بعد وفاة مراتي
ما تثقش في أي حد، حتى أقرب الناس ليك وقفت أبص للصندوق لحظات.
ما لمستوش على طول.
دخلت البيت وقفلت الباب بالمفتاح، وبعدها طلبت من ليلى تدخل أوضتها وتكمل رسم.
جبت جوانتي من المطبخ، وحطيت الصندوق على السفرة.
كان صغير، لكن تقيل بشكل غريب.
فتحت الغطا بحذر.
جواه ظرف بني، وساعة يد رجالي مكسور زجاجها.
أول ما شفت الساعة، شهقت.
دي كانت ساعتي.
الساعة اللي ضاعت مني يوم ما روحت بيت أهل خديجة بعد ما سابت البيت، ولما الأمن خرجني من قدام البوابة.
مسكتها بإيدي وأنا مش مصدق.
على ظهر الساعة كان فيه نقش جديد.
ابحث عن أم أمينة.
وقفت مكاني.
أم أمينة...
جارتنا اللي في الدور الخامس.
الست اللي خديجة سابت ليلى عندها يوم خرجت من البيت.
فضلت أسأل نفسي
إزاي ما فكرتش أكلمها في الموضوع ده من خمس سنين؟
في نفس الليلة، بعد ما نيمت ليلى، طلعت للدور الخامس.
خبطت على الباب.
فتحت أم أمينة، ولما شافتني ابتسمت.
لكن أول ما لاحظت الساعة في إيدي، ابتسامتها اختفت.
وشها شحب.
وقالت بصوت منخفض
أخيرًا... وصلتلك.
حسيت إن قلبي وقف.
قلت بسرعة
تقصدي إيه؟
بصت يمين وشمال، وبعدها قالت
ادخل... الكلام ده ما ينفعش يتقال على السلم.
دخلت وقعدت.
قامت فتحت دولاب قديم، وطلعت علبة صفيح صغيرة ملفوفة بقماش.
حطتها قدامي.
وقالت
خديجة جتلي يوم ما سابت ليلى عندي.
كانت مرعوبة.
وقالتلي لو جرالي حاجة، ما تديش العلبة دي لياسين إلا بعد خمس سنين.
بصيت لها مذهولًا.
خمس سنين؟ ليه؟
هزت رأسها بأسف.
قالت إن الحقيقة هتكون أخطر عليه لو عرفها قبل كده.
مدتلي العلبة.
إيدي كانت بترتعش وأنا بفتحها.
جواها...
مفكرة صغيرة.
وصورة.
ومفتاح تاني.
فتحت أول صفحة في المفكرة.
كان مكتوب بخط خديجة
ياسين... لو بتقرأ السطور دي، يبقى حد نفذ وصيتي.
وقبل ما أكمل القراءة...
أم أمينة حطت إيدها على المفكرة بسرعة.
وقالت بقلق شديد
استنى!
بصيت لها باستغراب.
قالت وهي بتبص ناحية الشباك
إحنا مش لوحدنا...
لأن فيه حد واقف تحت العمارة... ومن ساعة ما طلعت عندي وهو ما اتحركش، وعينه على الشقة تجمد الدم في عروقي.
قربت بهدوء من الشباك، ورفعت طرف الستارة سنتيمتر واحد.
في الشارع، تحت عمارتنا مباشرة، كانت عربية سوداء واقفة وأنوارها مطفية.
جنبها راجل واقف، لابس كاب أسود، وباصص لفوق... ناحية شقة أم أمينة بالظبط.
رجعت خطوة لورا.
همست
تعرفيه؟
هزت رأسها بالنفي.
لا... بس ده مش أول مرة أشوفه.
قلبي دق بعنف.
يعني إيه؟
قالت وهي تضم العلبة لصدرها
بقاله أسبوعين بييجي كل يوم تقريبًا... يقف شوية ويمشي. كنت فاكرة إنه مستني حد من السكان.
وفجأة...
رن جرس
أنا وأم أمينة بصينا لبعض.
