جوزي طول الوقت
المحتويات
وقلت بهدوء
لا يا حبيبتي... المرة دي إحنا مش هنمشي.
سكتوا كلهم لما سمعوا كلامي.
بصيت له مباشرة وقلت
إنت عارف إيه أكتر حاجة كسرت ولادك؟ مش إنك جبت لغيرهم... لأ. إنك كل مرة كنت تقول لهم معنديش.
نزل رأسه.
قلت
لو كنت قلت الحقيقة، إنك غلطت أو إنك رتبت أولوياتك غلط، كانوا يمكن يسامحوك. لكنك خليتهم يحسوا إنهم عبء.
ابني الصغير دخل أوضته من غير ما يتكلم.
بعد دقيقة رجع، وفي إيده صندوق كرتون صغير.
حطه قدام أبوه.
قال له
دول كل الميداليات والشهادات اللي كنت مستنيك تشوفها.
فتح الصندوق.
كان مليان شهادات تفوق، وميداليات، وصور من حفلات المدرسة.
كل واحدة منهم من وراها تاريخ.
سنين كاملة... وهو كان غايب.
قلب أول شهادة.
وراها بخط صغير، مكتوب بقلم رصاص
احتفظت بيها لما بابا يفضى ويشوفها.
قلب التانية.
مكتوب
دي أول بطولة ليا.
التالتة
المرة دي أكيد هييجي.
بدأت إيده ترتعش.
وأول مرة، مقدرش يرفع عينه في وش ابنه.
لكن قبل ما يتكلم، رن جرس الباب للمرة الثالثة.
فتحت.
كان راجل لابس بدلة، ومعاه ظرف مختوم.
سأل عن جوزي بالاسم.
لما خرج له، سلمه الظرف وقال
اتفضل... ده آخر إخطار قبل الجلسة.
أخذ الظرف، ووشه اصفر.
مراته الجديدة حاولت تشوف اللي فيه، لكنه قفله بسرعة.
لكن الراجل قبل ما يمشي قال جملة خلتنا كلنا نبص لبعض
أنصحك تحضر الجلسة... لأن الطرف التاني معاه مستندات جديدة.
أول ما الباب اتقفل...
بصت له مراته باستغراب وقالت
طرف تاني مين؟
أما هو...
فوقف ساكت تمامًا، وكأنه عرف أن سرًا قديمًا، كان مخبيه عن الجميع، بدأ يخرج للنور اتقفل الباب، والهدوء بقى تقيل بشكل يخوف.
مراته الجديدة قربت منه وخطفت الظرف من إيده قبل ما يلحق يمنعها.
فتحته بسرعة، وعينيها كانت بتجري على السطور.
وفجأة صرخت
إيه ده؟! جلسة نفقة متأخرة؟!
بصيت له باستغراب.
قلت
نفقة؟!
حط إيده على وشه، وكأنه خلاص استسلم.
قال بصوت
أنا كنت بأجل... وكل مرة أقول الشهر الجاي هعوض.
رديت عليه بمرارة
تعوض مين؟ السنين اللي راحت؟ ولا دموع ولادك؟
مراته الجديدة قلبت الورق بعصبية، وفجأة وقفت عند صفحة معينة.
قالت وهي باصة له بصدمة
إنت خبيت عليا إن عليك متأخرات من سنتين؟!
قال بسرعة
كنت خايف تعرفي...
قاطعتُه
وخايف عليها... لكن عمر الخوف ما خلاك تسأل بنتك محتاجة إيه.
في اللحظة دي، ابني الصغير خرج من أوضته، ماسك الحذاء الرياضي القديم بتاعه.
كان الحذاء متخيط من الجنب بخيط أبيض واضح.
حطه قدام أبوه وقال بابتسامة حزينة
فاكره يا بابا؟ ده الحذاء اللي قولتلي استحمله سنة كمان.
ثم بص ناحية مراته الجديدة وقال من غير قصد يجرحها
بس ابن طنط كان عنده ثلاثة أحذية جداد في نفس السنة.
الكلمة نزلت كالصاعقة.
الست بصت للحذاء، وبعدين بصت لجوزي.
واضح إنها لأول مرة تشوف بعينيها الفرق اللي كان بيحصل.
قالت له بصوت واطي
هو... الكلام ده حقيقي؟
مردش.
سكوته كان اعترافًا.
قعدت على الكرسي وهي مصدومة.
أنا كنت فاكرة إنك بتصرف عليهم كلهم... وإن أمهم هي اللي بتمنعك.
بصيت لها وقلت
أنا عمري ما منعتهم من أبوهم... هما اللي كانوا كل عيد يستنوا مكالمة، وكل مناسبة يبصوا على الباب.
ساد صمت طويل.
وفجأة...
رن موبايل مراته الجديدة.
ردت، وبعد ثواني اتغير لون وشها.
قالت
إيه؟! إزاي؟
قفلت المكالمة وبصت له وهي بتترعش.
المدرسة بلغتني إن أولادنا... اتوقفوا عن الدراسة مؤقتًا لحد ما تتسدد المصروفات.
رفع رأسه بذهول.
قال
مستحيل... أنا دفعت جزء!
قالت وهي بتبكي
واضح إنه ماكانش كفاية.
في اللحظة دي، الكل سكت.
لأول مرة، اكتشف إن محاولته يرضي الجميع انتهت بأنه خذل الجميع.
أما أنا، فبصيت لأولادي، واحتضنتهم في هدوء.
لكن قبل ما أتكلم...
وصلتني رسالة على هاتفي من نفس الرقم المجهول.
فتحتها.
وكان فيها صورة قديمة جدًا... ترجع لأكتر من خمس سنين.
