سلفتي كانت بتعايرني بقلم ندي الجمل
الحاج عبدالرحمن مد إيده داخل درج صغير جنب الكرسي.
طلع ملف أزرق قديم...
وحطه قدامه على الترابيزة.
وقال بصوت هادئ
وده... السبب الحقيقي اللي جمعتكم عشانه.
فتح الملف ببطء...
وأخرج مجموعة صور، وعقدًا قديمًا، وخطابًا اصفرّ من الزمن.
ثم رفع عينه ناحية نجلاء وقال
الكلام اللي كنتِ بتقوليه كل يوم عن البنات... خلاني مقدرش أسكت أكتر من كده.
اتسعت عيناها.
يعني إيه؟
الحاج أمسك الخطاب بين إيده، وقال
الورقة دي... لو اتقرت الليلة... هتغيّر حياة واحد فيكم للأبد.
ثم نظر مباشرة إلى أحمد...
وقال
ابدأ اقرأ... من أول سطر.
مد أحمد يده وهو يشعر بأن قلبه يخبط بعنف...
لكن قبل أن ينطق بكلمة واحدة...
دوّى صوت صراخ هستيري قادم من خارج البيت.
صوت نجلاء وهي تجري ناحية الباب وتصرخ
يوسف... يا نهار أسود... يوسف عمل إيه؟!
قفز الجميع من أماكنهم، وجروا ناحية الخارج...
وهناك...
رأوا مشهدًا جعل الحاج عبدالرحمن يسقط العصا من يده، وتجمد أحمد وسيد في أماكنهما، بينما وضعت هناء يدها على فمها من شدة الصدمة...يتبع تجمد الكل في مكانه...
قدام باب البيت كانت عربية إسعاف واقفة، وحواليها ناس كتير من الجيران.
يوسف كان واقف، لكن وشه شاحب، وهدومه عليها تراب، وعينيه مليانين خوف لأول مرة.
أول ما شاف أبوه، جرى عليه وقال بصوت متقطع
والله يا بابا... أنا مقصدتش... والله ما كنت أقصد.
سيد مسكه من كتفه بعنف تقصد إيه؟! اتكلم!
رد يوسف وهو بيرتعش أنا... أنا كنت مع صحابي... وحصلت خناقة... و...
قبل ما يكمل...
خرج مسعف من العربية وقال لو سمحتوا ابعدوا... الحالة محتاجة تتحرك فورًا.
كل الأنظار راحت ناحية النقالة.
لكن الصدمة...
إن المصاب ماكنش يوسف.
كان كريم... الابن الكبير لنجلاء.
رأسه ملفوف بالشاش، ووشه كله كدمات، وعينه مقفولة.
نجلاء صرخت وهي ترتمي عليه ابني... جرالك إيه؟!
المسعف حاول يبعدها وقال لو سمحتي... كل ثانية بتفرق.
العربية اتحركت بسرعة.
ونجلاء ركبت فيها وهي بتبكي، وسيد جرى وراها.
أما يوسف...
فضل واقف مكانه، لأول مرة مكسور، والدموع بتنزل من عينه.
هناء قربت منه بهدوء، ومدت له زجاجة مية.
بصلها باستغراب.
دي نفس الست...
اللي أمه فضلت سنين تجرحها بكلامها.
ومع ذلك...
هي الوحيدة اللي وقفت جنبه.
خفض رأسه
هناء مردتش.
اكتفت إنها قالت ادعي لأخوك.
في المستشفى...
الأطباء دخلوا كريم غرفة العمليات.
والدقائق كانت بتمر كأنها ساعات.
نجلاء كانت قاعدة على الأرض، بتضرب على صدرها وتبكي يارب... خد عمري وسيبهولي.
الحاج عبدالرحمن كان ساكت.
باصص في الأرض.
وفجأة قال بصوت مكسور
دلوقتي عرفتي يعني إيه وجع الأم؟
رفعت نجلاء عينيها له.
فكمل
اللي كان بيوجع هناء كل مرة تعايريها ببناتها... هو نفس الوجع اللي حاسة بيه دلوقتي... الفرق إن هناء عمرها ما دعت عليكي.
نجلاء انفجرت في البكاء.
ولأول مرة...
قامت من مكانها، ومشت لحد هناء.
وقفت قدامها ثواني طويلة...
ثم انحنت تمسك إيديها، وهي بتقول بصوت مخنوق
سامحيني... أنا ظلمتك سنين.
لكن قبل أن ترد هناء...
خرج الطبيب من غرفة العمليات.
والكل وقف مرة واحدة.
