بعد وفاة مراتي

لمحة نيوز

بعد وفاة مراتي أخدت بنتي وروحنا فرح أعز صحابي وأنا فاكر إنها مجرد ليلة وهتعدي. لكن في اللحظة اللي العريس شال فيها الطرحة عن وش العروسة، حسيت الأرض بتسحبني لتحت. بنتي شدت إيدي وهمست بابا إنت بتعيط ليه؟ والعروسة رفعت عينيها وبصتلي وفي الثانية دي، كل حاجة اتقلبت
أنا أصلًا ماكنتش ناوي أروح المناسبة دي. اللي أصر هو زميلي في الشغل، محمود، فضل يزن عليا ويقولي إن خروجة بسيطة هتطلعني من الحالة اللي أنا عايش فيها.
كنت بقالي أسابيع شغال ساعات إضافية في شركة المقاولات وجسمي كله كان مكسر من التعب.
قال وهو بيزقني ناحية باب قاعة الأفراح 
ساعة واحدة بس وبعدها امشي زي ما إنت عايز.
الغريب إن أهم لحظات العمر دايمًا بتيجي وإنت مش مستعد لها.
القاعة كانت مليانة ناس لبسهم شيك وأغلبهم من عائلات كبيرة. وأنا بلبسي البسيط حسيت إني غريب وسطهم.
ولحد ما شفتها.
اسمها خديجة.
هي كمان ماكنتش جاية تحضر الفرح، كانت جاية توصل أمانة لقريبتها وتمشي.
عيوننا اتقابلت من آخر القاعة وفي لحظة حسيت إن في حاجة شدّتني ناحيتها.
سألت محمود وأنا ببص عليها 
مين دي؟
بص عليها وقال 
دي خديجة بلاش تفكر حتى. أهلها من أغنى عائلات البلد.
لكني ما سمعتش كلامه وبدأت أمشي ناحيتها.
أول ما قربت، ابتسمتلي.
ابتسامة بسيطة لكنها خلت قلبي يدق بطريقة عمري ما حسيتها قبل كده.
مديت إيدي وقلت 
أنا اسمي ياسين.
ابتسمت وقالت 
وأنا خديجة.
كان صوتها هادي وثقتها في نفسها واضحة.
وبعدين ضحكت وقالت 
حاسّة إنك متضايق هنا زيي بالظبط.
قعدنا نتكلم ساعات.
اكتشفت إنها مختلفة تمامًا عن الصورة اللي كنت مرسمها في دماغي. لا فيها تكبر ولا غرور، بالعكس كانت بنت محترمة، طيبة وبتسمع باهتمام.
ولما وصلتّها لحد عربية السواق اللي كان مستنيها، كنت عارف إن حياتي مش هتبقى زي الأول.
قبل ما تركب، قالتلي 
أهلي مش هيوافقوا عليك.
ابتسمت وقلت 
وده هيغير حاجة؟
بصتلي بنظرة ثابتة وقالت 
يمكن بالنسبة لهم لكن بالنسبة لي، لأ.
بعد ست شهور اتجوزنا.
أهلها ماحضروش الفرح.
قاطعوها تمامًا.
حرموها من أي ميراث ومنعوا أي حد من العيلة يتواصل معاها.
لكن خديجة كانت كل مرة تمسك إيدي وتقول 
أنا اخترتك إنت والرزق بإيد ربنا.
وعشنا أيام حلوة.
استأجرنا شقة صغيرة فيها أوضتين.
أنا كنت بشتغل في المقاولات الصبح وبالليل بكمل دراستي في الهندسة المعمارية.
وخديجة اشتغلت في معرض للأعمال الفنية.
كنا مبسوطين أو على الأقل، أنا كنت فاكر كده.
لحد ما ربنا رزقنا ببنتنا، ليلى.
من يومها بدأت خديجة تتغير.
بقت تقارن حياتنا بالحياة اللي سابتها.
في ليلة وإحنا بناكل مكرونة في مطبخنا الصغير

وليلى نايمة جنبنا في سريرها الصغير، قالت فجأة 
صاحبتي اشترت فيلا على البحر.
