط كان أوضح من أنفاسهم.
الحاج عبدالرحمن بص لأولاده طويل، وقال
قبل ما أتكلم... عايز كل واحد يسمعني للآخر، ومحدش يقاطعني.
أحمد هز رأسه.
أما سيد، فكان واضح عليه الإرهاق بعد اللي حصل مع يوسف.
الحاج تنهد وقال
أنا كبرت... وصحتي مبقتش زي الأول... وعشان كده قررت أكتب كل أملاكي رسمي.
أول ما سمعوا الجملة...
اتبدلت ملامح نجلاء.
وبدون ما تحس، بصت ناحية أحمد... ثم ناحية شقته اللي فوق.
وفي عقلها مرت نفس الجملة اللي كانت بتكررها سنين
بكرة عمك يموت ونطلع نقعد في شقته.
لكن اللي قاله الحاج بعدها...
كان خارج كل توقعاتها.
الشقة اللي فوق... باسم أحمد من أكتر من خمس سنين.
شهقت نجلاء.
وسيد لف ناحية أخوه بدهشة إزاي؟
الحاج بهدوء رد يوم ما أحمد صرف كل تحويشة عمره على علاجي وسدد ديوني... كتبتها باسمه، وهو رفض يقول لحد.
أحمد حاول يقاطع يا حاج...
لكن أبوه رفع إيده.
اسكت... النهارده لازم الحقيقة تتقال.
نظر ناحية سيد وقال
وأنت كمان يا سيد... الورشة الكبيرة باسمك من سبع سنين، وأرض البلد اتقسمت
نجلاء اتلخبطت.
يعني...
كل الأحلام اللي كانت بتبنيها على شقة أحمد...
كانت مستحيلة من الأساس.
لكن الصدمة الحقيقية...
ما كانتش هنا.