بعد وفاة مراتي
رفعت عيني ناحية القاعة.
العروسة كانت بتضحك وهي بتتصور جنب كريم.
مستحيل تكون بتعمل كل ده وفي نفس الوقت تبعتلي الرسالة دي.
حطيت الورقة في جيبي.
رجعت قعدت جنب ليلى.
بصتلي وقالت
بابا... إحنا هنمشي؟
ابتسمت بالعافية.
أول ما الفرح يخلص يا حبيبتي.
عدت ساعة كاملة.
كانت من أطول الساعات في حياتي.
أول ما الزفة خلصت، كلمت محمود.
قلتله بهدوء
ممكن تاخد بالك من ليلى عشر دقايق؟ هروح أجيب حاجة من العربية.
هز راسه من غير ما يسأل.
خرجت بسرعة ناحية الباب الخلفي للقاعة.
المكان كان هادي.
إضاءة خافتة.
ومفيش غير صوت المكيفات.
استنيت دقيقة...
اتنين...
خمسة.
وفجأة الباب اتفتح.
خرجت العروسة وهي شايلة فوق فستان الفرح شال أسود يخفي أغلب ملامحها.
بصت حواليها تتأكد إن محدش شايفها.
وقالت بسرعة
معنديش وقت.
قلت بانفعال
إنتِ مين؟ وإزاي تعرفي خديجة؟
سكتت لحظة.
وبعدين فتحت شنطة صغيرة كانت معاها.
طلعت منها ظرف قديم لونه أصفر من الزمن.
ناولتهولي.
افتحه.
فتحت الظرف.
كان فيه صورة.
أنا...
وخديجة...
وليلى وهي رضيعة.
الصورة دي كانت متعلقة زمان في أوضة نومنا.
بعد اختفاء خديجة اختفت هي كمان.
رفعت عيني بصدمة.
الصورة دي كانت عندك إزاي؟
قالت بصوت منخفض
لأنها وصلتني مع حاجة تانية... قبل خمس سنين.
طلعت ورقة مطوية بعناية.
وقالت
دي رسالة... خديجة كتبتها بإيدها.
حسيت قلبي هيقف.
مديت إيدي آخدها.
لكن قبل ما ألمسها، سحبتها بسرعة.
وقالت بجدية
قبل ما تقراها... لازم تعرف إن كل اللي اتقالك عن وفاتها... مش كامل.
بلعت ريقي بصعوبة.
يعني إيه؟
ردت وهي بتبص في الأرض
يوم الحادث... كان فيه شخص تاني معاها.
وفيه حد تعمد يخفي الحقيقة عن الكل.
وقبل ما أسأل أي سؤال...
سمعنا صوت خطوات جاية بسرعة من آخر الممر.
العروسة اتوترت فجأة.
وشها شحب.
وقالت بصوت مرتعش
حد جاي... خبّي الظرف بسرعة... ولو سألك أي حد، قول إنك ما شفتنيش.
وفي اللحظة التالية...
ظهر رجل كبير في السن، أنيق جدًا، وبمجرد ما وقعت عيني عليه... عرفته فورًا.
كان والد خديجة.
لكن الطريقة اللي كان بيبص بيها لينا أكدت لي إن اللي هيحصل بعد اللحظة دي... هيغيّر كل حاجة اتجمدت مكاني.
بصيت للشباك المفتوح... ثم للصورة اللي على الأرض.
الهواء كان داخل بقوة يحرك الستارة، لكن مفيش أي أثر للشخص اللي دخل.
أول حاجة عملتها كانت إني أجري على أوضة ليلى.
فتحت الباب بسرعة.
لقيتها نايمة بهدوء، وحاضنة الدبدوب بتاعها.
اتنفست الصعداء.
قفلت الشباك واتأكدت إن باب الشقة مقفول، وبعدها رجعت للمكتب.
الصورة كانت لسه مكانها.
قلّبتها تاني.
الجملة مكتوبة بنفس الخط الأحمر
إياك تكمل القراءة.