الجرس رن مرة...
واتنين...
وتلاتة.
لكن محدش فينا اتحرك.
بعد ثوانٍ، خبط على الباب.
خبطات بطيئة... لكنها قوية.
ثم جه صوت راجل من بره
يا حاجة أم أمينة... افتحي، معايا طرد باسم الأستاذ ياسين.
أنا عمري ما طلبت أي طرد.
همست
ما تفتحيش.
سكتنا.
بعد دقيقة، الخطوات بعدت.
استنينا خمس دقايق كاملين، وبعدها فتحت أم أمينة الباب بحذر.
ماكانش فيه حد.
لكن كان فيه ظرف أبيض على الأرض.
التقطته بسرعة.
كان مكتوب عليه بخط واضح
فاتتك فرصة تعرف الحقيقة من خديجة... ما تضيعش التانية.
فتحت الظرف.
ماكانش فيه غير مفتاح صغير، وكارت مكتوب عليه عنوان واحد فقط
مخزن رقم 17.
لكن اللي شد انتباهي مش العنوان...
كان الختم الموجود أسفل الكارت.
نفس الختم اللي شفته من ساعات في الأوراق القديمة داخل الملف.
رفعت رأسي ناحية أم أمينة.
قلت
ده نفس المكان اللي قالي عليه عادل.
اتغير لون وشها فجأة.
وقالت بصوت مرتعش
يبقى الحق قبل ما يسبقوك.
سألتها بسرعة
يسبقوني لإيه؟
ردت وهي تشير إلى المفكرة
لأن خديجة كتبت فيها إن اللي داخل مخزن 17... هيلاقي الدليل الوحيد اللي يثبت إنها خرجت من البيت بإرادتها... لكنها ما اختارتش اللي حصل بعد كده.
وقبل أن تكمل...
رن هاتفي.
كان رقم عادل.
رديت فورًا.
لكن الصوت اللي جه ماكانش صوته.
كان صوت رجل هادئ قال
متتعبش نفسك وتروح المخزن...
سألته بانفعال
إنت مين؟
ضحك ضحكة قصيرة وقال
لأن عادل... موجود عندنا دلوقتي.
ثم ساد صمت لثانيتين...
قبل ما يقول جملة واحدة جعلت يدي تتجمد على الهاتف
ولو عايز تشوفه حي... تعال لوحدك، وسيب المفكرة في البيت قفلت المكالمة، وأنا حاسس إن دي مش دعوة... دي كمين.
أم أمينة بصتلي وقالت
أوعى تروح لوحدك.
بصيت للمفكرة في إيدي.
كل اللي بيحاولوا يوصلوله هو المفكرة.
يبقى أكيد فيها حاجة أهم من كل اللي عرفته لحد دلوقتي.
فتحت أول صفحة بسرعة.
كان أول سطر مكتوب
لو حد حاول يمنعك تكمل، اعرف إنك قربت من الحقيقة.
قلبت الصفحة.
لقيت خديجة كاتبة تاريخ اليوم اللي خرجت فيه من البيت، وبعده
خرجت وأنا فاكرة إني هرجع قبل ما ليلى تصحى. سيبتها عند أم أمينة لأنها أكتر واحدة كنت بثق فيها.
كمّلت القراءة.
الساعة 11 الصبح، جالي اتصال من شخص قال إن عنده حاجة تخص ياسين، ولازم يشوفني فورًا.
شهقت.
يعني هي ما خرجتش علشان تسيبني...
هي خرجت علشان تقابل حد.
وفجأة...
تليفون أم أمينة رن.
ردت، وسكتت وهي بتسمع.
بعدها وشها اصفر.
قالت بصوت مرتعش
بيقولوا انزلِي حالًا... وإلا هيولعوا العربية اللي تحت.
جريت للشباك.
بصيت.
لقيت عربية محمود واقفة
ومفيش حد جواها.
لكن راجل كان واقف جنبها، وماسك في إيده زجاجة مليانة بنزين.
