بعد وفاة مراتي
دي سمعت صوت الباب الحديدي بيتقفل بعنف.
لفيت بسرعة.
الباب اتقفل من بره.
بقيت محبوس.
وبدأت ريحة دخان تدخل المكان.
جريت ناحية الباب أخبط عليه.
افتحوا!
محدش رد.
وفجأة... سمعت صوت نفس الراجل من سماعة صغيرة كانت مركبة في السقف.
قال بهدوء
واضح إنك عنيد يا ياسين.
صرخت
إنت عايز مني إيه؟
رد
من أول يوم... وإحنا مش عايزين غير حاجة واحدة.
إيه هي؟
المفكرة.
سكت لحظة، ثم أكمل
لو كانت معاك دلوقتي... كنت خرجت من هنا في نفس اللحظة.
لكن لأنك مخبيها...
هتفضل تدور عليها لوحدك.
وفجأة اشتغل رشاش الإطفاء في السقف.
المية نزلت بغزارة.
والدخان بدأ يختفي.
بعد دقيقة، الباب اتفتح لوحده.
خرجت أجري.
لكن ماكانش فيه أي حد.
رجعت بسرعة للمعرض.
لقيت الراجل الكبير مستنيني.
أول ما شاف الشريط في إيدي، تنفس براحة.
وقال
الحمد لله... لحقته.
سألته
هو مهم للدرجة دي؟
هز رأسه.
خديجة سجلته بنفسها قبل آخر يوم راحت فيه الشغل.
ابتلعت ريقي.
يعني فيه صوتها؟
قال
أيوه... لكن اسمعه لوحدك.
خدت الشريط وروحت البيت.
طلعت جهاز تسجيل قديم كان عندي من زمان، وبعد محاولات قدرت أشغله.
طلع صوت تشويش...
وبعدين صوت خديجة.
كان هادي... لكنه متوتر.
قالت
ياسين... لو بتسمع الرسالة دي، يبقى أنا ماقدرتش أرجع في الوقت اللي وعدتك بيه.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
كملت
أنا اكتشفت حاجة خطيرة بالصدفة، وماقدرتش أسكت.
توقف التسجيل ثانيتين.
ثم قالت
لو حصل لي أي مكروه... متتهمش أي حد قبل ما تعرف الحقيقة كاملة.
وبعدها مباشرة...
سمع صوت باب بيتفتح في الخلفية.
وصوت راجل بيقول
مدام خديجة... الوقت انتهى.
وانقطع التسجيل فجأة...
لكن قبل ما ألحق أستوعب اللي سمعته، رن جرس باب شقتي.
بصيت في العين السحرية...
فاتسعت عيناي.
كان والد خديجة واقف خارج الباب...
وفي إيده حقيبة جلدية قديمة، وقال بصوت مرتفع يكفي إني أسمعه من خلف الباب
افتح يا ياسين... لأن الحقيبة دي خديجة سابتها أمانة عندي، وماينفعش تتأخر عن كده إيدي كانت فوق المظروف... لكني وقفت.
افتكرت كل التحذيرات.
مرة يقولوا ما تفتحوش.
ومرة يقولوا افتحه.
واضح إن في حد بيحاول يوجه كل خطوة باخدها.
حطيت المظروف على الترابيزة.
وقلت لنفسي
مش هسمع كلام حد... هتصرف بعقلي.
رجعت للفيديو مرة تانية.
وقفت اللقطة اللي ظهر فيها الرجل.
كبرت الصورة على قد ما قدرت.
الملامح كانت مشوشة.
لكن في تفصيلة لفتت انتباهي.
في إيده اليمين...
خاتم فضة كبير عليه نقش غريب.
اتسعت عيني.
أنا شفت الخاتم ده قبل كده.
لكن فين؟
فضلت أقلب في ألبوم الصور اللي كان جوه الحقيبة.
صورة...
ورا التانية...
لحد ما وقعت على صورة قديمة من
كان فيها أنا...
وخديجة...
وكذا ضيف.
