جوزى رمانى انا وبنتى
التكريم...
صعدت مريم على المسرح.
قال لها المذيع
النجاح ده تنسبيه لمين؟
ابتسمت وقالت
لرجل بسيط، ما كانش وزير، ولا رجل أعمال، ولا مشهور.
كان مجرد أب...
فتح باب بيته لبنته وحفيدته في ليلة برد.
ومن الليلة دي... اتغيرت حياة أجيال كاملة.
وقف الحاضرون جميعًا يصفقون.
وكان في الصف الأول...
أمها، وقد غزا الشيب شعرها.
كانت تبكي من شدة الفرح.
بعد انتهاء الحفل...
اقتربت منها وقالت
أبويا كان هيبقى أسعد واحد النهارده.
ردت مريم وهي تمسك يدها
هو أكيد شايفنا... وفرحان.
وفي مساء ذلك اليوم...
رجعتا إلى البيت.
وقفت مريم أمام صورة جدها، وأضاءت مصباحًا صغيرًا تحتها.
وقالت
وعدك لسه مستمر يا جدو...
طول ما في حد بيخبط الباب وهو محتاج أمان...
الباب ده عمره ما هيتقفل.
ثم أغلقت الأنوار...
وبقي الضوء الصغير أسفل صورة الحاج محمود مضيئًا طوال الليل...
كأنه يقول لكل من يراه
هنا... يبدأ الأمل. بعد أشهر...
كانت مريم جالسة في مكتبها داخل بيت الحاج محمود، تراجع بعض الملفات.
رن جرس الباب.
دخلت سيدة مسنة تمسك بيد طفل صغير.
قالت بصوت متردد
هو... ده بيت الحاج محمود؟
ابتسمت مريم.
أيوه... اتفضلي.
أخرجت السيدة صورة قديمة من حقيبتها.
ناولتها لمريم.
أول ما بصت فيها...
شهقت.
الصورة كانت لجدها وهو شاب، واقف جنب رجل آخر.
قالت السيدة
الراجل اللي واقف جنبه... ده أبويا.
زمان، لما حصل عندنا حريق، الحاج محمود استضافنا في بيته شهر كامل، ورفض ياخد منا أي جنيه.
وقالت أمي يومها الخير ده هيرجعله يوم.
بكت مريم وهي تسمع الكلام.
قالت السيدة
أنا جيت النهارده أوفي الدين.
مدت لها ظرفًا.
لكن مريم رفضت.
وقالت بابتسامة
لو عايزة تردي الجميل... ساعدي حد محتاج زي ما جدي ساعدكم.
ابتسمت السيدة، واحتضنتها.
ثم خرجت وهي تدعو لها.
وفي المساء...
وقفت مريم أمام صورة جدها.
وقالت
كنت فاكرة إن إحنا بس اللي مدينين ليك.
طلع ناس كتير عايشين بخيرك من سنين.
وفي اليوم التالي...
اتخذت قرارًا جديدًا.
أن تكتب كتابًا يحكي قصة جدها، ليس لأنه كان بطلاً مشهورًا...
ولكن لأنه كان إنسانًا عاديًا اختار الرحمة.
وأطلقت على الكتاب اسم
الباب الذي لم يُغلق.
وفي مقدمة الكتاب كتبت
هذه ليست قصة رجل غني ولا صاحب نفوذ... بل قصة أب فتح بابه في ليلة باردة، ففتح الله بسببه أبوابًا من الخير لم تُغلق حتى اليوم.
وبعد صدور الكتاب...
بدأت رسائل تصل من كل مكان.
كل رسالة تحكي عن شخص قرأ القصة، فقرر يسامح، أو يساعد محتاجًا، أو يفتح باب بيته لأسرة ضاقت بها الدنيا.
ابتسمت مريم وهي تقرأ الرسائل.
ورفعت عينيها إلى السماء قائلة
جدو... أنت ما سيبتش لنا بيتًا فقط...
سيبت لنا رسالة... وهتفضل عايشة طول ما في قلوب تعرف معنى الرحمة.
يتبع...وبعد نجاح الكتاب...
تلقت مريم دعوة لإلقاء كلمة في إحدى الجامعات.
امتلأت القاعة بالطلاب.
وقف الجميع ينتظرون أن تتحدث عن نجاحها كمحامية.
لكنها بدأت كلامها بجملة واحدة
أنا ماكنتش هقف هنا النهارده... لو باب بيت واحد ما اتفتحش في وشنا من سنين.
ساد الصمت.
وحكت لهم عن تلك الليلة الباردة...
من غير ما تذكر أسماء.
وقالت
في ناس بتفتكر إن البطولة لازم تكون حاجة كبيرة... لكن ساعات البطولة إنك تفتح بابك لحد تعبان، أو تسمع حد مكسور، أو تقف جنب ابنك وقت ما الدنيا كلها تسيبه.
بعد انتهاء الندوة...
