يوم كتب الكتاب
يوم كتب الكتاب... وأنا قاعدة جنب المأذون، حسام مسك إيدي من تحت الترابيزة وضغط عليها جامد لدرجة إن الدبلة غرست في صباعي، وبصلي وهو بيبتسم قدام الناس وهمس
من النهارده... كلامي هو اللي هيمشي. مفيش قرار هتاخديه من غير إذني.
بصيتله بهدوء، وابتسمت ابتسامة صغيرة.
وقلت
واضح إنك واثق أوي... بس نسيت حاجة مهمة.
رفع حاجبه باستغراب.
إيه هي؟
قلت وأنا ببص للمأذون
إن العقد ده... عمره ما هيكتمل.
القاعة كلها كانت مليانة أهل وأصحاب، وأمه، الحاجة نعمات، قاعدة في الصف الأول، وعمالة توزع ابتسامات على الناس وكأنها كسبت معركة.
أما أنا...
فكنت مستنية اللحظة اللي خططتلها من شهور.
وقفت من مكاني بهدوء.
وشلت الجاكيت الأبيض اللي كان مغطي هدومي.
وطلعت ملف أزرق كبير.
الهمس بدأ ينتشر في القاعة.
حسام حاول يضحك وقال
إيه ده؟ عاملة مفاجأة؟
بصيتله بثبات.
وقلت
أيوه... مفاجأة، بس مش ليك لوحدك.
فتحت الملف.
وأخرجت مجموعة أوراق مختومة.
ثم سلمتها للمأذون والمحامي اللي كان واقف في آخر القاعة.
حسام اتغير لون وشه.
لأنه عرف الأوراق دي.
دي كانت نفس العقود اللي زور فيها توقيعي.
قبل ست شهور، حسام طلب مني أمضي على شوية أوراق، وقال إنها إجراءات خاصة بالشقة.
لكن شغلي كمراجعة حسابات خلاني أشك.
راجعت كل ورقة.
واكتشفت إنه استغل بياناتي الشخصية، وفتح شركات باسمي، وقدمني ضامن في قروض بملايين الجنيهات من غير علمي.
واجهته وقتها.
فضحك وقال
إنتِ مش هتفهمي في الشغل ده.
ومن يومها...
بدأت أجمع كل دليل بهدوء.
تقارير خبراء الخطوط.
صور من العقود الأصلية.
كشف تحويلات مالية.
ورسائل تثبت إنه كان بيدير كل حاجة بنفسه.
ولما خلصت...
بلغت الجهات المختصة.
لكن طلبت منهم حاجة واحدة.
استنوا لحد يوم كتب الكتاب.
ولما المأذون قال
هل تقبلين الزواج؟
ابتسمت وقلت بصوت واضح سمعته القاعة كلها
لا... لأني اكتشفت إن الشخص اللي قدامي حاول يورطني في جرائم مالية باسمي.
في نفس
اتفتح باب القاعة.
ودخلت محاميتي.
وراها اتنين من رجال المباحث لتنفيذ إذن النيابة.
وساد صمت ثقيل.
الحاجة نعمات قامت تصرخ
أكيد في سوء تفاهم!
لكن المحامية فتحت الملف وقالت
كل الأدلة موثقة، والتوقيعات تم فحصها بمعرفة الطب الشرعي.
حسام حاول يخرج من القاعة.
لكن أحد الضباط قال بهدوء
من فضلك... خليك مكانك.
وساعتها...
عرف لأول مرة إن الشخص اللي كان بيعتبره ضعيف...
كان بيبني القضية ضده خطوة بخطوة.
يتبع...أحد الضباط قال بهدوء
من فضلك يا أستاذ حسام... خليك مكانك.
القاعة كلها بقت في حالة ذهول.
المأذون قفل الدفتر وقال
واضح إن في مسألة قانونية لازم تتحسم الأول.
حسام حاول يستعيد هدوءه، وقال بصوت عالي
دي بتلفقلي تهم! كل الورق ده كذب.
ابتسمت وقلت
لو كذب... يبقى أكيد مش هتخاف من فحص النيابة.
المحامية فتحت الملف، وبدأت تعرض المستندات.
ده تقرير خبير الخطوط، وبيثبت إن توقيعها على العقود مزور.
ودي كشوف التحويلات اللي خرجت من حسابات الشركات الوهمية.
ودي رسائل صوتية مسجلة، بيطلب فيها من الموظفين يجهزوا أوراق باسمها من غير علمها.
كل ورقة كانت بتتقلب، كان لون وش حسام بيتغير.
الحاجة نعمات قالت وهي بتبكي
يا ابني قولهم إن ده مش حقيقي.
لكن حسام سكت.
لأول مرة...
ما لقىش كلمة يقولها.
وفجأة وقف راجل كبير من آخر القاعة.
كان عم حسام، وأحد المساهمين القدامى في الشركة.
قال وهو بيبص لحسام بغضب
أنا كنت مستغرب الأرباح بتختفي فين... دلوقتي فهمت.
طلع هو كمان ملف صغير.
وقال
أنا كنت بجمع مستندات من شهور، لكن ماكنتش لاقي الدليل الكامل.
النهارده الدليل قدامي.
سلم الملف للمحامية.
وبعد مراجعة سريعة، اتضح إن المستندات بتكمل باقي الأدلة.
ضابط المباحث قال
حضرتك هتيجي معانا لاستكمال التحقيق، والأوراق دي هتتسلم للنيابة.
حسام بصلي وقال
إنتِ ضيعتي مستقبلي.
هززت راسي بهدوء.
لا... أنت اللي ضيعته يوم قررت تستغل ثقة الناس.
خرج من
أما أنا...
فنزعت الدبلة من صباعي، وحطيتها فوق دفتر المأذون.