وفي آخر الصورة، واقف بعيد شوية، راجل بيسلم على والد خديجة.
كبرت الصورة.
قلبي دق بعنف.
نفس الخاتم.
لكن وشه كان بعيد ومش واضح.
قلبت الصورة.
على ظهرها، بخط خديجة، مكتوب
ده أول مرة شفته... وحسيت إنه بيراقب كل حاجة.
في اللحظة دي، رن جرس الشقة.
بصيت من العين السحرية.
كان محمود.
فتحت بسرعة.
أول ما دخل، قال وهو بيجري
لازم تمشي من هنا حالًا.
استغربت.
ليه؟
قال وهو بيلهث
المكتب بتاعك اتقلب.
حد دخل وقلب كل الملفات.
بس الغريب...
ماخدش ولا جنيه.
ولا جهاز.
كان بيدور على حاجة معينة.
بصيت للحقيبة.
قلت بهدوء
كانوا بيدوروا على الأوراق دي.
محمود بصلي باستغراب.
إيه اللي بيحصل يا ياسين؟
قبل ما أرد...
سمعنا صوت رسالة جديدة على هاتفي.
فتحتها.
كانت صورة حديثة لمكتبي بعد اقتحامه.
يعني اللي بعت الرسالة... كان لسه هناك من دقائق.
وتحت الصورة مكتوب
المظروف الكبير فيه اسم واحد... ولو عرفته، هتعرف ليه كل الناس كانت مستعدة تضحي بأي حاجة علشان السر ده يفضل مدفون.
نظرت إلى محمود.
ثم إلى المظروف.
أخذت نفسًا عميقًا...
ومددت يدي ببطء لأفض الختم، بينما محمود يراقبني في صمت، غير مدرك أن الورقة الموجودة بالداخل قد تغيّر نظرتنا لكل ما حدث منذ خمس سنوات تجمدت في مكاني.
الصمت اللي سبق الصوت كان مرعب.
ثم...
تك...
صوت المفتاح وهو بيلف في الكالون.
لكن الباب ما اتفتحش.
لأني قبلها بشهور كنت مركب كالون داخلي إضافي.
حمدت ربنا في سري.
أخدت ليلى بسرعة من أوضتها.
صحيت وهي مفزوعة.
قالت بنعاس
بابا... في إيه؟
وقلت بهدوء
مفيش يا حبيبتي... تعالي اقعدي جنبي.
في نفس اللحظة...
سمعنا حد بيجرب مفتاح تاني.
ثم تالت.
ولما فشل...
بدأ يخبط على الباب.
خبطات قوية هزت الشقة كلها.
وفجأة سمعنا صوته
افتح يا ياسين... عارف إنك صاحي.
ما رديتش.
عدت ثواني.
ثم سمعنا خطواته وهي بتبعد.
استنيت دقيقة...
واتنين...
ولما حسيت إن الهدوء رجع، قربت من العين السحرية.
الطرقة كانت فاضية.
لكن على الأرض قدام الباب...
كان فيه ظرف أسود.
استنيت عشر دقايق كاملة قبل ما أفتحه.
فتحته بحذر.
كان جواه فلاشة صغيرة.
ومعاها ورقة مكتوب فيها
لو فتحت المظروف الكبير قبل ما تشوف اللي على الفلاشة... هتضيع الحقيقة للأبد.
بصيت للحقيبة.
ثم للفلاشة.
قررت أشغلها الأول.
وصلتها باللاب توب.
ظهر ملف فيديو واحد.
ضغطت تشغيل.
بدأ الفيديو بصورة كاميرا مراقبة قديمة.
التاريخ الظاهر على الشاشة...
كان نفس تاريخ اختفاء خديجة.
الكاميرا كانت مصورة مدخل شركة الأفق.
بعد دقائق ظهرت خديجة.
كانت ماشية بسرعة، وفي
دخلت الشركة.
لكن اللي حصل بعدها خلاني أميل لقدام من شدة التركيز.
بعد أقل من عشر دقائق...
خرجت خديجة من المبنى.
