قبل ماامضي

لمحة نيوز

هذا المكان وقف كريم مكانه كأنه شاف شبح.
الرجل قرب من الترابيزة بهدوء، وحط ملف بني قدامنا.
قال أنا آسف إني جيت من غير ميعاد... لكن واضح إن الوقت خلص.
كريم حاول يقاطعه.
حضرتك أكيد غلطان.
الرجل ابتسم ابتسامة باردة.
أنا عمري ما بغلط في الوجوه... خصوصًا لما يكون الشخص مدينلي بمبالغ كبيرة.
ياسمين بصت بينه وبين كريم وهي مش فاهمة.
قالت مين حضرتك؟
رد اسمي حسام... وكنت شريك سابق لكريم.
كلمة شريك وقعت على ياسمين كالصاعقة.
التفتت لكريم.
إنت قلتلي إن أول شركة اشتغلت فيها قفلت بسبب ظروف السوق.
حسام هز رأسه.
لا... الشركة ما قفلتش بسبب السوق.
وسحب ورقة من الملف.
قفلت لأن كريم سحب فلوس المستثمرين واختفى.
شهقت ياسمين.
أما كريم، فكان بيضغط على إيده لدرجة إن عروقه بانت.
قال بعصبية كل ده قديم.
رد حسام القديم بيرجع... خصوصًا لما الديون تفضل من غير سداد.
فتح الملف قدامنا.
كان فيه صور لإيصالات تحويلات...
وعقود...
ورسائل إلكترونية.
كلها باسم كريم.
وفجأة وقعت عيني على اسم مألوف.
اسم شركتي.
اتسعت عيني.
قلت إيه علاقة شركتي بالملف ده؟
حسام بصلي وقال لأن كريم كان بيقول لكل المستثمرين إن بعد الجواز هيبقى شريك في شركتك... وإن رأس مال شركتك هيكون الضمان.
لفيت وشي ناحية كريم.
يعني كنت بتبيع اسم شركتي للناس؟
ما ردش.
ياسمين بدأت دموعها تنزل.
قالت بصوت مكسور رد عليها.
لكنه فضل ساكت.
في اللحظة دي، رن موبايل حسام.
رد بسرعة، وبعد ثواني اتغيرت ملامحه.
قفل المكالمة، وبص مباشرة لكريم.
وقال جملة خلت الكافيه كله يسكت
واضح إنهم وصلوا.
قطبت حاجبي.
مين؟
حسام بص ناحية باب الكافيه.
الناس اللي كريم كان بيهرب منهم بقاله شهور.
استدرنا كلنا ناحية الباب...
وفي نفس اللحظة، دخل ثلاثة رجال بملابس رسمية، يتلفتون في المكان وكأنهم يبحثون عن شخص بعينه.
أما كريم...
فأول ما شافهم، تراجع خطوة للخلف، ثم همس بصوت مرتجف
إزاي عرفوا إني هنا؟
ولأول مرة، شعرت أن المواجهة الحقيقية
لم تبدأ بعد... وأن ما سيحدث في الدقائق القادمة سيكشف أسرارًا لم يكن أحد يتخيلها الرجالة التلاتة وقفوا عند الباب، وبعينهم بيدوروا في كل ركن.
أول ما وقعت عيونهم على كريم...
واحد منهم أشار بإيده.
هو ده.
اتغير لون وش كريم تمامًا.
بص لياسمين بسرعة، وقال بصوت واطي
قومي... يلا نمشي.
لكنها رجعت لورا خطوة.
وقالت لأول مرة بحزم
مش هتحرك قبل ما أفهم.
الراجل الأكبر فيهم قرب من الترابيزة، ومد بطاقة تعريف.
وقال بهدوء
إحنا مش جايين نعمل مشكلة... لكن عندنا أسئلة لازم الأستاذ كريم يجاوب عليها.
كريم حاول يضحك.
أكيد في سوء تفاهم.
الراجل فتح ملف صغير كان في إيده.
وقال
يمكن... لكن عندنا خمس شكاوى من مستثمرين مختلفين.