بعد ثواني، رمى الزجاجة على كبوت العربية.
وقبل ما يشعل أي حاجة...
سمعنا صوت سرينة شرطة من آخر الشارع.
الراجل جرى بسرعة، وركب العربية السودا واختفى.
اتنفست الصعداء.
لكن أول ما بصيت للأرض، لقيت حاجة وقعت منه وهو بيهرب.
نزلت بسرعة وجبتها.
كانت بطاقة تعريف قديمة.
الصورة عليها كانت باهتة.
لكن الاسم كان واضح...
شركة الأفق للاستثمارات.
وقفت مكاني.
الاسم ده مألوف جدًا.
رجعت للمفكرة بسرعة.
وقلبت الصفحات.
وفجأة لقيت خديجة كاتبة نفس الاسم بالحرف.
وتحته جملة واحدة
لو حصل لي حاجة... دور على مدير شركة الأفق، لأنه آخر واحد قابلته قبل الحادث.
وفي نفس اللحظة...
وصلتني رسالة على هاتفي من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت صورة حديثة جدًا.
ليلى...
خارجة من مدرستها الصبح.
وتحت الصورة مكتوب
بنتك تحت المراقبة... والوقت بيخلص اتجمدت وأنا ببص للصورة.
الصورة كانت متصورة النهارده.
يعني اللي بيراقبني... بيراقب ليلى كمان.
قفلت الموبايل بسرعة، وخدت نفسًا عميقًا عشان أم أمينة ما تحسش بالذعر.
قلت بهدوء
من النهارده، ليلى مش هتروح أي مكان لوحدها.
هزت أم أمينة رأسها وقالت
وأنا هفضل معاها لو احتجت.
شكرتها، وخدت المفكرة والملف، ورجعت شقتي.
أول ما دخلت، لقيت ليلى نايمة على الكنبة، وفي حضنها الدبدوب القديم.
ابتسمت رغم خوفي.
غطيّتها بالبطانية، وقعدت أكمل قراءة المفكرة.
بعد صفحات قليلة، لقيت ظرفًا صغيرًا متثبت بين الورق.
فتحته.
كان فيه مفتاح ثالث...
ومعاه قصاصة مكتوب فيها
المفتاح ده يفتح درج مكتبي القديم في معرض الفنون.
افتكرت فورًا.
خديجة كانت بتشتغل في معرض للأعمال الفنية قبل ما تختفي.
تاني يوم الصبح، بعد ما وصلت ليلى لمدرستها بنفسي، اتجهت إلى المعرض.
المكان كان اتغير كتير.
لكن المدير الحالي، أول ما عرف اسمي، سكت لحظة وقال
استنى هنا.
دخل مكتب داخلي، وبعد دقائق رجع ومعاه راجل كبير في السن.
الراجل أول ما شافني، قال
إنت ياسين؟
هززت رأسي.
تنهد وقال
خديجة كانت وصتني... لو جيت في يوم، أسلمك حاجة.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
مشينا لآخر المعرض.
كان فيه مكتب خشبي قديم مغطى بقماش.
فتح الدرج بالمفتاح.
جواه دفتر صغير... وشريط تسجيل قديم.
بصيت للرجل باستغراب.
قال
الدفتر ملكها... أما الشريط، فقالت ما يسمعوش غير ياسين.
مديت إيدي آخده.
لكن قبل ما ألمسه...
دخل شاب يجري من باب المعرض وهو بيصرخ
الحقوا... فيه حريق في المخزن الخلفي!
في ثوانٍ، المكان كله اتحول لفوضى.
الناس بدأت تجري.
وأثناء الزحمة...
حسيت بكتف
لما بصيت...
كان الدفتر لسه في إيدي...
لكن شريط التسجيل اختفى.
ورفعت عيني في آخر الممر، فشفت رجلًا يبتعد مسرعًا، وفي يده الشريط... دون أن أستطيع رؤية وجهه.
وأدركت في تلك اللحظة...