قلت وأنا مركز في الرسومات اللي قدامي 
ربنا يباركلها.
قالت بضيق 
عزمتنا نزورها واضطريت أعتذر، لأننا مش قادرين.
الكلام وجعني.
قلت بهدوء 
إحنا الحمد لله مستورين وربنا هيكرمنا.
بصتلي وقالت بعصبية 
إمتى؟ لما ليلى تكبر وتتجوز؟ ولا لما شعرنا يشيب؟ أنا تعبت من كلمة ربنا هيكرمنا.
ومن يومها، الخلافات بقت كل يوم.
كانت بتضايق من الميزانية ومن إننا بنحسب كل جنيه.
وفي كل خناقة كانت تقول 
دي مش الحياة اللي كنت بحلم بيها.
كأنها نسيت إنها كانت عارفة أنا مين من أول يوم.
وفي مرة، بعد خناقة كبيرة، قلتلها 
إنتِ كنتِ عارفة ظروفي قبل الجواز.
ردت بكل برود 
يمكن دي كانت أكبر غلطة عملتها.
الكلمة دي كسرتني.
تاني يوم قررت أرجع من الشغل بدري واشتريت لها ورد يمكن أصلح اللي بينا.
لكن أول ما فتحت باب الشقة 
لقيت المكان ساكت بشكل يخوف.
دولابها فاضي.
شنطها اختفت.
كل هدومها مش موجودة.
أما ليلى، كانت نايمة في سريرها.
وجنبها ورقة صغيرة مكتوب فيها 
أنا طالبة الطلاق. سامحني، لكن جوازنا كان غلطة. سيبت ليلى عند أم أمينة جارتنا اللي في الدور الخامس. خليها معاك.
فضلت أتصل عليها عشرات المرات.
مفيش رد.
روحت بيت أهلها، يمكن ألاقيها.
لكن فرد الأمن وقفني عند البوابة.
قلت له 
لو سمحت أنا عايز أكلم خديجة دقيقة واحدة.
هز راسه وقال 
حضرتك ممنوع تدخل.
بعد يومين وصلتني أوراق الطلاق.
وكان معاها تنازل رسمي عن حضانة ليلى وكل حقوقها كأم.
محامين أبوها خلصوا كل حاجة بسرعة كأنهم كانوا مستنيين اللحظة دي.
لكن الصدمة الأكبر جات بعدها بست شهور.
اتصلت ببيت أهلها للمرة الأخيرة.
ردت والدتها.
قالت بصوت بارد 
خديجة توفاها الله في حادث عربية. وما تتصلش هنا تاني.
وقفلت السكة.
وقعت على أرض المطبخ وأنا مش قادر أستوعب.
فضلت أعيط لحد ما ليلى صحيت من النوم وهي بتبكي.
حتى قبرها ما عرفتش أوصله.
أهلها شالوها من حياتي كأنها عمرها ما كانت موجودة.
بعدها غرقت نفسي في الشغل.
وربيت ليلى بإيدي.
خلصت دراستي وبقيت أصمم بيوت بدل ما أبنيها بس.
والناس بدأت تعرف شغلي وربنا فتحها عليا.
بعد تلات سنين بقي عندي مكتب هندسي باسمي.
وليلى كبرت وبقت بنت ذكية وحنينة وكل يوم كانت ملامح أمها بتظهر فيها أكتر.
عدت خمس سنين.
الوجع ما اختفاش لكنه بقى أهدى
لحد اليوم اللي وصلتني فيه دعوة فرح وكانت بداية الكابوس الحقيقي ووو
مسكت الدعوة وأنا مستغرب.
اسم العريس خلاني أبتسم رغم كل اللي جوايا.
كان كريم... أعز صحابي من أيام الكلية، والإنسان الوحيد اللي فضل
واقف جنبي بعد وفاة خديجة.
اتصل بيا بنفسه وقال
أوعى تتأخر... وجودك مهم بالنسبة لي.
بصيت لليلى، كانت لابسة فستانها الصغير وبتلف قدام المراية وهي بتضحك.
