يوم كتب الكتاب

لمحة نيوز

أسماء خمس موظفين سابقين اتفصلوا ظلم.
بدأت أدوّر عليهم.
واحد واحد...
اكتشفت إن حياتهم اتغيرت بسبب الاتهامات القديمة.
قدمت لهم كل المستندات اللي تثبت براءتهم.
وبالفعل، قدروا يرجعوا حقوقهم القانونية، وبعضهم رجع يشتغل من جديد.
بعد شهور...
اتعمل حفل صغير لتكريم الناس اللي ساهموا في كشف الحقيقة.
طلبوا مني أطلع ألقي كلمة.
وقفت قدام الحضور وقلت
أنا ما كنتش بطلة... أنا بس رفضت أكون ضحية.
ولو في درس اتعلمته من كل اللي حصل... فهو إن الظلم ممكن يعيش سنين، لكن الحقيقة أول ما تلاقي حد يتمسك بيها، بتظهر.
وقف الجميع يصفق.
وفي آخر الصف...
كان والد أحد الموظفين اللي رجعت له حقوقه.
اقترب مني، ومسكني من إيدي وقال
بنتي كانت فاقدة الأمل... النهارده رجعلها اسمها وكرامتها.
ابتسمت، وحمدت ربنا.
وفي طريقي للبيت...
افتكرت يوم كتب الكتاب.
اليوم اللي كنت فاكرة إنه هيكون بداية أصعب أيام عمري.
لكنه كان في الحقيقة...
أول يوم في حياة جديدة، مبنية على الكرامة، والعدل، وراحة الضمير.
النهاية الحقيقية بعد ستة أشهر من حفل التكريم...
كنت قاعدة في المكتب، لما السكرتيرة دخلت وقالت
يا أستاذة منى... في شاب برة بيقول إنه ضروري يقابلك.
قلت
يدخله.
دخل شاب في آخر العشرينات، شكله متوتر، وفي إيده شنطة جلد قديمة.
قال
أنا يوسف... ابن المحاسب اللي كان شغال مع حسام.
اتفضل يقعد، وبدأ يحكي.
أبويا مات من شهر، وقبل ما يموت سلمني الشنطة دي، وقال وصلها للأستاذة منى... هي الوحيدة اللي هتعرف تعمل الصح.
فتحت الشنطة.
كان فيها دفاتر حسابات قديمة، وأسطوانة تخزين، ومظروف مقفول.
فتحت المظروف.
كان فيه خطاب بخط المحاسب.
الأستاذة منى...
أنا غلطت لما سكت.
ماكنتش شريك في التزوير، لكن خوفي خلاني ما أبلغش.
يمكن ربنا ما ادانيش فرصة أصلح غلطي، لكن يمكن الورق ده يرجع حقوق ناس تانية.
بدأنا نراجع الملفات.
وفجأة...
لقينا أسماء عشرات
الموردين الصغيرين.
ناس كانت ليها مستحقات مالية عند الشركة، لكن عمرهم ما قبضوها.
تواصلنا مع المحامي.
واتضح إن في جزء من أموال الشركة كان متحفظ عليه بقرار من المحكمة، وبعد انتهاء كل القضايا بقى من حق الدائنين يتقسم عليهم.
بدأت الإجراءات.
وبعد شهور...
كل صاحب حق استلم مستحقاته.
في يوم، وأنا خارجة من البنك، وقفت قدامي سيدة مسنة.
قالت وهي ماسكة إيدي
أنا أرملة، وجوزي كان من الموردين اللي ماتوا وهو مستني فلوسه.
النهارده قدرت أجوز بنتي من الفلوس دي.
ربنا يجازيكي خير.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
وقتها فهمت...
إن الوقوف ضد الظلم ما بينقذش شخص واحد.
أحيانًا بينقذ عائلات كاملة.
رجعت المكتب، وفتحت أول ملف في القضية.
كان عليه تاريخ يوم كتب الكتاب.
