جوزى رمانى انا وبنتى
المحتويات
وقالت
أنا لما أكبر... هبقى قوية زي ماما.
ابتسم الجد، ونظر لابنته بفخر.
وقال
أهو ده المكسب الحقيقي... إن اللي اتكسر في يوم، عرف يقوم أقوى من الأول.
يتبع إذا حبيتي يكون في جزء جديد عن نجاح مشروعها، أو محاولة أحمد يكسب ثقة بنته من جديد بعد الافتتاح بشهور...
كانت مريم بقت في أولى ابتدائي.
وفي يوم رجعت من المدرسة وهي زعلانة.
أمها سألتها
مالك يا حبيبتي؟
قالت وهي دموعها في عينيها
صحبتي سألتني... هو ليه أنا مش بعيش مع بابا؟
سكتت الأم لحظة...
وقعدتها في حضنها.
وقالت
يا مريم... ساعات الكبار بيغلطوا، لكن ده عمره ما يغير إن باباك بيحبك، وإنتِ بنتنا الغالية.
في نفس الوقت...
كان أحمد ملتزم بكل مواعيد رؤية بنته.
كل مرة ييجي قبل معاده بنص ساعة.
ويجيب لها كتاب جديد أو لعبة تعليمية.
ومع الوقت...
بدأت مريم ترجع تضحك معاه من تاني.
وفي يوم...
بعد ما خلصت الزيارة، أحمد طلب يقابل والدها.
وقف قدامه وقال
أنا عارف إنك مستحيل تنسالي اللي عملته.
رد الأب بهدوء
النسيان مش بإيدي... لكن المهم تكون اتعلمت.
قال أحمد وهو مطأطئ راسه
اتعلمت إن البيت مش بيتبني بالصوت العالي... ولا بالعناد.
ابتسم الأب لأول مرة.
وقال
حافظ على علاقتك ببنتك... دي أغلى حاجة عندك.
مرت خمس سنوات...
وفي حفل تكريم المتفوقين...
طلعت مريم تستلم المركز الأول على المدرسة.
المذيع سألها
تحبي تهدي نجاحك لمين؟
ابتسمت وقالت
لماما... لأنها عمرها ما استسلمت.
ولجدو... لأنه علمني إن الحق لازم نتمسك بيه.
ولبابا... لأنه اتغير وبقى بيحاول يبقى أب أحسن كل يوم.
ساد الصمت في القاعة...
ثم دوّى التصفيق.
نظر الأب والأم إلى ابنتهما بفخر.
ورغم أن الحياة لم تعد كما كانت...
إلا أن الجميع تعلم درسًا لن ينساه
قد ينكسر البيت بالخلاف... لكن الطفل يظل بحاجة إلى الرحمة، والعدل، وأن يتحمل الكبار مسؤولية أخطائهم.
تمت بعد عشر سنوات...
كانت مريم واقفة على
وسط تصفيق الحضور...
نادوا اسمها
الأولى على الدفعة... مريم أحمد.
طلعت تستلم شهادتها، ونزلت تجري على أمها وجدها.
حضنتهم وهي بتبكي.
وقالت
النهارده حققت حلمنا.
الجد ابتسم وقال
لا يا بنتي... ده حلمك إنتِ.
بعد الحفل...
مريم طلبت من أمها وجدها يروحوا معاها مكان معين.
ركبوا العربية، وبعد نص ساعة وقفوا قدام بيت قديم.
نفس البيت...
اللي خرجت منه وهي طفلة في عز البرد.
بصت لأمها وقالت
فاكرة الليلة دي؟
هزت أمها رأسها ودموعها نزلت.
قالت مريم
أنا فاكراها كويس... ويمكن هي اللي خلتني أحب القانون وأدافع عن المظلومين.
وفي اللحظة دي...
وصل أحمد.
كان شعره كله شاب.
وبقى أكثر هدوءًا.