قالت بحماس
بابا... هو هيبقى فيه تورتة كبيرة؟
ابتسمت لأول مرة من أيام.
أكبر تورتة شوفتيها.
...
وصلنا القاعة.
الأغاني شغالة، والناس كلها فرحانة.
كريم أول ما شافني وقال
كنت مستنيك... ومش هبدأ غير وإنت موجود.
قعدت أنا وليلى في الصفوف الأولى.
وبدأت مراسم الزفة.
العروسة داخلة بفستان أبيض طويل، ووشها مستخبي تحت الطرحة.
الغريب إني من أول ما شفتها حسيت بانقباض في صدري.
إحساس قديم... مش قادر أفسره.
قلت لنفسي
أكيد بتتهيألي.
الموسيقى هديت.
والمذيع قال بصوت عالي
واللحظة اللي الكل مستنيها... العريس هيشيل الطرحة.
كريم ابتسم ومد إيده.
وفي ثانية...
الطرحة ارتفعت.
اتجمدت مكاني.
الهواء اختفى من حواليا.
والدنيا كلها بقت ساكتة.
الملامح...
الابتسامة...
العينين...
كانوا نسخة طبق الأصل من خديجة.
لدرجة إني قمت واقف من غير ما أحس.
ليلى شدت كمي وهمست بخوف
بابا... إنت بتعيط ليه؟
قبل ما أعرف أرد...
العروسة نفسها بصت ناحيتي.
واتسعت عينيها فجأة.
وشها كله اتغير.
ولأول مرة اختفت ابتسامتها.
همست بكلمة واحدة... بالكاد خرجت من بين شفايفها
...ياسين؟
وفي اللحظة دي، القاعة كلها بدأت تلاحظ إن فيه حاجة غلط...
لكن اللي محدش كان يعرفه...
إن المصيبة الحقيقية لسه ما بدأتش فضلت واقف مكاني وأنا حاسس إن رجلي مش شايلاني.
مستحيل...
الاسم اللي نطقت بيه كان واضح.
قالت ياسين.
كريم لف ناحيتها باستغراب وسألها
إنتِ تعرفيه؟
العروسة ارتبكت بسرعة، ورجعت ابتسامتها بالعافية وقالت
يمكن اتلخبطت... شبه حد كنت أعرفه.
لكن أنا كنت متأكد إنها ما اتلخبطتش.
نفس نبرة الصوت...
ونفس الطريقة اللي كانت خديجة بتنطق بيها اسمي.
ليلى بصتلي وهي ماسكة إيدي بقوة.
بابا... مالك؟
بلعت ريقي بصعوبة وقلت
مفيش يا حبيبتي.
حاولت أقعد، لكن قلبي كان بيدق بعنف.
طول الفرح، عيني ما فارقتش العروسة.
كل حركة منها كانت بتفكرني بخديجة.
حتى وهي بتعدل الطرحة على كتفها، عملت نفس الحركة اللي كانت خديجة بتعملها من غير ما تحس.
بعد انتهاء الزفة، كريم جه يقولي
تعالى سلم على العروسة.
كنت عايز أرفض.
لكن رفضي كان هيبقى غريب.
مشيت معاه بخطوات تقيلة.
أول ما وقفت قدامها، ابتسمت ابتسامة باهتة ومدت إيدي.
تشرفنا.
سلمت عليها.
وفي اللحظة اللي إيدها لمست إيدي...
همست بسرعة من غير ما حد يسمع
أوعى تقول أي حاجة... مش هنا.
اتسمرت مكاني.
قبل ما ألحق أرد، سابت إيدي وكملت تسلم على الضيوف كأن شيئًا لم يحدث.
خرجت من القاعة أتنفس.
بعد دقائق، لقيت عاملًا من الفندق
بيقرب مني.
قال باحترام
حضرتك الأستاذ ياسين؟
هززت راسي.
ناولني ظرف أبيض مقفول.
المدام طلبت أوصله لحضرتك حالًا.
بصيت ناحية القاعة.
العروسة كانت واقفة تبتسم في الصور، كأنها ما تعرفنيش أصلًا.