خلع الكمامة، وقال بملامح جادة
الحمد لله... قدرنا ننقذه.
تنفس الجميع الصعداء.
لكن الطبيب أكمل الجملة التي أعادت الرعب إلى القلوب
في حاجة لازم تعرفوها... لأن اللي لقيناه أثناء الفحوصات... ماكانش بسبب الحادث أصلًا.
نظر سيد بقلق وقال
يعني إيه؟
فتح الطبيب الملف الطبي، وقال
ابنكم كان عايش من سنين وهو عنده مشكلة خطيرة... ولو ما اتعالجتش بسرعة، حياته هتكون في خطر.
ساد صمت ثقيل...
ونجلاء شعرت أن الكارثة الحقيقية لم تبدأ بعد، وأن الأيام ما زالت تخبئ لها اختبارًا أصعب بكثير... يتبع الرجل دخل بخطوات بطيئة...
وكان واضح إنه متردد.
ضم الملف لصدره، وقال وهو بيبص للحاج عبدالرحمن
ممكن نتكلم لوحدنا؟
لكن الحاج عبدالرحمن هز رأسه وقال
لأ... اللي هيتقال، الكل يسمعه.
ساد صمت ثقيل.
فتح الرجل الملف، وأخرج منه مجموعة أوراق قديمة.
ثم قال
أنا المحامي اللي كان بيتولى أملاك أخوك الله يرحمه... عم إسماعيل.
اتسعت عينا الحاج عبدالرحمن.
أما أحمد وسيد، فبصوا لبعض باستغراب.
قال أحمد
إحنا مالنا بعمي إسماعيل؟ ده مات من أكتر من عشرين سنة.
تنهد الرجل وقال
قبل وفاته بأيام، كتب وصية... لكن حصلت ظروف خلت تنفيذها يتأجل، وبعدها سافرت بره مصر سنين طويلة. ولما رجعت، فضلت أدور عليكم لحد ما وصلت.
نجلاء، رغم همها على ابنها، قربت تسمع.
سأل سيد
وصية إيه؟
أخرج الرجل ظرفًا مختومًا، وقال
الوصية دي فيها
الحاج عبدالرحمن مد إيده وهو بيترعش.
فتح الظرف...
وبدأ يقرأ في صمت.
وفجأة...
اتغير لون وشه.
رفع عينه ناحية أحمد.
ثم ناحية سيد.
ثم قال بصوت مخنوق
أنا... أنا محتاج أقعد.
أحمد جرى عليه وأسنده.
قال بقلق
في إيه يا حاج؟
لكن الحاج عبدالرحمن لم يرد.
بل سلّم الورقة لأحمد.
قرأ أحمد أول سطر...
ثم شهق.
وسقطت الورقة من إيده.
سيد خطفها بسرعة.
وما إن قرأها...
حتى رجع خطوة للخلف وهو يقول
مستحيل...
نجلاء صرخت
حد يفهمني! إيه اللي مكتوب؟
لكن قبل أن يجيبها أحد...
رن هاتف أحمد.
نظر إلى الشاشة.
كان الرقم من غرفة العناية المركزة.
رد بسرعة.
ظل يستمع لثوانٍ...
ثم تغيرت ملامحه تمامًا.
قال بصوت مرتجف
إحنا جايين حالًا.
أغلق الهاتف.
نظر إلى الجميع وقال
الدكتور طالب كل الأسرة... حالًا.
تركوا الوصية والملف كما هما، وجروا نحو غرفة العناية.
وكان في انتظارهم خبر جديد...
خبر جعل الوصية، وكل ما كُتب فيها، يبدو أقل أهمية مما سيعرفونه بعد لحظات... يتبع مرّت ساعات طويلة...
ونجلاء قاعدة قدام غرفة العناية المركزة، عنيها ناشفة من كتر العياط.
كل شوية تبص على الباب، مستنية أي دكتور يخرج يطمنها.
أخيرًا خرج الطبيب، وقال
الحالة مستقرة... لكن لازم نبدأ العلاج في أسرع وقت.
سيد سأله بقلق علاج إيه يا دكتور؟
فتح الطبيب الأشعة والتحاليل، وقال
إحنا اكتشفنا بالصدفة إن عنده مشكلة خلقية في القلب، وكانت ساكتة سنين. الحادث هو اللي خلانا نكتشفها.
نجلاء حطت إيديها على وشها.
يعني ابني كان ممكن...؟
الدكتور هز رأسه وقال
الحمد لله إنها اتعرفت دلوقتي، لكن التأخير هيكون خطر.