وقف قدام بنته وقال
مبروك يا دكتورة.
ضحكت وقالت
لسه محامية يا بابا.
ناولها علبة صغيرة.
فتحتها...
ولقت فيها ساعة قديمة.
قال
دي أول ساعة اشتريتها وأنا شاب... احتفظت بيها عشان أهديهالك في يوم أفتخر بيكي فيه.
ابتسمت، ولبستها.
ثم قالت
الماضي عمره ما هيرجع... لكن الإنسان يقدر يتعلم منه.
مدت إيدها لأبوها.
صافحها وهو متأثر.
ثم بصت لجدها وقالت
لو جدو ما كانش وقف جنبنا... ماكنتش هقف هنا النهارده.
رد الجد وهو يبتسم
أنا عملت واجبي... والباقي عملته أمك.
وفي تلك اللحظة...
أخرجت الأم ورقة قديمة من ملف كانت محتفظة به.
نفس الورقة التي حفظت حقوقها يومًا ما.
مزقتها إلى قطع صغيرة.
استغرب الجميع.
فقالت
الورقة دي أدت دورها... أما دلوقتي، فأكبر انتصار إننا بقينا أقوى من الوجع، ومبقاش الماضي هو اللي بيحكم حياتنا.
وقفوا جميعًا ينظرون إلى السماء...
والجد قال آخر كلمة
الكرامة هي أغلى ميراث يقدر الأب يسيبه لأولاده.
النهاية الحقيقية. بعد سنوات قليلة...
افتتحت مريم أول مكتب محاماة يحمل اسمها.
وعلّقت على الباب لافتة مكتوب عليها
مكتب المستشارة مريم أحمد... للدفاع عن الأسرة وحقوق الأطفال.
في أول يوم عمل...
دخلت سيدة في الأربعين من عمرها، ومعها طفلة صغيرة.
كانت ترتجف من الخوف...
وتمسك بكيس أسود مليئًا بالملابس.
تجمدت مريم في مكانها.
نفس الكيس...
نفس النظرة...
ونفس الخوف الذي عاشته وهي طفلة.
ابتسمت للسيدة وقالت
اطمني... اقعدي الأول.
قدمت للطفلة كوبًا من العصير، وأحضرت لها لعبة صغيرة كانت تضعها في المكتب للأطفال.
ثم قالت للأم
احكيلي... وأنا أوعدك إن حقك مش هيضيع.
انفجرت السيدة في البكاء.
وقالت
أول حد يسمعني من غير ما يحكم عليا.
وبعد شهور من المتابعة...
كسبت مريم القضية.
خرجت السيدة من المحكمة وهي تبتسم لأول مرة منذ سنوات.
وقالت وهي تحتضن مريم
ربنا يجازيكي خير.
ابتسمت مريم وقالت
اللي أنقذني وأنا صغيرة... علمني إن القوة الحقيقية إنك تمد إيدك لغيرك.
في المساء...
رجعت البيت.
وجدت جدها جالسًا في الحديقة يسقي الزرع، كعادته.
جلست بجواره.
قال لها وهو يبتسم
شكلك كسبتي قضية جديدة.
ضحكت وقالت
أيوه... لكن الجائزة الحقيقية كانت دعوة من قلب أم كانت فاكرة إن الدنيا خلصت.
ربت الجد على كتفها وقال
يبقى رسالتي وصلت.
وفي تلك الليلة...
نام الجد بهدوء.
وفي الصباح...
دخلت مريم توقظه لتفطر معه.
لكنها وجدته مبتسمًا...
وكأنه رحل وهو مطمئن.
جلست بجواره، وأمسكت يده، وقالت والدموع تملأ عينيها
متخافش يا جدو... هكمل الطريق اللي علمتني أمشي فيه.
وشُيّع الرجل الذي كان سندًا للجميع.
وفي يوم تأبينه...