أن الشريط كان يحمل سرًا أخطر حتى من كل ما قرأته في مفكرة خديجة وقفت مكاني وأنا مش قادر أقرر.
بعد كل اللي حصل، بقيت أشك في أي حد.
حتى والد خديجة.
لكن الحقيبة...
دي أول مرة أسمع عنها.
فتحت الباب بحذر، من غير ما أشيل السلسلة الحديد.
بصيت له.
كان شكله متغير جدًا.
شعره كله بقى أبيض، ووشه مليان إرهاق.
قال بهدوء
مش جاي أبرر اللي فات... جاي أنفذ وعد.
فكيت السلسلة، ودخل.
قعد على أقرب كرسي، وحط الحقيبة على الترابيزة.
فضل يبصلها ثواني، كأنه بيتردد.
وبعدين قال
خديجة سلمتهالي قبل آخر مرة أشوفها.
قلت بسرعة
يعني شفتها يوم الحادث؟
رفع عينه ليا وقال
لا... شفتها قبله بساعات.
وساد صمت تقيل.
قال بعدها
قالتلي يا بابا... لو ما رجعتش، سلم الشنطة دي لياسين... لكن بعد ما تتأكد إن ليلى بقت في أمان.
سألته بحدة
وليه استنيت خمس سنين؟
نزل برأسه للأرض.
لأن حد كان بيراقب البيت... وكل واحد كان بيقرب منك كان بيتأذى.
افتكرت عادل...
وافتكرت الرسائل والتهديدات.
مد إيده بالحقيبة ناحيتي.
افتحها.
فتحت السوستة ببطء.
كان جواها ملف أزرق.
وألبوم صور صغير.
ودفتر ملاحظات.
وأخيرًا...
مظروف كبير مكتوب عليه بخط خديجة
يُفتح بعد قراءة كل الأوراق.
فتحت الألبوم الأول.
كان فيه صور لرحلتنا بعد الجواز.
وصور ليلى وهي رضيعة.
لكن بين الصور...
كانت فيه صور لمبانٍ ومخازن وأرقام حاويات.
استغربت.
قلت
إيه الصور دي؟
رد والد خديجة
دي كانت آخر صور صورتها بالموبايل.
فتحت الدفتر.
لقيت خديجة كاتبة تواريخ وأسماء وأرقام شحن.
وفي آخر صفحة...
اسم واحد متكرر أكتر من مرة.
شركة الأفق للاستثمارات.
وفجأة...
رن هاتف والد خديجة.
بص للشاشة، واتغير لون وشه.
رد بسرعة، لكنه ما نطقش ولا كلمة.
كل اللي عمله إنه سمع الطرف التاني.
ثم قفل الخط.
وقف فجأة وقال
لازم أمشي حالًا.
استغربت.
تمشي؟ دلوقتي؟
قال وهو متوتر
لأنهم عرفوا إن الحقيبة وصلتلك.
وقبل ما يخرج، مسكني من كتفي وقال
مهما حصل... ما تفتحش المظروف الكبير اللي جوه الحقيبة الليلة.
سألته
ليه؟
رد وهو متجه للباب
لأن الليلة دي... في حد هيحاول ياخده منك.
خرج بسرعة.
قفلت الباب وراه.
وبعد أقل من دقيقة...
انطفأت كهرباء العمارة كلها.
غرقت الشقة في الظلام.
وفي وسط السكون...
سمعت صوت محاولة فتح باب الشقة من الخارج... بمفتاح صرخت من غير ما أفكر
استنى!
وجريت وراه.
كان بيجري
كل ما أقرب منه، يزود سرعته.
وفجأة دخل ممر ضيق بين المخازن.
دخلت وراه.
لكن أول ما وصلت آخر الممر...
اختفى.
المكان كان فاضي.
مفيش غير باب حديد قديم مفتوح نص فتحة.
دخلت بحذر.
لقيت شريط التسجيل مرمي على الأرض.
استغربت.
لو كان عايز يسرقه... ليه سابه؟
انحنيت آخده.
وفي اللحظة