لكن تحتها، كان فيه رقم صغير جدًا، كأنه اتكتب على استعجال.
رقم خزنة.
استغربت.
أنا عمري ما كان عندي خزنة.
فضلت أفكر لحد ما افتكرت...
مكتب الهندسة اللي فتحته من سنتين كان فيه خزنة حديد قديمة، سابها المالك السابق، وأنا استخدمتها أحفظ فيها العقود المهمة.
أخدت مفاتيحي ونزلت.
الساعة كانت قرب الفجر.
الشارع هادي بشكل غريب.
وصلت المكتب.
فتحت الأنوار، وروحت مباشرة للخزنة.
دخلت الرقم المكتوب.
في الأول رفض.
جربته مرة تانية بترتيب مختلف.
سمعت صوت تك.
باب الخزنة اتفتح.
لكن اللي جواها ماكنش العقود اللي كنت حاططها.
كان فيه صندوق خشب صغير، وأنا متأكد مليون في المية إنه ماكانش موجود قبل كده.
فتحته بحذر.
لقيت جواه فلاشة، ومظروف مختوم، وميدالية فضة على شكل نصف قلب.
أول ما شفت الميدالية، عرفتها.
دي كانت هدية جبتها لخديجة بعد أول سنة جواز.
هي كانت شايلة نص القلب...
وأنا كنت محتفظ بالنص التاني.
جريت على درج مكتبي، وطلعت ميداليتي القديمة.
حطيت النصين جنب بعض.
ركبوا على بعض بالظبط.
وفي ظهر القلب الكامل ظهرت جملة صغيرة محفورة ماكنتش باينة قبل كده
إذا افترقنا... فالحقيقة تجمعنا.
في اللحظة دي...
رن تليفوني.
الرقم كان مجهول.
رديت بسرعة.
فضل صمت ثواني.
وبعدين جه صوت راجل خشن
واضح إنك فتحت الخزنة.
اتسمرت مكاني.
سألته
إنت مين؟
رد بهدوء
مش مهم أنا مين... المهم إنك تقفل الصندوق وترجع كل حاجة مكانها لو عايز بنتك تفضل في أمان.
شهقت وأنا بصيت حواليا.
تقصد إيه؟
قال
بص من شباك مكتبك... لكن من غير ما تنزل.
قربت من الشباك بحذر.
ولما بصيت تحت...
قلبي وقع.
كانت ليلى واقفة على الرصيف مع سيدة مسنة تمسك بيدها، كأنها بتطمنها.
لكن ليلى كانت بتلف بعينيها في كل الاتجاهات، كأنها بتدور على حد.
وفي نفس اللحظة، الصوت على الهاتف قال
متخافش... بنتك لسه بخير.
ثم أكمل ببرود
لكن لو فتحت المظروف قبل ما أقابلك... ساعتها مش هقدر أوعدك إن كل حاجة هتفضل زي ما هي.
وانقطع الخط...جريت خارج المكتب بأقصى سرعة.
قلبي كان هيخرج من مكانه.
أول ما وصلت للرصيف، لقيت ليلى بتجري عليّا
بقوة
قلت بلهفة
إنتِ جيتي هنا إزاي؟
بصتلي باستغراب وقالت
يا بابا... الست الطيبة قالتلي إنك مستنيني هنا.
رفعت عيني أدور على السيدة.
لكنها كانت اختفت.
كأنها تبخرت.
رجعت أنا وليلى البيت فورًا، ومن ساعتها قررت إنها ما تسيبش عيني لحظة.
في اليوم التالي، وأنا في المكتب، لقيت ظرف صغير تحت الباب.
مفيش اسم.
ولا عنوان.
فتحت الظرف بحذر.
كان فيه ورقة مكتوب فيها
لو عايز تعرف الحقيقة... الساعة سبعة مساءً، مستودع
تحت الرسالة كان فيه شيء غريب...
مفتاح نحاس قديم، وعليه نفس رمز نصف القلب الموجود في الميدالية.