ابتسمت، وقفلت الملف للمرة الأخيرة.
وقلت لنفسي
كل حكاية ظلم لازم يكون لها نهاية...
لكن نهاية العدل عمرها ما بتقف عند حكم محكمة...
بتكمل لحد ما آخر صاحب حق ياخد حقه.
تمت بعد عام...
افتتحت مؤسسة صغيرة باسم حق.
مكان هدفه الوحيد إنه يساعد أي شخص اتورط في تزوير أو نصب مالي، ومش قادر يوصل لحقه.
في أول يوم استقبال...
دخل راجل عجوز، كان ماسك ملف قديم جدًا.
قال
بنتي... أنا جيتلك عشان الناس قالتلي إنك مبتسيبيش حق حد.
ابتسمت وقلت
احكيلي.
فتح الملف.
وكانت الصدمة...
لقيت اسم أبويا مكتوب في أول ورقة.
اتسعت عيني.
قلت
إزاي؟
قال
أبوكي من عشرين سنة وقف معايا، وأنقذ شركتي من الإفلاس، ورفض ياخد مني أي مقابل.
قبل ما يموت، قال لي لو قابلت بنتي يومًا... قولها تكمل الطريق.
حسيت دموعي بتنزل.
لأول مرة...
عرفت إن اللي كنت بعمله، كان امتداد للمبادئ اللي اتربيت عليها.
ساعدنا الراجل، وبعد أسابيع رجع حقه كامل.
وقبل ما يمشي، قال
أبوكي كان راجل عظيم...
وأنتِ خلتيني أحس إنه لسه موجود.
في نفس الليلة...
رجعت البيت.
فتحت ألبوم صور قديم.
لقيت صورة لأبويا وهو ماسكني
وأنا صغيرة.
وراء الصورة، كانت فيه جملة مكتوبة بخط إيده
يا منى... لو جه يوم واضطريتي تختاري بين المكسب والحق... اختاري الحق، حتى لو خسرتي الدنيا كلها.
حضنت الصورة.
وابتسمت.
لأنني أخيرًا فهمت...
إن يوم كتب الكتاب ما كانش اليوم اللي حياتي اتغيرت فيه.
اليوم الحقيقي...
كان يوم قررت ألا أبيع كرامتي، ولا أتنازل عن حقي.
ومن يومها...
كل قضية جديدة كانت بتفكرني بنفس الدرس
الحق ممكن يتأخر... لكنه لما يرجع، بيرجع رافع رأس صاحبه.
النهاية الأخيرة. بعد خمس سنوات من تأسيس مؤسسة حق...
بقت المؤسسة معروفة في كل المحافظات.
كل أسبوع كان بيجيلها عشرات الناس.
ناس اتنصب عليها.
وناس اتزور توقيعها.
وناس فقدت الأمل.
وفي صباح يوم شتوي...
دخلت بنت صغيرة، يمكن عندها عشر سنين، ماسكة إيد أمها.
أول ما شفتني، جريت عليا وقالت
حضرتك الأستاذة منى؟
ابتسمت.
أيوه يا حبيبتي.
طلعت من شنطتها ورقة مطوية.
وقالت
دي رسالة من بابا.
فتحتها.
كان مكتوب فيها
أنا الراجل اللي حضرتك أنقذتيني من السجن من خمس سنين. النهارده بنتي الأولى على مدرستها، وفتحت مشروع صغير بعد ما رجع حقي. يمكن حضرتك نسيتي اسمي... لكن إحنا عمرنا ما هننسى وقفتك.
قفلت الرسالة وأنا متأثرة.
وفي اللحظة دي...
البنت مدتلي وردة بيضا.
وقالت
بابا قالي أديهالك.
مسكت الوردة، وابتسمت.
وقلت
قولي لبابا إن أجمل هدية إنه بدأ من جديد.
بعدها بأيام...