خرج الطبيب، وسابهم في صدمة.
وفي اللحظة دي...
لف الحاج عبدالرحمن ناحية نجلاء وقال بهدوء
فاكرة لما كنتِ تقولي الرجالة هي السند؟
نزلت دموعها وهي ساكتة.
قال
السند مش ولد ولا بنت... السند تربية.
في نفس الوقت...
كانت هناء قاعدة مع بناتها في البيت.
أول ما عرفوا إن كريم محتاج نقل دم بشكل عاجل، قامت مريم بسرعة وقالت
أنا فصيلة دمي زي كريم.
قالت حبيبة
وأنا كمان هروح أعمل تحليل... يمكن أكون مناسبة.
هناء بصتلهم بفخر، وقالت
ربنا يبارك فيكم.
وصلوا المستشفى.
ولما نجلاء شافت بنات هناء داخلين، افتكرت كل مرة
افتكرت وهي بتقول
أهي أم البنات.
وافتكرت وهي تضحك
العز ده هيضيع.
لكن النهارده...
البنات اللي كانت بتستهين بيهم، هما أول ناس جريوا يساعدوا ابنها.
وقفت قدام مريم، ولسانها تقيل.
قالت بصوت مكسور
إنتِ جاية... عشان كريم؟
ابتسمت مريم في هدوء
ده ابن عمي... وإحنا أهل.
نجلاء مقدرتش ترد.
فضلت تبكي.
لكن في نفس اللحظة...
خرج ممرض يجري وهو بينادي
مين من أهل المريض سيد عبدالرحمن؟
سيد جرى ناحيته.
الممرض قال بسرعة
في واحد وصل دلوقتي، وبيقول معاه ورق مهم جدًا يخص كريم... ولازم يشوفكم حالًا.
الكل بص ناحية باب المستشفى.
كان فيه رجل كبير في السن، ماسك ملف بني قديم، وعلامات التوتر باينة على وشه.
أول ما شاف الحاج عبدالرحمن...
قال جملة خلت ملامحه تتغير تمامًا
أنا آسف إني اتأخرت كل السنين دي... لكن الحقيقة لازم تتقال النهارده... قبل ما يبقى فات الأوان.
وتجمد الجميع في أماكنهم، بينما الحاج عبدالرحمن حدق في الرجل بصدمة، وكأنه يعرفه منذ سنوات... يتبع في صباح اليوم التالي...
خرج أحمد بدري، ومعاه الحاج عبدالرحمن، وراحوا يقابلوا المحامي اللي اتصل.
أول ما دخلوا المكتب، حط المحامي ملف جديد على الترابيزة وقال
أنا فضلت أراجع الأوراق طول الليل... واكتشفت إن في مستند كان متسجل في الشهر العقاري، لكنه ما اتضافش للملف القديم.
الحاج عبدالرحمن اتوتر وقال
خير يا أستاذ؟
فتح المحامي الورقة وقال
أخوك إسماعيل قبل وفاته كتب شرط واضح... إن الأرض وفلوسها تتقسم على كل أحفاد العيلة، مش على الأولاد بس.
ابتسم أحمد وقال
يعني بناتي ليهم حق زي ولاد أخويا.
المحامي هز رأسه.
بالضبط... ومكتوب بالنص لا يُفرَّق بين حفيد وحفيدة، فكلهم من دمي.
في اللحظة دي...
الحاج عبدالرحمن دمعت عينه.
وقال
الله يرحمك يا إسماعيل... حتى بعد وفاتك علمتنا درس.
في نفس الوقت...
كانت نجلاء قاعدة في المستشفى جنب كريم.
أول ما دخل سيد، حكى لها اللي حصل.
فضلت ساكتة شوية...
وبعدين قالت وهي بتبكي
ربنا بيوريني غلطاتي واحدة واحدة.
سيد لأول مرة قالها بمنتهى الهدوء
الغلط مش إن ربنا رزقنا بولاد... الغلط إننا افتكرنا إنهم أحسن من البنات.
نجلاء هزت رأسها.
أنا كسرت قلب هناء سنين... وكل كلمة قولتها رجعتلي أضعاف.
بعد يومين.
خرج كريم من العناية إلى غرفة عادية.
وأول ناس دخلوا يزوروه...
كانوا مريم، وحبيبة، وجنى، وملك.
ملك، الصغيرة، دخلت وهي ماسكة في إيدها رسمة.
ناولتها لكريم وقالت بابتسامة
دي ليك... عشان تخف بسرعة.
بص كريم للرسمة...
كان فيها بيت