وقلت
الجواز اللي يبدأ بالخوف... عمره ما هيكمل باحترام.
خرجت من القاعة وأنا رافعة راسي.
ولأول مرة من سنة كاملة...
حسيت إني بتنفس بحرية.
يتبع... في الجزء القادم كيف حاول حسام من داخل التحقيقات إنقاذ شركته، والمفاجأة التي كشفتها موظفة قديمة قلبت القضية بالكامل بعد أسبوعين...
كانت القضية شغلت ناس كتير.
لكن اللي محدش كان يعرفه...
إن التحقيقات لسه ماوصلتش لأخطر جزء.
كنت قاعدة مع محاميتي بنراجع الأوراق، لما رن تليفونها.
ردت، وبعد دقيقة بصتلي وقالت
في واحدة من موظفات الشركة السابقة طلبت تقابلك ضروري.
وافقت فورًا.
دخلت الست، وكانت في أوائل الأربعينات، باين عليها التوتر.
قالت
أنا اسمي نجلاء... كنت مديرة الحسابات عند حسام.
أنا سكت، وسيبتها تكمل.
قالت وهي طالعة فلاشة صغيرة من شنطتها
فضلت ساكتة سنين عشان كنت خايفة على عيالي... لكن بعد اللي حصل يوم كتب الكتاب، قررت أقول الحقيقة.
ناولتني الفلاشة.
عليها نسخة من كل الحسابات الأصلية قبل ما تتغير.
المحامية شغلتها على اللابتوب.
وبدأت تظهر ملفات، وجداول، ورسائل إلكترونية.
كلها بتثبت إن حسام كان بينقل أموال بين شركات مختلفة علشان يخفي أرباح ويهرب من الضرائب، وكمان كان بيزور مستندات علشان يحمل المسؤولية لموظفين أبرياء.
قالت نجلاء وهي بتمسح دموعها
أنا استقلت لما رفضت أمضي على أوراق مزورة... وهو هددني إني مش هلاقي شغل تاني.
المحامية ابتسمت وقالت
الشهادة دي هتفرق جدًا.
بعد أيام...
استدعت النيابة عددًا من الموظفين.
واحد وراء التاني...
بدأوا يتكلموا.
كل واحد كان معاه جزء من الحقيقة.
ولما اتجمعت الأجزاء...
بانت الصورة كاملة.
أما حسام...
فكان لسه مصمم ينكر.
وقال في التحقيق
كل الناس اتفقت عليا.
لكن المحقق حط قدامه الفلاشة، وتقارير الخبراء، وشهادات الموظفين.
وقال
الأدلة بتتكلم بنفسها.
في اللحظة دي...
عرف حسام إن القضية خلاص خرجت من إيده.
وفي نفس الوقت، وصلني اتصال من البنك.
الموظف قال
يا أستاذة... تم رسميًا إلغاء كل الضمانات والقروض اللي كانت مسجلة باسم حضرتك بعد ثبوت التزوير.
قفلت المكالمة، وحمدت ربنا.
أخيرًا...
اسمي رجع نضيف.
لكن كانت لسه فيه مفاجأة أخيرة...
مفاجأة هتخلي كل الناس تعرف إن بداية الحكاية كانت بسبب شخص واحد، محدش كان يتوقع إنه هو العقل المدبر من البداية في صباح جلسة التحقيق الأخيرة...
كانت القاعة هادئة على غير العادة.
أنا ومحاميتي دخلنا، وكل الملفات معانا.
بعد دقائق، دخل حسام ومعاه محاميه.
كان شكله مختلف.
أول مرة أشوفه مش واثق من نفسه.
بدأ المحقق يراجع آخر الأدلة، ثم قال
قبل ما نقفل التحقيق... في شاهد طلب يدلي بأقواله.
الباب اتفتح.
ودخل راجل في الستين من عمره.
أول ما حسام شافه، اتفاجئ وقال
أستاذ فؤاد!
كان أستاذ فؤاد هو المحاسب القانوني السابق للشركة.
قال بهدوء
أنا خرجت على المعاش من سنتين، لكن احتفظت بنسخ من المستندات لأن ضميري ما ارتاحش.
طلع دفتر قديم ونسخة احتياطية من سجلات الحسابات.
وقال
كل عملية تزوير كانت بتبدأ بأمر مباشر من حسام... ومفيش حد أجبره عليها.
تصفح المحقق المستندات، ثم رفع رأسه وقال
كده الصورة اكتملت.
حسام حاول يتكلم
أنا...
لكن محاميه حط إيده على كتفه وقال
الأفضل تلتزم الصمت.
بعد أسابيع، صدر الحكم.
أُدين حسام في وقائع التزوير واستعمال محررات مزورة، وأُلزم برد الحقوق المالية لأصحابها وفق ما انتهت إليه المحكمة.
أما الشركات الوهمية، فتم شطبها بعد استكمال الإجراءات القانونية.
وأنا...
رجعت لشغلي في مراجعة الحسابات.
بعد شهور، أسست مكتبًا صغيرًا متخصصًا في مراجعة الشركات واكتشاف التلاعب المالي.
وفي أول يوم افتتاح...
دخلت بنت صغيرة مع والدها.
قال لي
بنتي نفسها تطلع محاسبة زي حضرتك... لأنها شافت قصتك وعرفت إن الحق بيرجع لصاحبه.
ابتسمت للبنت
أهم حاجة في الشغل مش الأرقام...
أهم حاجة الضمير.
خرج الأب وابنته، وأنا بصيت من شباك المكتب.
افتكرت يوم كتب الكتاب.
اليوم اللي ناس كتير افتكرته نهاية حياتي...
لكنه كان في الحقيقة بداية