قررت المؤسسة تعمل منحة مجانية لتدريب الشباب على اكتشاف التزوير وحماية بياناتهم.
وفي أول محاضرة، سألت الحضور
حد فيكم يعرف إيه أول غلطة بتخلي الإنسان يقع ضحية؟
كل واحد قال إجابة.
وفي الآخر قلت
أول غلطة... إننا نسكت على أول تجاوز ونقول مش مشكلة.
لأن كل ظلم كبير...
بدأ في يوم من الأيام بغلط صغير محدش وقف قدامه.
صفق الحضور.
ولما خلصت المحاضرة، خرجت من القاعة.
بصيت للسماء، وافتكرت اليوم اللي كنت قاعدة فيه قدام المأذون.

ابتسمت وقلت
الحمد لله... لو الزمن رجع بيا، هاخد نفس القرار ألف مرة.
ومشيت...
وأنا عارفة إن قصتي انتهت...
لكن قصص ناس كتير بدأت تستعيد الأمل بسببها.
تمت بحمد الله. بعد عشرين سنة...
كان اسمي بقى معروف في مجال مراجعة الحسابات ومكافحة التلاعب المالي.
وفي يوم، وأنا داخلة المؤسسة، لقيت شابًا في أوائل الثلاثينات واقف عند الباب.
أول ما شافني، ابتسم وقال
حضرتك منى؟
أيوه.
أنا اسمي آدم... ويمكن حضرتك متعرفنيش.
استغربت.
اتفضل.
دخل المكتب، وطلع صورة قديمة.
بصيت فيها...
واتصدمت.
كانت صورة يوم كتب الكتاب.
قلت باستغراب
جبت الصورة دي منين؟
ابتسم وقال
أنا ابن المأذون اللي كان حاضر اليوم ده.
أبويا قبل ما يتوفى كان دايمًا يحكي عن اليوم ده.
ويقول إن في بنت وقفت قدام الظلم وهي لوحدها، وغيرت مفهومه عن معنى القوة.
سكت لحظة، ثم كمل
بسبب الموقف ده... أنا دخلت كلية الحقوق، وبقيت محامي.
وحلمي أشتغل مع مؤسستكم.
ابتسمت.
ولأول مرة أحس إن موقف واحد ممكن يغير مستقبل إنسان ما تعرفوش أصلًا.
قلت له
أهلاً بيك.
ومن النهارده... أنت واحد من فريقنا.
مرّت الشهور...
وكبر الفريق.
وبقينا نساعد مئات الأسر كل سنة.
وفي يوم افتتاح الفرع العاشر للمؤسسة...
وقف أحد الصحفيين وسألني
لو رجع بيكي الزمن...
كنتِ هتغيري حاجة؟
ابتسمت وأنا ببص للفريق اللي واقف ورايا.
وقلت
أيوه...
كنت هبلغ من أول صفعة.
ما كنتش هستنى.
لأن السكوت على أول ظلم...
هو اللي بيدي الظالم شجاعة يكمل.
ساد الصمت ثواني...
ثم دوّى التصفيق في القاعة.
ابتسمت، ونزلت من على المنصة.
وفي قلبي يقين واحد...
إن العدالة مش مجرد حكم محكمة.
العدالة...
إن إنسان كان فاقد الأمل، ينام وهو مطمن إن حقه رجع.
النهاية الحقيقية... والأخيرة. النهاية
بعد عام من افتتاح الفرع العاشر للمؤسسة، تلقت منى دعوة لحضور احتفال كبير لتكريم الشخصيات التي ساهمت في حماية حقوق المواطنين.

وقفت على المنصة، ولم تتحدث عن نفسها، بل قالت
أنا مش بطلة... أنا واحدة رفضت أسكت. ولو كل واحد رفض الظلم من أول مرة، هنبقى محتاجين محاكم أقل وعدالة أكتر.
صفق الحضور طويلًا.
وبعد انتهاء الحفل،
تم نسخ الرابط