بصيت لياسمين.
كانت ماسكة طرف الكرسي بإيديها الاتنين، ووشها شاحب.
الراجل كمل
وفي كل شكوى... اسم والدتك اتذكر.
التفتت الأنظار كلها ناحيتي.
قلت باستغراب
أنا؟
هز رأسه.
المشتكين قالوا إنهم وافقوا يسلموا فلوسهم بعد ما الأستاذ كريم أكد لهم إن حماته صاحبة شركة كبيرة، وإنها ضامنة لكل المشروعات.
حسام فتح الملف اللي معاه بسرعة.
وقال
وده نفس اللي كنت بحاول أقوله.
حسيت بغصة في قلبي.
اسمي...
واسم أحمد...
والشركة اللي تعبت فيها عمر كامل...
كل ده كان بيتباع للناس من غير حتى ما أعرف.
لكن المفاجأة الأكبر حصلت بعدها بثواني.
أحد الرجال أخرج ظرفًا أبيض.
وقال
وده وصلنا النهارده.
فتح الظرف، وطلع منه صورة.
بمجرد ما بصيت فيها...
اتسمرت مكاني.
كانت صورة قديمة جدًا...
أنا... وأحمد...
وكريم واقف وراينا.
الصورة دي اتصورت من أكتر من عشر سنين...
قبل ما ياسمين أصلًا تعرف كريم.
همست من غير ما أحس
مستحيل...
بصلي الراجل باستغراب.
إنتِ تعرفيه من زمان؟
رفعت الصورة بإيديا المرتعشة.
ولأول مرة افتكرت فين شفت الوش ده.
كان شابًا صغيرًا بييجي مع مقاول كان بيتعامل مع أحمد في أحد المشروعات.
وقتها أحمد قال جملة نسيتها سنين
خلي بالك من الواد ده... عينه مش على الشغل.
.. عينه على الناس اللي معاهم فلوس.
رجعت للحاضر وأنا ببص لكريم.
هو كمان عرف من نظرتي إني افتكرت.
لكن قبل ما ينطق بأي كلمة...
رن هاتفه.
بص للشاشة...
وفجأة اختفى آخر ذرة ثبات كانت باقية فيه.
همس
أبويا...
رفع السماعة، وما إن سمع أول جملة، حتى وقع الهاتف من يده على الأرض...
وتجمد في مكانه، بينما تغيرت ملامحه وكأنه تلقى خبرًا سيقلب كل ما تبقى من حياته انحنى كريم بسرعة يلقط الموبايل من على الأرض.
إيده كانت بترتعش.
فتح السماعة تاني، وكل اللي قاله
إزاي؟... إمتى حصل؟
فضل ساكت يسمع، وبعدها قفل الخط من غير حتى ما يودع.
ياسمين قامت من مكانها.
في إيه؟
بلع ريقه بصعوبة.
وقال
البيت... البنك حجز عليه.
ساد صمت غريب.
الراجل اللي كان مع الملف قال بهدوء
مش البيت بس.
وطلع ورقة تانية.
الحسابات كمان اتحفظ عليها.
كريم بصله بذهول.
إنتوا إزاي عرفتوا؟
رد
لأن الإجراءات بدأت من أسبوع... وإنت كنت بتهرب من استلام الإخطارات.
بصيت لياسمين.
كانت ملامحها بتتكسر قدامي.
قالت بصوت مخنوق
يعني كل مرة كنت تقولي إن كل حاجة تمام...
ما ردش.
ولما كنت تطلب من ماما فلوس...
برضه ما ردش.
لكن اللي خلاني أنتبه فعلًا...
إن كريم فجأة بص ناحيتي.
مش لياسمين.
ليا أنا.
وقال
أنا ممكن أصلح كل ده.
ابتسمت ببرود.
إزاي؟
قال بسرعة
لو رجعتي الضمان... وساعدتيني أعدي الأزمة دي... هسدد كل الديون.
ضحكت لأول مرة من قلبي.
لسه فاكر إن المشكلة فلوس؟
سناء، اللي كانت واقفة تتابع من بعيد، قربت وحطت ملف قدامي.
