جوزي طول الوقت
خلت ابني يرفع عينه لأول مرة ويبص لأبوه.
وقال بهدوء
يعني... لو ماكنتش اشتريت كل الحاجات دي... كنت تقدر تدفعلي تمرين الكورة؟
جوزي انفجر في البكاء.
ماعرفش يرد.
لأن الإجابة كانت واضحة.
أيوه... كان يقدر.
لكن اختياراته كانت في اتجاه تاني.
في اللحظة دي، عماد طلع ظرف صغير من الملف، وقال
وده آخر أمانة عندي.
فتح الظرف، وأخرج ورقة مطوية.
ناولها لي.
دي كان المفروض توصلك من خمس سنين.
فتحتها ببطء.
كانت رسالة بخط جوزي.
لكن واضح إنه كتبها... وما بعتهاش أبدًا.
أول سطر فيها كان
لو وصلتك الرسالة دي، يبقى أنا خسرت كل حاجة بسبب غروري، ويمكن ساعتها تعرفي إن أكبر غلط عملته في حياتي، إني فضلت أرضي الناس، ونسيت أرضي ولادي.
وقفت عن القراءة.
رفعت عيني ناحيته.
كان بيبكي بصمت، لأول مرة من غير ما يحاول يبرر أو يدافع عن نفسه.
أما ولادي...
فكانوا واقفين في آخر الصالة، ينظرون إليه في صمت، كأنهم لا ينتظرون اعتذارًا...
بل ينتظرون شيئًا واحدًا فقط، لم يمنحه لهم منذ سنوات ساد صمت طويل.
الصمت اللي بيبقى أوجع من ألف كلمة.
جوزي مسح دموعه، وبص لأولاده.
رفع إيده كأنه عايز يقرب منهم.
لكن ابني الصغير رجع خطوة لورا.
مش خوفًا...
لكن لأن المسافة اللي اتعملت بينهم على
قال بصوت مكسور
أنا آسف...
بنتي ردت بهدوء، وهي لسه ماسكة شهادة التفوق
إحنا مش زعلانين عشان الهدوم... ولا الكورة... إحنا زعلانين لأنك كل مرة كنت بتختار حد غيرنا.
الكلمات دي خلت دموعه تنزل أكتر.
عماد قام من مكانه، وقفل الملف، وقال
الفلوس بتتعوض... إنما عمر الولاد وهو بيجري، مستحيل يرجع.
ومشى ناحية الباب.
قبل ما يخرج، وقف وبص لجوزي وقال
لو لسه فيك خير... ابدأ تصلح قبل ما يفوت الأوان.
خرج وساب البيت غارق في السكون.
...
مراته الجديدة كانت قاعدة على الكنبة، باصة في الأرض.
قالت بصوت واطي
أنا كنت فاكرة إنك ميسور... وإنك بتعمل كده مع الكل.
بص لها وقال
أنا كذبت عليكي... وكذبت على نفسي.
قالت وهي بتمسح دموعها
أنا عمري ما طلبت منك تحرم ولادك.
أنا ما اتدخلتش.
لأن الحقيقة دلوقتي بقت قدام كل واحد فيهم.
لكن فجأة...
ابني الصغير دخل أوضته، ورجع بعد دقيقة، وفي إيده حصالة بلاستيك قديمة.
حطها قدام أبوه.
وقال بابتسامة بريئة كسرت قلوبنا كلنا
دي فلوسي اللي كنت بجمعها عشان أشتري طقم الكورة.
وسكت لحظة.
ثم كمل
خدهم... يمكن يساعدوك تسدد ديونك.
الجملة دي نزلت على أبوه كأنها جبل.
انهار تمامًا.
وقع على ركبته، وفضل يبكي
أما أنا...
فأدركت إن الطفل الصغير اللي اتحرم من أبسط حقوقه، لسه قلبه أنضف من قلوب كبار كتير.
وفي نفس اللحظة، رن هاتفه مرة تانية.
نظر إلى الشاشة، وشحب وجهه.
كان المتصل...
طليق مراته الجديدة.
نظر إلينا جميعًا، ثم أغلق الهاتف من غير ما يرد.
لكن بعد ثوانٍ، وصلت رسالة قصيرة ظهرت على الشاشة، واستطعت أن أقرأ أول سطر منها قبل أن يخفيها
لازم نتقابل... في موضوع يخص الأولاد، ولو مراتك السابقة عرفت الحقيقة، كل حاجة هتتغير.
تبادل الجميع النظرات...
وعرفت أن السر الذي كانوا يخفونه لم ينتهِ بعد، وأن اللقاء القادم سيكشف شيئًا لم يكن أحد يتوقعه النهاية
فضلت الرسالة قدامه، لكن المرة دي مدّيت إيدي وقلت
رد... قدامنا كلنا.
بصلي لحظة، وبعدين ضغط زر الرد وفتح السماعة.
جاله صوت طليق مراته الجديدة وهو بيقول
أنا مش بكلمك عشان أرجعها... أنا بكلمك عشان تفوق. أولادي ليهم أب موجود، وأنا عمري ما قصرت معاهم. إنت ضيعت ولادك الحقيقيين وإنت بتحاول تثبت إنك أب لأولادي.
ساد صمت في البيت.
الرجل كمل
أنا كنت ساكت طول السنين دي، لكن لما عرفت إن ابنك اتحرم من تمرينه، وبنتك حضرت تكريمها من غيرك، قلت لازم أتكلم. البطولة مش إنك تصرف على ولاد
وقفل الخط.
جوزي فضل باصص في الموبايل كأنه أول مرة يسمع الحقيقة من حد غيري.
بعد أيام قليلة، راح بنفسه لبيت ولاده.
خبط على الباب، ولما فتح ابني، مد له شنطة رياضية جديدة.
الولد بص للشنطة، وبعدين رفع عينه وقال بهدوء
أنا كبرت يا بابا... كنت محتاجك وقتها، مش دلوقتي.
الكلمة وجعته أكتر من أي دين أو خسارة.
بدأ يحاول يصلح اللي فات.
حضر أول مباراة لابنه.
وحضر حفلة تكريم بنته.
وسدد كل المصاريف المتأخرة اللي عليه.
لكن كل ده كان بداية الطريق، مش نهايته.
لأن الثقة لما بتتكسر، بتحتاج وقت طويل عشان ترجع.
أما مراته الجديدة، فلما اكتشفت حجم الديون والكذب، فضلت ترجع حساباتها هي كمان، وبعد فترة انفصلت عنه في هدوء، وكل واحد راح في طريقه.
أما أنا...
مكنتش مستنية منه يرجعلي، ولا يبررلي.
كل اللي كان يهمني إن ولادي يعرفوا إن تقصير أبوهم ما كانش بسبب إنهم أقل قيمة، لكن بسبب اختياراته هو.
وفي آخر يوم من السنة الدراسية، بنتي رجعت من المدرسة وهي شايلة شهادة جديدة.
ابتسمت وقالت
ماما... المرة دي فرحت لأنك إنتِ كنتِ موجودة.
حضنتها وأنا حاسة إن ربنا عوضني.
واتعلمت درس عمري كله
اللي يحاول يشتري رضا الناس على حساب أولاده،