جوزى رمانى انا وبنتى

لمحة نيوز

الصندوق وهي متوترة.
كان فيه ساعة جدها...
وسلسلة مفاتيح قديمة.
وورقة مطوية.
فتحتها بسرعة.
كان مكتوب فيها
يا مريم...
عارف إنك أول ما تشوفي المفاتيح هتستغربي.
دي مش مفاتيح بيت...
دي مفاتيح الورشة اللي بدأت فيها حياتي وأنا عندي عشرين سنة.
من الورشة دي بنيت أول جنيه حلال.
ولما كبرت وقعدت على المعاش، قفلتها وسبتها زي ما هي.
لو الرسالة وصلتلك...
يبقى دوري خلص.
وأنا عايزك تفتحي الورشة من جديد.
مش علشان تكسبي فلوس...
لكن علشان تعلمي شباب وبنات مالهمش سند، يتعلموا حرفة يعيشوا منها بكرامة.
الصدقة مش دايمًا فلوس...
أوقات بتكون فرصة.
أغلقت مريم الرسالة وهي تبكي.
وقالت
حتى بعد ما مشي... لسه بيعلمنا.
في الأسبوع التالي...
وقفت أمام الورشة.
كانت مغلقة منذ سنوات.
الغبار يملأ المكان.
لكنها لمست الباب الخشبي وقالت
هنرجع الحياة للمكان ده.
وبالفعل...
بعد أشهر من التجديد...
تحولت الورشة إلى مركز مجاني لتعليم الخياطة والتفصيل للشباب والفتيات غير القادرين.
وعلقت على المدخل لافتة كتب عليها
ورشة الحاج محمود... العمل بكرامة هو بداية كل نجاح.
وفي أول يوم...
وقف عشرات الشباب ينتظرون التسجيل.
نظرت مريم إلى صورة جدها المعلقة على الحائط.
وابتسمت قائلة
وعدتك يا جدو... إن خيرك يفضل ماشي حتى بعد رحيلك.
وكأن ابتسامته في الصورة...
كانت ترد عليها
وأنا كنت واثق إنك هتوفي بالوعد.
يتبع...بعد مرور عامين...
تحولت ورشة الحاج محمود إلى مكان يقصده كل شاب يبحث عن بداية جديدة.
وفي صباح أحد الأيام...
دخل شاب في أوائل العشرينات.
كان شكله متعبًا، وملابسه بسيطة.
وقف قدام مريم وقال
أنا اسمي يوسف... اتعلمت هنا من سنتين.
ابتسمت وقالت
طبعًا فاكراك... أخبارك إيه؟
مد لها ظرفًا أبيض.
وقالت باستغراب
إيه ده؟
قال وهو يبتسم
أول أرباح ورشتي... وجاي أتبرع بجزء منها للمكان اللي علمني.
فتحت الظرف...
ولقت مبلغًا صغيرًا.
ابتسمت وردته إليه.
وقالت
لا
يا يوسف... خلي الفلوس دي تكبر شغلك.
لو عايز ترد الجميل...
علم واحد غيرك.
هز رأسه وقال
حاضر.
وبعدها بأيام...
انتشر خبر الورشة في الصحف.
وبقى رجال أعمال كتير يعرضوا تمويلها.
لكن مريم كان لها شرط واحد.
أي دعم لازم يفضل المكان مجاني... ومحدش يدفع جنيه واحد علشان يتعلم.
وافقوا جميعًا.
وبدأت الورشة تفتح فروعًا جديدة في محافظات مختلفة.
وفي يوم افتتاح الفرع العاشر...
وقفت مريم قدام صورة جدها.
وقالت
فاكر يا جدو الليلة اللي رجعنا فيها بيتك؟
وقتها كنت فاكرة إن الدنيا انتهت...
لكن أنت علمتني إن النهاية الحقيقية...
هي أول خطوة لبداية جديدة.
صفق الحضور بحرارة.