همست
وصل.
فتحت الملف.
كان فيه تقرير طلبته منها من يومين.
تقرير عن كل العقود اللي وقعها كريم خلال آخر سنة.
وأول صفحة كانت كفاية توقف قلبي.
في عقد بتاريخ قبل خطوبته بياسمين بشهرين...
مكتوب فيه بند واضح
سيتم سداد الالتزامات المالية فور إتمام الزواج من ابنة المهندسة فريدة...
رفعت عيني ببطء.
وبصيت لكريم.
كان عارف إني قريت الجملة.
وشه اصفر.
أما ياسمين...
فخدت العقد من إيدي.
وقرأت السطر
بنفسها.
وفجأة...
رفعت عينيها عليه، وقالت بصوت عمرها ما كلمته بيه قبل كده
يعني... أنا ماكنتش عروستك...
وسكتت لحظة، والدموع مالية عينيها.
...أنا كنت خطتك ساد صمت تقيل.
كريم فتح بقه كأنه هيقول أي حاجة تنقذه.
لكن ماطلعش منه غير
اسمعيني... الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
ياسمين رجعت خطوة لورا.
لأ... لأول مرة أنا فاهمة.
ورمت العقد على الترابيزة.
كل مرة كنت تقولي اصبري... مامتك هتساعدنا.
كل مرة كنت تزن عليا أكلمها.
كل مرة كنت تسألني عن أملاكها وشركتها وتأميناتها...
بصتله بوجع.
كنت بجاوبك وأنا فاكرة إن ده اهتمام.
سكت كريم.
لأن أي كلمة هيقولها هتبقى إدانة ليه.
في اللحظة دي، رن موبايلي.
كان رقم سناء.
رديت.
قالت بسرعة
فريدة... في حاجة حصلت دلوقتي.
اتقبض قلبي.
خير؟
قالت
فاكره التوكيل العام اللي كريم حاول يقنعك تمضيه قبل شهر؟
افتكرته فورًا.
كان قال وقتها إنه مجرد إجراء احتياطي لو سافرت.
وأنا رفضت.
قلت
ماله؟
قالت
طلع إنه كان رايح بيه لمكتب توثيق تاني النهارده.
اتجمدت.
إزاي... وأنا ممضتش؟
ردت
وده اللي خلاني أجري وراك... لأنه كان معاه نسخة.
حسيت الدم جمد في عروقي.
نسخة من إيه؟
قالت بصوت منخفض
واضح إنها كانت مزورة.
رفعت عيني ناحية كريم.
كان واقف مكانه، لكنه أول ما لمح نظرتي، عرف إن في حاجة انكشفت.
قلتله بهدوء
إنت حاولت تزور توقيعي؟
اتلخبط.
مين قال كده؟
لكن سناء كانت لسه على الخط.
وقالت
الموظف هناك شك في الإمضاء، ولما راجع البيانات اكتشف اختلاف واضح، فاتصل بيا لأن اسمه كان مرتبط بملف شركتك.
الرجل اللي كان واقف مع الملف سمع الكلام.
قال بجدية
لو ده صحيح... فإحنا قدام قضية تانية خالص.
كريم بدأ يتراجع للخلف.
بص حواليه كأنه بيدور على مخرج.
لكن قبل ما يتحرك...
دخل شاب صغير يجري إلى داخل الكافيه وهو بينادي بصوت عالي
أستاذ كريم!
التفت الجميع إليه.
كان ماسك ظرفًا أصفر كبيرًا.
وقف قدام كريم وهو بينهج، وقال
الظرف ده وصل لمكتبك الصبح... ولما
عرفنا إنك هنا جبتُه بنفسي.
مد إيده بالظرف.
كريم حاول ياخده بسرعة.
لكن الشاب قال من غير قصد
الغريبة إن المرسل كاتب عليه بخط واضح...
يُسلَّم إلى كريم... بعد وفاة فريدة فقط.
تجمد المكان كله.
أما أنا...
فشعرت بقشعريرة تسري في جسمي.
لأن
تم نسخ الرابط