الصورة
وتحت الصورة رسالة واحدة فقط
لو عرفتي اللي حصل في اليوم ده... هتفهمي إن كل اللي عشتيه بعد كده كان نتيجة قرار واحد اتاخد من غير علمك فضلت أبص للصورة وأنا حاسة إن أنفاسي بتضيق.
كبرت الصورة أكتر.
كان التاريخ واضح في الركن.
اليوم ده... هو نفس اليوم اللي رجع فيه من برة وقال لي بابتسامة
الحمد لله، خلصت شوية ورق روتيني.
افتكرت إنه كان طبيعي.
لكن دلوقتي... عرفت إنه ماكانش طبيعي أبدًا.
كتبت للرقم المجهول بسرعة
إنت مين؟ وإيه اللي حصل اليوم ده؟
مرت دقيقة...
اتنين...
وبعدين وصل الرد.
أنا مش هقدر أقولك في رسالة. لكن لو عايزة الحقيقة، بصي في الدرج اليمين لمكتب جوزك القديم.
اتجمدت.
المكتب ده كان لسه موجود في المخزن من أيام ما كنا مع بعض.
روحت بسرعة، وهو أول ما شافني رايحة ناحية المخزن، قام يجري ورايا وهو بيقول
استني... مفيش حاجة هناك.
دي كانت أول مرة يمنعني أدخل مكان في بيتي.
فتحت الباب.
المكتب كان عليه تراب السنين.
فتحت الدرج اليمين.
في الأول ملقتش غير شوية أوراق قديمة وأقلام ناشفة.
لكن وأنا برفع الصينية الخشبية اللي جوه الدرج، لقيت ظرف أبيض متخبي تحتها.
كان مقفول بشريط لاصق قديم.
ومكتوب عليه بخط إيده
لا يُفتح.
مد إيده بسرعة وقال
هاتي الظرف.
بصيت له وقلت
ليه؟
قال بصوت مرتعش
عشان ده انتهى.
ابتسمت بمرارة.
لو كان انتهى... مكنتش خبّيته.
فتحت الظرف.
كان فيه صور، وإيصالات، وخطابات بخط إيده.
وأول ورقة شدت انتباهي كانت رسالة مكتوبة بخطه.
بدأتها
أنا عارف إني ظلمت ولادي... لكن خايف أخسر حياتي الجديدة لو رفضت الطلبات...
وقفت عن القراءة للحظة.
رفعت عيني له.
كان بيبكي لأول مرة من ساعة دخل.
كملت.
كل مرة كنت أقول هعوضهم الشهر الجاي... وكل شهر كنت أغرق أكتر في الديون والكذب.
لكن المفاجأة ما كانتش في الرسالة.
كانت في آخر الظرف.
وصل أمانة بمبلغ كبير... موقع باسمه.
وخلفه ورقة صغيرة مكتوب فيها
آخر مهلة للسداد... وإلا سيتم تنفيذ الإجراءات.
في اللحظة دي، مراته الجديدة خطفت الورقة من إيدي.
قرتها بسرعة...
ثم بصت له بذهول وقالت
إنت استلفت المبلغ ده... من غير ما تقولي؟!
هز رأسه في صمت.
قالت وهي بتبكي
يعني إحنا كنا عايشين على صورة مزيفة؟
مردش.
لأن الحقيقة كانت أوضح من أي كلام.
لكن قبل ما حد ينطق...
رن جرس الباب للمرة الرابعة.
ولما فتحت...
لقيت راجل كبير في السن، أول ما شاف جوزي قال له
أنا استنيت كتير... وجيت آخد ردي.
جوزي شحب فجأة، وهمس لنفسه
إزاي عرف مكاني؟
أما الراجل، فرفع ملفًا قديمًا من تحت إبطه وقال
المرة دي... مش همشي قبل ما كل الحقيقة تتقال الراجل دخل بخطوات بطيئة، لكن هيبته خلت البيت كله يسكت.
جوزي وقف مكانه، ووشه شاحب كأنه شاف شبح.
قال بصوت مبحوح
حضرتك... إيه اللي جابك هنا؟
رد الراجل بهدوء
اللي جابني إنك فضلت تهرب خمس سنين... وأنا خلاص تعبت من الجري وراك.
حط الملف على الترابيزة، وفتحه قدامنا.
كان مليان إيصالات، وعقود، وصور.
بصيتله باستغراب وقلت
حضرتك مين؟
ابتسم ابتسامة حزينة وقال
أنا عماد... صاحب الورشة اللي كان شغال فيها جوزك زمان.
افتكرته.
كان دايمًا يتكلم عنه باحترام، ويقول إنه أكتر واحد وقف جنبه في بداية حياته.
عماد كمل كلامه وهو بيبص لجوزي
فاكر يوم ما جيت تبكي وتقولي إنك عايز تبدأ من جديد بعد جوازك؟
نزل جوزي رأسه.
قال
أيوه.
قال عماد
وأنا سلفتك فلوس من تحويشة عمري... على أساس تردها على أقساط.
طلع ورقة من الملف.
وده عقد الدين... بإمضتك.
مراته الجديدة خطفت الورقة وهي مذهولة.
قالت
يعني العربية... والهدوم... وكل اللي كنا عايشينه...
رد عماد
كان جزء كبير منه معمول بفلوس مستلفة.
ساد صمت ثقيل.
أنا كنت ببص لجوزي، مستنية منه ينكر.
لكنه ما أنكرش.
قال
كل مرة كنت أقول آخر مرة... وبعدها ألاقي نفسي داخل في دين جديد.
عماد تنهد وقال
أنا ما زعلتش على الفلوس قد ما زعلت لما عرفت إن ولادك بيتحرموا، وإنت بتجري ورا منظر قدام الناس.
الكلمة دي
متابعة القراءة