يوم كتب الكتاب
المحتويات
حياة جديدة.
تمت بعد سنة كاملة...
كنت واقفة على منصة مؤتمر كبير عن مكافحة الاحتيال المالي.
القاعة كانت مليانة أصحاب شركات، ومحاسبين، وطلاب جامعات.
ولما خلصت كلمتي...
وقف شاب وسألني
هو صحيح إن كل اللي حصل بدأ يوم كتب الكتاب؟
ابتسمت وقلت
لا...
كل اللي حصل بدأ يوم قررت ما أسكتش.
الناس صفقت.
وفي آخر القاعة، شفت الحاجة نعمات.
كانت واقفة لوحدها.
استأذنت من الناس، وروحت لها.
بصتلي بعين كلها ندم، وقالت
أنا ظلمتك.
أنا اللي كنت كل مرة أقولك استحملي.
افتكرت كل كلمة كانت بتقولها، وكل مرة كانت تبرر الغلط.
لكن قلت بهدوء
الاعتذار بيصلح اللي جاي... لكنه ما بيمحيش اللي فات.
هزت رأسها وقالت
عرفت متأخر إن تربية ابني على إنه فوق القانون هي اللي ضيعته.
وسابت المكان ومشيت.
بعدها بأيام...
وصلني جواب بخط إيدها.
كانت باعتة معاه مفتاح صغير.
المفتاح كان لخزنة قديمة في بيت العيلة.
استغربت.
ولما فتحتها...
لقيت فيها كل الأوراق القديمة الخاصة بالشركة، ومستندات كانت هتضيع حق شركاء تانيين.
سلمت المستندات لأصحابها عن طريق المحامين.
وبعد شهور، رجعت حقوق ناس كانوا فاقدين الأمل من سنين.
وقتها أدركت إن الوقوف قدام الظلم مش بينقذ شخص واحد...
أحيانًا بينقذ عشرات غيره.
وفي مساء هادئ...
رجعت لنفس القاعة اللي كان المفروض يتم فيها كتب الكتاب.
كانت فاضية.
بصيت للمكان، وابتسمت.
وقلت لنفسي
الحمد لله... ربنا نجاني قبل ما أكتب اسمي جنب الشخص الغلط.
لفيت ومشيت...
من غير ندم.
لأن النهاية الحقيقية...
مش إن حد يخسر.
النهاية الحقيقية إن الإنسان يكسب نفسه، وكرامته، وحقه.
تمت القصة بعد ثلاث سنوات...
كنت داخلة مكتبي الصبح، لقيت السكرتيرة بتقولي
يا أستاذة... في راجل مستني حضرتك من بدري، ورافض يمشي قبل ما يقابلك.
قلت
مين؟
قالت
بيقول إنه أخو واحد من الناس اللي أنقذتيهم من قضية الشركة.
استأذنت ودخل.
كان شاب محترم، شايل ملف صغير.
قال
أنا
ابتسمت وقلت
الحمد لله إن الحقيقة ظهرت.
ناولني الملف وقال
أخويا توفى من شهرين بعد صراع مع المرض... وقبل ما يموت وصاني أوصل الملف ده ليكي.
فتحت الملف.
كان فيه جواب مكتوب بخط إيده.
لو الرسالة دي وصلتلك... يبقى أنا خلاص مش موجود. يمكن عمري ما عرفت أشكرك. لو ما كنتيش وقفتي قدام الظلم، كان اسمي هيفضل متهم طول العمر. جوه الملف هتلاقي حاجة يمكن تساعدك.
قلبت باقي الأوراق.
ولقيت فلاشة.
شغلتها على الكمبيوتر.
كان عليها تسجيل قديم لاجتماع مجلس إدارة الشركة قبل سنين.
وفي التسجيل...
صوت حسام وهو بيقول بوضوح
أي موظف يعترض... هنلبسه المسؤولية ونطلع إحنا برة.
لكن المفاجأة...
إن صوتًا آخر رد عليه
ده خطر... ولو اتكشف هنضيع كلنا.
الصوت كان مألوفًا جدًا.
رجعت التسجيل أكتر من مرة.
وفجأة افتكرت.
الصوت ده...
كان لصاحب مكتب المحاسبة الخارجي اللي كان بيشهد دائمًا إن حسابات الشركة سليمة.
يعني التلاعب ماكنش فرديًا...
كان فيه شبكة كاملة بتغطي عليه.
سلمت التسجيل للنيابة.
وبعد إعادة فتح جزء من التحقيقات، بدأت تتكشف أسماء جديدة، وتمت مساءلة كل من ثبت تورطه وفق القانون.
وقفت قدام مكتبي في نهاية اليوم، وبصيت للصورة الصغيرة اللي كنت محتفظة بيها لنفسي يوم فسخت كتب الكتاب.
ابتسمت وقلت
أحيانًا قرار واحد شجاع... بينقذ حياة ناس كتير.
وأقفلت الملف الأخير...
لأن القضية انتهت أخيرًا، والحق رجع لأصحابه، وكل واحد أخطأ تحمّل مسؤوليته أمام القانون. النهاية بعد خمس سنوات...
كنت فاكرة إن كل صفحة في الحكاية دي اتقفلت.
لكن في صباح يوم هادئ...
وصلني ظرف أبيض من المحكمة.
فتحته باستغراب.
لقيت إخطارًا إن في قضية جديدة اتفتحت، وورقة مكتوب فيها
يرجى حضورك بصفتك شاهدة.
استغربت.
القضية القديمة اتحكم فيها من زمان.
إيه الجديد؟
لما رحت المحكمة...
اتفاجئت
كان خارج من قاعة الجلسة، لكن المرة دي كان مختلف تمامًا.