فتحت الظرف بسرعة.
كان فيه ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط مرتب
لو عايز تعرف الحقيقة اللي اتدفنت من خمس سنين... قابلني بعد نهاية الفرح عند الباب الخلفي للقاعة. وتعالى لوحدك.
بصيت للورقة مرة واتنين.
وفي آخر السطر، كانت فيه جملة خلت الدم يتجمد في عروقي
الموضوع مش عني... الموضوع عن خديجة والد خديجة وقف قدامنا، وعينه كانت ثابتة عليّا.
مرت ثوانٍ من غير ما حد فينا ينطق.
بعدها بص للعروسة وقال بلهجة حادة
الناس كلها بتدور عليكي... وسيبينا لوحدنا.
العروسة ترددت، وبصتلي نظرة كلها قلق، لكنها في النهاية سابت الظرف في إيدي وهمست
متفتحهش دلوقتي... اقراه وإنت لوحدك.
ومشيت بسرعة ناحية القاعة.
فضلت أنا وهو واقفين.
قال من غير مقدمات
كنت فاكر إنك اختفيت من حياتنا للأبد.
رديت وأنا بحاول أتماسك
أنا اللي اختفيت؟! ده أنا حتى معرفتش أوصل لقبر مراتي.
تنهد لأول مرة، وكأنه شايل حمل سنين.
فيه حاجات حصلت... لو كنت عرفتها وقتها، حياتك كانت هتتدمر.
قلت بغضب
اتدمرت فعلًا.
سكت شوية، وبعدين قال
البنت اللي كانت مع خديجة يوم الحادث... هي العروسة اللي شفتها النهارده. اسمها مريم، وكانت أقرب واحدة لخديجة.
اتسعت عيني.
يعني هي كانت شاهدة؟
هز رأسه ببطء.
أيوه... لكنها فضلت ساكتة سنين.
صرخت
ساكتة ليه؟
قبل ما يرد، سمعنا صوت زغاريد من جوه القاعة، فعرفنا إن كتب الكتاب خلص.
بص حوالينه بحذر، وقال بصوت منخفض
مش هنا... خد الظرف وامشِ. ولو بتحب بنتك، متخليش حد يعرف إننا اتكلمنا.
أول ما خلص كلامه، لف ومشى من غير ما يستنى ردي.
رجعت بسرعة لليلى، وخرجنا من الفرح.
طول الطريق كانت بتتكلم عن التورتة والزينة، وأنا مش سامع كلمة.
كل تفكيري كان في الظرف.
أول ما وصلنا البيت، نيمت ليلى في أوضتها.
قفلت باب المكتب عليّا.
وحطيت الظرف على المكتب.
فضلت أبصله دقيقة كاملة.
وبعدين فتحته.
كان فيه خطاب مكتوب بخط خديجة فعلًا.
أول سطر خلاني أحس إن قلبي هيقف
ياسين... لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى في ناس أخفت عنك الحقيقة من يوم خرجت من البيت.
كملت القراءة وأنا إيدي بتترعش.
أنا ما سبتكيش لأني بطلت أحبك... خرجت وأنا فاكرة إني هرجع بعد كام ساعة.
شهقت من غير إرادة.
وقبل ما أكمل السطر اللي بعده...
سمعت صوت تكسير زجاج جاي من الدور الأرضي في البيت.
قمت مفزوع، وجريت ناحية الصوت.
لقيت الشباك مفتوح...
والخطاب... اختفى من فوق المكتب.
أما على الأرض، فكان فيه شيء واحد فقط...
صورة قديمة لخديجة، وعلى
ظهرها مكتوب بخط أحمر
إياك تكمل القراءة... لأن الحقيقة أخطر مما تتخيل إيدي بدأت ترتعش وأنا ببص للورقة.
قريتها مرة...
واتنين...
وعشرة.
كل مرة كنت بدور على أي دليل إنها مزحة.
لكن الخط كان ثابت، والكلمات مكتوبة بعناية.
الموضوع مش عني... الموضوع عن خديجة.

تم نسخ الرابط