لكنها ما كانتش لوحدها.
كان ماشي جنبها رجل يحمل ملفًا أسود، ووشه ماكانش واضح لأن الكاميرا بعيدة.
وقفا يتكلموا لدقيقة.
ثم كل واحد ركب عربية مختلفة.
الفيديو اتقدم تلقائيًا.
ظهرت لقطة جديدة من كاميرا تانية على طريق سريع.
عربية خديجة كانت ماشية بشكل طبيعي.
وفجأة...
عربية بيضاء ظهرت من جنبها.
فضلت ماشية بمحاذاتها لثوانٍ.
ثم اختفت من الكادر.
بعدها بثوانٍ...
الكاميرا سجلت لحظة اصطدام سيارة خديجة بالحاجز.
الفيديو وقف.
لكن قبل ما الشاشة تسود، ظهر إطار واحد فقط.
إطار سريع جدًا.
لدرجة إنه لو حد ماكانش مركز، ماكنش هيلاحظه.
كان وجه الرجل اللي كان خارج مع خديجة من الشركة...
ولأول مرة قدرت أشوف ملامحه بوضوح.
شهقت.
لأنني كنت أعرف هذا الوجه...
لكن لم أستطع أن أتذكر من أين.
وفي اللحظة نفسها...
وصلتني رسالة نصية من رقم مجهول
دلوقتي افتح المظروف الكبير... لأنك بقيت مستعد تعرف أول اسم في القضية فضيت ختم المظروف ببطء.
قلبي كان بيدق لدرجة إني كنت سامع صوته.
طلعت أول ورقة.
كانت مكتوبة بخط خديجة.
ياسين... لو وصلت للرسالة دي، يبقى عرفت إن الحقيقة كانت أكبر من مجرد حادث. لكن أوعى تكره حد قبل ما تقرأ كل كلمة.
بلعت ريقي، وكملت.
أنا اكتشفت بالصدفة إن في مجموعة من الموظفين في شركة الأفق كانوا بيزوروا مستندات ويخفوا أوراق مهمة. لما عرفوا إني شفت حاجة ماكانش المفروض أشوفها، بقيت خايفة.
محمود قرب مني وقال
كمّل.
قلبت الصفحة.
كان فيها اسم واحد فقط...
لكنه مش اسم الشخص اللي كنت متوقعه.
كان مكتوب
الشخص الوحيد اللي أثق فيه بعد ياسين... محمود.
بصيت لمحمود بسرعة.
هو كمان اتصدم.
قال
أنا؟
كملت القراءة.
لو حصل لي حاجة، اطلب من محمود يراجع الملف اللي خبيناه في المكان اللي اتفقنا عليه.
محمود عقد حاجبيه.
أنا عمري ما اتفقت معاها على أي حاجة!
وقبل ما أتكلم...
وقف فجأة.
حط إيده على دماغه.
وقال بصوت متردد
استنى...
استنى...
أنا فاكر حاجة.
بصيتله باهتمام.
قال
قبل اختفاء خديجة بيومين، قابلتني فعلًا.
قالتلي إنها عايزة تسيب عندي ظرف يومين بس.
لكن وقتها كنت مسافر موقع شغل، وقلت لها تستناني لما أرجع.
رجعت بعدها بأيام...
وعرفت إنها ماتت.
افتكرت إنها غيرت رأيها.
اتسعت عيني.
قلت بسرعة
يعني كان فيه ظرف؟
هز رأسه.
أيوه... لكن...
سكت فجأة.
لكن إيه؟
رد وهو بيضغط على رأسه
دلوقتي افتكرت... هي كانت قالتلي جملة غريبة.
لو نسيت... دور في الورشة القديمة.
قفزت
الورشة القديمة!
دي أول ورشة اشتغلنا فيها سوا بعد الجواز، قبل ما أفتح المكتب الهندسي.
كانت مقفولة من سنين.
في اللحظة نفسها...
رن هاتف محمود.
بص للشاشة، واتغير لون وشه.
قلت
مين؟
رد بهمس
رقم خاص.