وقف شاب في آخر القاعة وقال
يا دكتورة... أنا كنت ناوي أسيب دراستي بسبب الظروف، لكن كلامك غير رأيي.
ابتسمت وقالت
أوعى تستسلم... يمكن بعد سنين تكون أنت سبب في إنقاذ حياة حد تاني.
في نفس المساء...
رجعت مريم إلى بيت الحاج محمود.
وجدت أمها جالسة في الحديقة، تنظر إلى السماء.
جلست بجوارها.
قالت الأم
تعرفي... كل ما أفتكر الليلة اللي رجعنا فيها هنا، أحس إن ربنا كان بيرتب حياتنا من وإحنا مش فاهمين.
ابتسمت مريم.
لو ما حصلش اللي حصل... يمكن ما كناش هنساعد كل الناس دي.
هزت الأم رأسها وهي تبتسم.
الحمد لله على كل شيء.
وفجأة...
رن جرس الباب.
فتحت مريم.
وجدت شابًا وفتاة في بداية حياتهما.
قال الشاب
إحنا جايين مش علشان نطلب مساعدة...
إحنا جايين نقول شكرًا.
استغربت مريم.
قالت الفتاة
أمي كانت أول واحدة استقبلتوها هنا من سنين... يومها أنقذتوها هي وأنا.
النهارده أنا بقيت دكتورة، وهو بقى مهندس.
وجينا نقولكم إن الخير اللي عملتوه... غير مستقبل أسرة كاملة.
دمعت عينا مريم.
وقالت
الفضل لله... ثم لراجل علّمنا إن الرحمة عمرها ما بتضيع.
رفع الشاب علبة صغيرة وقال
دي هدية بسيطة.
فتحتها...
فوجدت مفتاحًا من الفضة، مع لوحة صغيرة مكتوب عليها
الباب الذي فتح لنا الحياة.
علقت مريم المفتاح بجوار صورة جدها.
ثم ابتسمت وقالت
طول ما الباب ده مفتوح... هيفضل الخير يدخل منه... جيل بعد جيل. النهاية
مرت ثلاثون سنة...
وأصبح بيت الحاج محمود مؤسسة كبيرة، تضم دارًا لإيواء الأمهات والأطفال، ومركزًا لتعليم الحرف، ومكتبًا للمساعدة القانونية.
لكن الباب الخشبي القديم...
لم يتغير.
أصرت مريم أن يظل كما هو.
وفي كل شتاء...
كانت تخرج بنفسها لتتأكد أن المدفأة تعمل، وأن كل طفل في البيت ينام دافئًا.
وفي إحدى الليالي...
دخلت حفيدتها وقالت
تيته... ليه رافضة تغيري الباب ده؟ بقى قديم.
ابتسمت مريم، ولمست الباب بيدها.
وقالت
لأن الباب ده فتح لنا الحياة من جديد.
وفي صباح اليوم التالي...
اجتمع عشرات الأشخاص في احتفال كبير بمناسبة مرور ثلاثين عامًا على تأسيس البيت.
كان بينهم أطباء، ومهندسون، ومعلمون، وأصحاب شركات.
كلهم وقفوا في صف واحد.
وقالت المذيعة
النهارده هنكرم أول دفعة من الأطفال اللي خرجوا من هنا وحققوا أحلامهم.
صعدوا واحدًا تلو الآخر.
وكل واحد بدأ كلمته بنفس الجملة
أنا كنت يومًا من سكان بيت الحاج محمود.
امتلأت عينا مريم بالدموع.
رفعت رأسها إلى صورة جدها المعلقة في القاعة.
وهمست
وعدك اتنفذ يا جدو.
في نهاية الحفل...
وقفت حفيدتها الصغيرة على المسرح.
وقالت
أنا معرفتش جدي الكبير...
لكن كل الناس هنا بيقولوا إنه كان راجل عظيم.
وأنا لما أكبر...
هكمل اللي بدأه.
صفق الجميع بحرارة.
أما مريم...
فنظرت إلى أمها، فوجدتها تبتسم في هدوء.
أمسكت يدها وقالت
فاكرة الليلة اللي وقفنا فيها قدام الباب وإحنا بردانين؟
ابتسمت الأم وقالت
أفتكرها...
لكن دلوقتي، لما أبص حواليا، بحس إن ربنا عوضنا أضعاف.
احتضنتها مريم.
ثم أطفئت آخر أنوار القاعة قبل أن تغادر.
وبقي نور صغير يضيء فوق الباب، وتحته لافتة كتب عليها
إذا ضاقت بك الدنيا... فاطرق الباب، فهنا لن تُكسر كرامة أحد.
وهكذا...
انتهت حكاية أم وابنتها بدأتا الطريق بالدموع...
لكنها انتهت بمئات الأبواب التي
فقد أثبتت الحياة أن الإنسان قد يفقد بيتًا...
لكن إن تمسك بالكرامة، ووجد قلبًا رحيمًا يسنده، يستطيع أن يبني وطنًا من الأمل لكل من يأتي بعده.
تمت بحمد الله.