شعره شاب، وملامحه كلها انكسار.
بصلي وقال
ممكن خمس دقايق؟
ترددت...
لكن وافقت.
قعدنا في ركن هادئ.
قال وهو باصص في الأرض
أنا مش جاي أطلب منك تسامحيني.
أنا عارف إني غلطت.
بس جاي أقولك إن كل يوم في السنين اللي فاتت كنت بدفع تمن غروري.
سكت شوية، وكمل
كنت فاكر إن الفلوس والنفوذ يخلوا أي حد يسكت.
لكن أول ما خسرت ثقة الناس... خسرت كل حاجة.
بصيتله بهدوء وقلت
الاعتراف بالغلط بداية كويسة...
لكن اللي اتكسر مش بيرجع زي الأول.
هز رأسه.
عارف.
وقام ومشي.
مكنتش فرحانة بمنظره...
ولا شمّتانة.
بالعكس...
افتكرت قد إيه الإنسان ممكن يضيع نفسه لما يختار الطريق الغلط.
خرجت من المحكمة.
ولقيت بنت صغيرة بتنادي
يا أستاذة!
لفيت.
كانت طالبة في كلية التجارة.
قالت وهي مبتسمة
أنا اخترت تخصص المراجعة بسبب قصتك.
نفسي أبقى شاطرة زي حضرتك.
ضحكت وقلت
متبقيش شاطرة بس...
خليكي أمينة.
لأن الأمانة هي الحاجة الوحيدة اللي لو ضاعت...
ولا مليون شهادة يقدروا يرجعوها.
ابتسمت البنت ومشت.
وأنا كملت طريقي...
وأيقنت إن أجمل انتصار في الدنيا...
إنك تعيش مرتاح الضمير، ورأسك مرفوعة، من غير ما تكون ظلمت حد.
وهكذا انتهت الحكاية... لكن بقي الدرس لا تسكت عن الظلم، وخد حقك دائمًا بالطرق القانونية، لأن الحق قد يتأخر... لكنه لا يضيع بعد عشر سنوات...
كنت ماشية في ممرات الجامعة بعد ما خلصت محاضرة عن أخلاقيات المحاسبة.
واحدة من الطالبات جريت ورايا.
دكتورة... ممكن أسألك سؤال؟
ابتسمت.
اتفضلي.
قالت بتردد
هو صحيح إنك سيبتي كل الثروة اللي كانت ممكن تاخديها بسبب الجوازة دي؟
ضحكت.
وقلت
الناس فاكرة إن أكبر خسارة هي الفلوس...
لكن أكبر خسارة إنك تخسري نفسك.
هزت رأسها بإعجاب، ومشيت.
وأنا كملت طريقي.
أول ما وصلت مكتبي، لقيت ظرف جديد.
لكن المرة دي...
المرسل كان مجهول.
فتحته.
كان فيه مفتاح
في خزنة داخل مقر الشركة القديم... فيها آخر أسرار حسام.
في البداية تجاهلت الرسالة.
القضية خلصت من سنين.
لكن الفضول غلبني.
تواصلت مع النيابة، وبعد استخراج التصاريح اللازمة، دخلنا المبنى القديم.
المكان كان مهجورًا.
تراب في كل حتة.
وصلنا للمكتب القديم.
وبعد دقائق من البحث...
لقينا الخزنة.
فتحها المختص.
كان جواها دفتر واحد فقط.
دفتر أسود.
أول صفحة كانت مكتوب فيها بخط حسام
لو حد وصل للدفتر ده... يبقى أنا خسرت كل حاجة.
قلبت الصفحات.
اتفاجئت إنها مش حسابات ولا عقود.
كانت مذكراته الشخصية.
كاتب فيها كل قرار غلط أخده...
وإزاي كان كل مرة يبرر لنفسه إنه هيصلحه بعدين.
لكن بعدين عمره ما جه.
قفلت الدفتر.
وقلت للضابط
ده مش دليل على قضية جديدة...
ده دليل إن الطمع لما يبدأ صغير، لو محدش وقفه... بيكبر لحد ما يضيع صاحبه.
سُلِّم الدفتر ضمن محفوظات القضية، وانتهى الأمر.
وأنا خرجت من المبنى، وبصيت للسماء.
ابتسمت.
لأن آخر صفحة في الحكاية دي ما كانتش عن حسام...
كانت عني.
عن بنت كانت هتسكت خوفًا...
لكن اختارت تواجه بالقانون.
ومن يومها...
كل مرة حد يسألني
إيه أكبر مكسب خرجتي بيه؟
أرد بابتسامة
إني كل ليلة بنام مرتاحة... وعارفة إن اسمي عمره ما اتكتب على باطل.
تمت القصة بعد مرور سنوات...
كنت فاكرة إن خلاص مفيش أي مفاجآت تاني.
لحد ما في يوم، رن تليفوني.
رقم غريب.
رديت.
ألو؟
جالي صوت راجل كبير في السن
حضرتك الأستاذة منى؟
أيوه.
أنا المستشار اللي كان ماسك أول جلسات قضيتك... وعايز أقابلك لو تسمحي.
استغربت جدًا.
لكن وافقت.
قابلته في مكتبه.
فتح درج مكتبه، وطلع ظرف أصفر قديم.
وقال
الظرف ده كان أمانة عند المحكمة، وصاحبه طلب ما يتفتحش إلا بعد انتهاء كل القضايا المرتبطة بالشركة.
سألته
وصاحبه مين؟
قال
والد حسام.
اتجمدت في مكاني.
فتحنا الظرف.
كان فيه خطاب بخط إيد والده.
كتب فيه
لو
وفي آخر الخطاب...
كانت فيه ورقة مكتوب فيها
متابعة القراءة