وقفت مريم أمام الحضور وقالت
كان جدي يقول دائمًا الحق قد يتأخر... لكنه لا يضيع. واليوم أعده أن تظل هذه الكلمات منهج حياتي.
وقف الجميع يصفقون...
لرجل لم يكن مشهورًا...
لكنه صنع فرقًا في حياة ابنته وحفيدته، وترك وراءه إرثًا من الكرامة والعدل لا يُنسى. بعد مرور عام...
كانت مريم ترتب أوراق جدها في غرفته.
فتحت الدرج الأخير في مكتبه...
ولقت ظرفًا أبيض مكتوبًا عليه بخط إيده
يتفتح بعد رحيلي.
ارتجفت إيديها.
ونادت أمها.
فتحوا الظرف معًا.
وكانت فيه رسالة.
بنتي... وحفيدتي مريم...
لو بتقروا الرسالة دي، يبقى أنا خلاص مشيت.
أوعوا تزعلوا.
أنا عشت عمري كله بدعي ربنا أشوفكم واقفين على رجليكم... والحمد لله شفت ده بعيني.
في درج المكتب عقد بيت صغير كنت شاريه من سنين، وسجلته باسم مريم.
كنت ناوي أهديهولها يوم جوازها...
لكن ربنا كان ليه تدبير تاني.
يا مريم...
البيت ده مش قيمته في تمنه.
قيمته إنه أول بيت هتدخليه وإنتِ عارفة إن محدش يقدر يطلعك منه.
عشان عمرك ما تنسي الليلة اللي رجعتي فيها مع أمك وإنتِ بردانة.
وعشان تفضلي تعرفي إن الأمان... أغلى من أي حاجة.
ولو أمك احتاجت سند...
خليكي لها زي ما كانت هي سند ليكي.
أبوكي لو فضل على التوبة والندم...
احترميه، لأنه أبوكي.
لكن متسمحيش لحد يهين كرامتك أبدًا.
ربنا يحفظكم.
انتهت الرسالة...
ولم تستطع الأم ولا مريم حبس دموعهما.
بعد أيام...
ذهبت مريم إلى البيت الذي تركه لها جدها.
لم يكن قصرًا...
بل منزلًا بسيطًا تحيط به حديقة صغيرة.
دخلته وهي تبتسم.
وأول شيء فعلته...
أن علقت صورة جدها في مدخل البيت.
وكتبت تحتها
هنا يعيش رجل علّمنا أن الكرامة لا تُشترى، وأن البيت الحقيقي هو الذي يمنحك الأمان.
وفي يوم الافتتاح...
دعت الأطفال الأيتام وأسرًا بسيطة لتناول الغداء في البيت.
وقالت لأمها
نفسي كل حد يدخل المكان ده يحس بنفس الدفا اللي حسينا بيه يوم فتح لنا جدو الباب.
ابتسمت الأم وهي تنظر إلى صورة أبيها.
وقالت
كان هيكون فخور بيكي أوي.
رفعت مريم عينيها إلى السماء وهمست
متقلقش يا جدو... باب البيت ده هيفضل مفتوح لكل محتاج... زي ما كان بابك مفتوح لينا في أصعب ليلة عدت علينا.
تمت. بعد عدة أشهر...
كانت مريم قاعدة في مكتبها، بتراجع قضية جديدة.
دخل السكرتير وقال
يا أستاذة مريم... في راجل كبير مستني برة، ومش راضي يقول اسمه.
قالت
دخله.
دخل الرجل بخطوات بطيئة.
أول ما شافته، قامت واقفة.
كان صديق جدها القديم... عم حسين.
ابتسم وهو يخرج صندوقًا خشبيًا صغيرًا.
وقال
أبوكي الله يرحمه سلّمني الصندوق ده من خمس سنين، وقالي متدهوش لمريم غير لما أحس إنها بقت قوية كفاية.
فتحت مريم
متابعة القراءة