فضلت محتار.
أروح...
ولا يكون فخ؟
وفي الساعة السادسة مساءً، رن تليفوني.
كان محمود.
قال بقلق
إنت فين؟ فيه واحد جه المكتب بيسأل عليك، ولما عرف إنك مش موجود قال جملة غريبة.
سألته بسرعة
قال إيه؟
رد محمود
قال قول لياسين... ما يصدقش أي حد يقول إنه كان موجود يوم الحادث.
اتسعت عيني.
لأن دي أول مرة حد يذكر الحادث من غير ما أنا أتكلم عنه.
قفلت مع محمود، وبصيت للمفتاح اللي في إيدي.
وفي النهاية... قررت أروح.
وصلت المستودع قبل الساعة بربع ساعة.
المكان مهجور.
أبواب حديد صدئة.
وصوت الهوا بس هو اللي بيتسمع.
فضلت مستني.
وفجأة، خرج شخص من بين الظلال.
كان لابس قبعة وجاكيت طويل يخفي ملامحه.
وقف على بعد خطوات وقال
كنت عارف إنك هتيجي.
قلت بحذر
إنت مين؟
مد إيده بهدوء، وناولني ملفًا قديمًا.
وقال
قبل ما تفتح الملف... لازم تعرف حاجة واحدة.
بلعت ريقي.
قال بصوت ثابت
خديجة يوم ما خرجت من بيتكم... ما كانتش رايحة تسيبك.
كانت رايحة تقابلك بعد ما تخلص مشوار مهم... لكن في حد كان مستنيها قبل ما توصل.
وفي اللحظة دي...
سمعنا صوت عربية بتقف بعنف خارج المستودع.
الشخص المجهول لف بسرعة ناحية الباب، وتغيرت ملامحه.
وقال بصوت منخفض
وصلوا...
وأنا أدركت أن اللي داخلين المستودع... مش جايين يتكلموا خرجنا من الباب الجانبي بسرعة، ومشينا في شارع ضيق ورا المستودع.
كنت ماسك الملف بإيدي كأنه آخر أمل عندي.
وقفت فجأة وسألته
كفاية ألغاز... إنت مين؟
سكت لحظة، وبعدها قال
اسمي عادل... وكنت شغال محاسب في شركة والد خديجة.
استغربت.
وإيه علاقتك باللي حصل؟
قال وهو بيبص حواليه
يوم الحادث، كنت الشخص اللي استلم الأمانة اللي كانت خديجة رايحة توصلها... لكنها عمرها ما وصلت.
قطبت جبيني.
يعني الأمانة كانت إيه؟
هز رأسه.
ما أعرفش محتواها... لأنها كانت في صندوق مقفول، والمفروض ما يفتحهش غير صاحبه.
وبعدين أشار للمفتاح الصغير اللي في إيدي.
والمفتاح ده... هو مفتاح الصندوق.
حسيت إن كل خيط بيفتح خيط أكبر منه.
قلت بسرعة
والصندوق فين؟
رد
في مخزن قديم تابع للشركة... لكن بعد وفاة خديجة، المخزن اتقفل بالشمع الأحمر، وما حدش دخله.
وقبل ما أكمل أسئلتي، رن هاتف عادل.
بص للشاشة، واتغير لون وشه.
قفل المكالمة من غير ما يرد.
قلت
مين؟
قال بصوت منخفض
لازم نفترق دلوقتي... لو فضلنا مع بعض هنلفت الانتباه.
ناولني ورقة صغيرة.
ده عنوان المخزن... لكن أوعى تروح النهارده.
سألته
ليه؟
قال
لأن فيه حد بيراقبه من سنين.
لف
رجعت البيت، ولقيت ليلى قاعدة ترسم.
أول ما شافتني جريت عليّا.
وقالت بابتسامة
بابا... رسمت ماما.
ابتسمت رغم تعبي.
أخدت الورقة منها.
كانت رسمة بسيطة، لكن فيها تفصيلة خلتني أتجمد.