وفي آخر الصف...
كان أحمد يقف بصمت.
اقترب منها بعد انتهاء الحفل.
وقال
أنا مش جاي أطلب حاجة...
أنا جاي أشكرك.
بصت له باستغراب.
قال
لو ما كنتيش وقفتي قدامي يومها...
ولا أبوكي علمني معنى المسؤولية...
مكنتش هعرف أبقى أب كويس لبنتي.
ابتسمت بهدوء.
وقالت
أهم حاجة إن مريم شافت مننا كلنا إن الإنسان يقدر يعترف بغلطه... ويتغير.
في تلك اللحظة...
جرت مريم الصغيرة التي أصبحت شابة ووقفت بين أمها وأبيها.
ابتسمت وقالت
جدو كان دايمًا يقول إن أقوى الناس... مش اللي بينتقم.
أقواهم... اللي يحول وجعه لخير للناس.
نظر الاثنان إلى صورة الجد المعلقة في قاعة الورشة.
وشعروا أن رسالته ما زالت تعيش...
في كل شاب تعلم حرفة...
وفي كل أسرة بدأت من جديد...
وفي كل باب فُتح لمحتاج، كما فتح هو بابه لابنته وحفيدته في أصعب ليلة من عمرهما.
النهاية الحقيقية. بعد سنوات طويلة...
وفي ليلة شتوية...
كانت مريم واقفة قدام باب بيت جدها القديم.
نفس الباب...
اللي اتفتح لها وهي طفلة، وجسمها بيرتعش من البرد.
لكن المرة دي...
مكانتش لوحدها.
كان معاها بنتها الصغيرة.
البنت سألتها
يا ماما... هو ليه كل سنة بنيجي هنا؟
ابتسمت مريم، وقعدت على ركبتها وقالت
لأن هنا اتعلمت أهم درس في حياتي.
إيه هو؟
إن
الإنسان ممكن يخسر بيت... لكن لو لقى حد يحضنه وقت الشدة، يبقى مكسبه أكبر من أي بيت.
في اللحظة دي...
وقفت عربية قدام البيت.
نزل منها راجل مسن.
كان أحمد.
اقترب بهدوء، وقال
كل سنة بتيجوا هنا؟
ابتسمت مريم.
أيوه... عشان مننساش فضل جدو.
أخرج أحمد وردة بيضاء من العربية.
ووضعها أمام صورة الحاج محمود المعلقة على سور البيت.
وقال بصوت مكسور
عمري ما عرفت أشكره وهو عايش.
لكن الراجل ده... هو اللي رباني بعد ما غلطت.
ساد صمت طويل...
ثم قالت مريم
لو كان موجود دلوقتي... كان قالك المهم إنك اتعلمت.
ابتسم أحمد، ومسح دمعة نزلت من عينه.
وفي نفس الوقت...
خرج عشرات الشباب والبنات من الورشة المجاورة.
كل واحد فيهم كان شايل شهادة أو منتج صنعه بإيده.
اقترب شاب وقال
أستاذة مريم... النهارده أول يوم أفتح فيه محلي.
وقالت فتاة أخرى
وأنا اتعينت في أكبر مصنع بعد ما اتعلمت هنا.
كانت الابتسامة تملأ الوجوه.
رفعت مريم رأسها نحو السماء وهمست
شوفت يا جدو؟
بيتك بقى سبب في تغيير حياة ناس كتير.
وفجأة...
اقتربت طفلتها الصغيرة، وأمسكت يدها وقالت
يا ماما...
لما أكبر... هفتح بيت لأي حد محتاج زينا؟
انحنت مريم، واحتضنتها بقوة.
وقالت والدموع في عينيها
أيوه يا حبيبتي...
وده هيكون أجمل ميراث نسيبه بعدنا.
انطفأت أنوار الورشة في نهاية اليوم...
لكن النور الذي أشعله الحاج محمود في قلوب ابنته وحفيدته...