فتح السماعة.
فضل ساكت يسمع.
ثم قال
مستحيل...
وأقفل الخط.
سألته بقلق
قالوا إيه؟
بصلي وعينه مليانة ذهول.
وقال
اللي كلّموني قالوا متروحوش الورشة... لأنكم متأخرين.
وفي نفس الثانية...
وصلت رسالة على هاتفي فيها صورة حديثة للورشة القديمة.
بابها كان مكسورًا...
والقفل ملقى على الأرض.
وتحت الصورة مكتوب
في حد سبقكم بخمس دقائق بعد ما فتحت المظروف...
وقعت منه ورقة واحدة فقط.
ماكانش فيها غير سطرين بخط خديجة
الحقيقة مش هترجعني... لكنها هترجع لياسين سلامه. سامحوا اللي أخطأ... لأن انتقام السنين مش هيعيد حد.
وتحتها عنوان.
عنوان الورشة القديمة.
أنا ومحمود خرجنا فورًا.
ولما وصلنا...
لقينا الباب مكسور فعلًا.
دخلنا بحذر.
كل حاجة كانت متبهدلة.
واضح إن حد فتش المكان بالكامل.
لكن في آخر الورشة كان فيه حائط خشبي قديم.
محمود وقف فجأة وقال
استنى... الحيطة دي مش كانت كده.
قربنا.
لقينا لوح خشب مفكوك.
شيلناه.
ورا اللوح كانت خزنة صغيرة.
المفتاح اللي معايا دخل فيها.
ولما فتحتها...
لقيت صندوق معدني.
جواه فلاشة، وأصل المستندات اللي خديجة كانت بتحاول تحافظ عليها، تثبت وجود تزوير مالي داخل الشركة، ورسالة أخيرة.
شغلت الفلاشة.
ظهر تسجيل لخديجة.
كانت بتقول
أنا سلمت كل الأدلة للجهات المختصة. لو حد وصل للفلاشة دي، يبقى يعرف إن دوري انتهى.
وفي نهاية التسجيل قالت
ياسين... أنا خرجت من البيت علشان أحميك إنت وليلى من المشكلة دي. وما كنتش أعرف إن الطريق هينتهي بحادث. متخليش الحزن يسرق عمرك.
سكت التسجيل.
أنا فضلت أبكي لأول مرة من سنين.
في اللحظة دي دخلت الشرطة إلى الورشة.
كان والد خديجة قد سلّم لهم كل ما احتفظ به طوال السنوات الماضية، ومع اجتماع المستندات الموجودة في الحقيبة مع ما وجدناه في الخزنة، اكتملت الصورة.
اتضح أن حادث خديجة كان نتيجة اصطدام وقع أثناء مطاردة مرتبطة بالقضية التي كانت تحمل مستنداتها، وأن سنوات الصمت والخوف جعلت عائلتها تخفي تفاصيل كثيرة ظنًا منهم أنهم يحمون ليلى ويمنعون تجدد الخطر.
بعد شهور، أُغلقت القضية بعد استكمال التحقيقات، وعادت سمعة خديجة كما كانت تستحق.
وقفت أنا وليلى أمام قبرها لأول مرة.
وضعت باقة ورد أبيض.
وليلى همست وهي تمسك إيدي
ماما كانت بتحبنا... صح؟
نزلت على ركبتي، ومسحت دموعي، وقلت
أيوه يا حبيبتي... كانت بتحبنا لآخر لحظة.
ابتسمت ليلى، وحطت الرسمة اللي
وأنا بصيت للسماء، وحسيت إن الحمل اللي كان فوق قلبي من خمس سنين بدأ يخف.
رجعت أنا وليلى بيتنا.
من غير أسرار...
ومن غير خوف...
لكن ومعانا يقين واحد
إن الحقيقة ممكن تتأخر... لكنها في النهاية بتوصل، وإن الحب الصادق عمره ما كان السبب في النهاية المؤلمة، بل كان الشيء الوحيد اللي فضل حيًا بعد كل شيء.