خديجة في الرسمة كانت لابسة سلسلة على رقبتها.
سلسلة بنصف قلب.
لكن جنبها كان فيه مفتاح صغير مرسوم بنفس شكل المفتاح اللي لسه واخده.
سألت ليلى بهدوء
إنتِ رسمتي المفتاح ده ليه؟
قالت ببراءة
عشان ماما كانت لابساه في الحلم.
اتسعت عيناي.
حلم؟
هزت رأسها.
آه... حلمت بيها امبارح. قالتلي قولي لبابا يدور في المخزن... بس يفتح الصندوق قبل ما ييجي آخر الشهر.
سكتُّ تمامًا.
ليلى ماكانتش تعرف أي حاجة عن المخزن... ولا عن المفتاح.
لكن كلماتها كانت مطابقة تقريبًا للكلام اللي قاله عادل.
في اللحظة دي...
رن جرس الباب.
فتحت بحذر.
ملقتش حد.
لكن على عتبة الباب كان فيه صندوق خشبي صغير.
وفوقه ورقة مكتوب عليها
العد التنازلي بدأ... وباقي ثلاثة أيام فقط الشخص المجهول مسك الملف بإيده بقوة، وبص ناحية الباب الحديدي.
قال بسرعة
اسمعني كويس... لو حصل أي حاجة، أهم حاجة الملف ما يقعش في إيدهم.
وقبل ما أسأله مين هم، الباب الخارجي اتفتح بعنف.
دخل ثلاثة رجال.
كان واضح إنهم جايين يدوروا على حد بعينه.
أول واحد منهم قال وهو بيبص في المكان
فتشوا المستودع كله.
المجهول شدني من دراعي وهمس
ورا الصناديق... بسرعة.
استخبينا بين صفوف من الصناديق الخشبية القديمة.
صوت خطواتهم كان بيقرب.
واحد منهم وقف على بعد أمتار قليلة وقال
أنا متأكد إنه هنا.
حبست أنفاسي.
لو اتحركت خطوة واحدة كانوا هيشوفونا.
وفجأة...
رن تليفون أحد الرجال.
رد بسرعة، وبعد ثواني قال
حاضر... هنرجع حالًا.
التلاتة خرجوا بنفس السرعة اللي دخلوا بيها.
فضلنا ساكتين دقيقة كاملة، لحد ما اتأكدنا إنهم مشيوا.
المجهول تنفس بارتياح، وسلمني الملف.
قال
دلوقتي افتحه.
فتحت الملف.
كان مليان أوراق قديمة.
أول ورقة كانت تقرير رسمي عن حادث السيارة.
لكن فيه ملاحظات مكتوبة بالقلم على الهامش، وكأن حد راجع التقرير بعد سنين.
وفي آخر صفحة، لقيت صورة لسيارة خديجة بعد الحادث.
الصورة خلتني أتجمد.
لأن باب السائق كان مقفول...
أما باب الراكب، فكان مفتوحًا بالكامل.
رفعت رأسي وسألت
يعني كان فيه حد معاها؟
هز رأسه وقال
أيوه... والشخص ده خرج من العربية قبل ما الإسعاف توصل.
قلبي بدأ يدق بعنف.
مين؟
رد وهو بيبص حواليه بحذر
لحد النهارده... محدش قدر يثبت هويته.
ثم طلع ظرفًا صغيرًا من جيبه.
وقال
ده آخر شيء كان مع خديجة.
فتحت الظرف.
كان فيه إيصال أمانة مختوم باسم شركة قديمة،
بصيت له باستغراب.
قال
خديجة كانت رايحة تسلم أمانة... وما وصلتش أبدًا.
وقبل ما أتكلم، سمعنا من بعيد صوت صفارات سيارات بتقرب من المستودع.
المجهول رفع رأسه وقال بقلق
لازم نمشي حالًا... لأن اللي بيطارد الحقيقة عرف إن الملف بقى معاك.
ثم أضاف وهو يفتح بابًا جانبيًا للمستودع
ومن النهارده...