ظل مضيئًا في حياة كل من دخل هذا المكان.
وهكذا... انتهت الحكاية، لكن أثرها لم ينتهِ أبدًا. بعد عشرين سنة...
كانت مريم واقفة في حديقة البيت، تشرب الشاي في نفس المكان اللي كان جدها يقعد فيه كل عصر.
دخلت حفيدتها الصغيرة تجري وهي شايلة كشكول المدرسة.
وقالت بحماس
تيتة... المدرسة طلبت منا نكتب عن الشخص اللي غير حياتنا.
ابتسمت مريم.
وقالت
وأنا لو كتبته، هحتاج كتاب مش ورقة.
ضحكت الطفلة وقالت
احكيلي عنه.
أخذتها من يدها، ودخلت بها إلى غرفة صغيرة
في البيت.
كانت الغرفة كما تركها الحاج محمود.
كرسيه الخشبي...
نظارته...
وساعته...
وحتى كوب الشاي القديم.
فتحت مريم درج المكتب.
وأخرجت الجاكيت الصوفي الذي لفها به جدها هي وأمها في تلك الليلة.
وقالت
شايفة الجاكيت ده؟
هزت الطفلة رأسها.
قالت
في ليلة برد شديدة، جدك الأكبر لفني بيه، وقال جملة غيرت حياتنا كلها...
خلونا ندفّي البنت الأول... والباقي كله له حل.
سألتها الحفيدة
هو كان غني؟
ابتسمت مريم وقالت
لأ...
كان أغنى واحد عرفته، لأن قلبه كان كبير.
في الأسبوع التالي...
قررت مريم تعمل حاجة كانت بتحلم بيها من سنين.
حولت بيت جدها إلى دار مجانية لاستقبال الأمهات والأطفال اللي ملهمش مكان آمن يقعدوا فيه مؤقتًا.
وعلقت على الباب لافتة كبيرة مكتوب عليها
بيت الحاج محمود... لا ينام فيه طفل في البرد.
وفي أول ليلة...
دخلت أم شابة تحمل طفلها الرضيع.
كانت تبكي.
استقبلتها مريم بنفس الابتسامة التي استقبلها بها جدها قديمًا.
لفت الطفل في بطانية دافئة.
وقالت للأم
ارتاحي الأول... والكلام بعدين.
وقفت أمام صورة جدها، وهمست
النهارده فهمت ليه عملت معانا كده...
لأن الرحمة بتتنقل من قلب لقلب.
وفي الخارج...
كان الأطفال يضحكون في الحديقة.
والدفء يملأ المكان.
وكأن روح الحاج محمود ما زالت هناك...
تفتح الباب لكل من ضاقت به الدنيا.
تمت. بعد افتتاح بيت الحاج محمود بسنة...
بقى المكان معروف في كل المحافظة.
أي أم تضيق بها الدنيا...
كانت تعرف إن فيه باب هيتفتح لها من غير سؤال ولا إهانة.
وفي ليلة ممطرة...
وقف شاب صغير يخبط الباب وهو شايل طفلة عمرها خمس سنين.
فتحوا له بسرعة.
قال وهو يلهث
دي بنت أختي... أختي في المستشفى، ومفيش حد يرعاها الليلة.
ابتسمت مريم وقالت
اتفضل... هنا محدش بيرجع من الباب.
أخذت الطفلة، وغطتها ببطانية دافئة.
وفجأة...
الطفلة بصت لصورة الحاج محمود المعلقة على الحائط.
وسألت
مين جدو ده؟
ابتسمت مريم وقالت
ده
راجل علّمنا إن أقوى إنسان... هو اللي يحمي الضعيف.
في اليوم التالي...
وصل خطاب رسمي إلى البيت.
فتحته مريم.
وكان فيه قرار من المحافظة بتكريم بيت الحاج محمود باعتباره واحدًا من أفضل المبادرات الإنسانية في المحافظة.
وفي يوم
تم نسخ الرابط