جوزي طول الوقت
المحتويات
مالهاش أي لازمة.
لكن المرة دي كنت أسرع منه.
خطفت الورقة من على الأرض، ورجعت خطوة لورا، وبدأت أقراها بعناية.
هو مد إيده يحاول ياخدها، لكني رفعتها بعيد عنه وقلت بحزم
ولا خطوة كمان.
لأول مرة، شفت الخوف الحقيقي في عينيه.
مش العصبية... الخوف.
وفي اللحظة دي، رن تليفونه.
ظهر اسم مراته الجديدة على الشاشة.
بص للتليفون، وبصلي، وبعدها رد بسرعة وهو بيحاول يبعد عني.
أيوه... أيوه، متقلقيش... هجيب الورق وأرجع.
الكلمة دي خلت قلبي يدق أسرع.
الورق؟
يبقى الموضوع أكبر بكتير من مجرد ملف قديم.
قفل المكالمة، ولما لقى إني لسه ماسكة الورقة، قال بنبرة هادية لأول مرة
بصي... إديني الورقة دي، وأنا هعوض الأولاد عن أي حاجة زعلتهم.
ابتسمت بسخرية.
دلوقتي افتكرت إن عندك أولاد؟
اتنهد وقال
بلاش تعقدي الأمور.
قلت وأنا بطوي الورقة بهدوء
اللي عقدها هو الكذب.
حاول يقرب، لكن في نفس اللحظة دخلت بنتي من أوضتها، وكانت شايلة شهادة التفوق.
وقفت بينا وقالت بصوت مكسور
بابا... هو أنا عملتلك حاجة وحشة؟
سكت.
ولا كلمة.
فضل باصص في الأرض.
قالت وهي بتحارب دموعها
كل مرة بروح المدرسة أبص على الباب يمكن تيجي... وكل مرة أرجع أقول لنفسي أكيد كان عندك شغل.
ابني الصغير كمل كلامها
وأصحابي بيسألوني باباك فين... وأنا كل مرة أطلعله عذر.
الجملة دي كانت أقوى من أي عتاب.
ملامحه اتغيرت للحظة، وكأنه بدأ يحس بحجم اللي عمله.
لكن رنة تليفونه قطعت اللحظة.
مراته الجديدة بتتصل تاني.
رد بسرعة.
سمعنا صوتها العالي خارج من السماعة
خلصت؟ الأولاد مستنيينك... ومتنساش تمر على المعرض تدفع مقدم العربية قبل ما يقفلوا.
أول ما قالت كلمة مقدم العربية، بصيت له في ذهول.
العربية؟
هو كان بيقول إنه مش قادر يدفع اشتراك تمرين الكورة... وفي نفس الوقت بيدفع مقدم عربية جديدة؟
قفل المكالمة بسرعة، لكنه كان متأخر.
كل حاجة بدأت تركب مع بعضها.
الهدوم... الكورسات... الرحلات... والعربية.
لكن المفاجأة الحقيقية كانت لما فتحت الصفحة الأخيرة من الملف...
ولقيت ورقة مطوية بعناية، مكتوب في أعلاها بخط واضح
إقرار بالتنازل...
قرأت أول سطر... وشعرت أن الأرض بدأت تميد تحت قدمي.
رفعت عيني ناحيته ببطء...
ولقيته لأول مرة يهمس بصوت مرتعش
أرجوكي... متكمليش قراية بصيت له في صمت، ثم فتحت الورقة للنهاية.
كان عنوانها كبير وواضح
إقرار خاص بمصاريف الأبناء.
أخدت نفسًا عميقًا وبدأت أقرأ.
لم تكن ورقة تنازل عن حضانة ولا عن ميراث كما تخيلت للحظة... لكنها كانت أخطر بطريقة مختلفة.
الورقة كانت بتثبت إنه تعهد بتحمل جزء كبير من مصروفات بيت مراته الجديدة وأولادها، وفي المقابل كتب بخط إيده إنه يمر بضائقة مالية ولا يستطيع زيادة أي التزامات مالية أخرى في الوقت الحالي.
رفعت عيني له وقلت
يعني لما ابنك طلب طقم كورة، كنت فقير... ولما أولادها احتاجوا كورسات وعربية وبهدلة قدام الناس، بقيت مقتدر؟
سكت.
أول مرة يلاقي نفسه من غير أي مبرر.
في اللحظة دي، رن جرس الباب.
فتح وهو متضايق، فاتفاجئنا براجل في منتصف الخمسينات، ماسك ظرف بني كبير.
قال وهو بيبص في الورقة اللي معاه
الأستاذ... موجود؟
رد جوزي بسرعة وهو بيحاول يخرجه بره الشقة
أيوه... أنا هحصلك.
لكن الراجل قال بصوت مسموع
لا يا أستاذ، لازم تستلم الإنذار بنفسك. إحنا كنا مأجلين الموضوع كتير.
الكلمة دي خلتني أركز.
إنذار؟
الراجل سلمه الظرف ومشي.
أول ما قفل الباب، حاول يخبيه ورا ضهره.
قلت
هات أشوف.
قال بعصبية
مالكيش دعوة.
لكن ابني الصغير سبق الجميع.
كان واقف قريب منه، ولمح اسم شركة تمويل كبير مطبوع على الظرف.
قال ببراءة
بابا... دي نفس الشركة اللي كانت بعتالك جواب الأسبوع اللي فات.
اتغير لون وشه.
عرفت ساعتها إن دي مش أول مرة.
مديت إيدي وأخدت الظرف قبل ما يمنعني.
فتحته...
وكان أول سطر فيه
إشعار نهائي قبل اتخاذ الإجراءات القانونية لعدم سداد الأقساط المستحقة.
بصيت
إنت مديون؟
هز رأسه وهو بيتنهد لأول مرة.
استلفت... كتير.
علشان إيه؟
سكت.
كررت السؤال.
علشان إيه؟
قال بصوت واطي
علشان أفضل كبير في عينها... كانت كل شوية تقارنني بطليقها... وأنا كنت بحاول أثبتلها إني أقدر أوفر أكتر.
الكلام وقع على وداني كالصاعقة.
يعني كل اللي حصل...
كل دمعة نزلت من ولاده...
كل مرة قال فيها معنديش فلوس...
ما كانتش لأنه معندوش.
كانت لأنه اختار يحط فلوسه في مكان تاني.
لكن قبل ما حد ينطق بكلمة، اهتز موبايله برسالة جديدة.
فتحها تلقائيًا...
وفجأة شحب وجهه.
حاول يقفل الشاشة بسرعة، لكني لمحت اسم مراته الجديدة، وتحته رسالة قصيرة
لو مراتك القديمة عرفت الحقيقة كلها... قولها إن الشقة كمان مش باسمك.
ساد صمت ثقيل في البيت...
وجوزي لأول مرة جلس على الكرسي وكأنه فقد كل قوته، بينما أنا أدركت أن هناك سرًا أكبر بكثير مما تخيلت، وأن قصة الشقة لم تبدأ بعد فضلت الرسالة قدام عيني ثواني، وكل كلمة فيها كانت بتفتح باب جديد للأسئلة.
بصيت له وقلت بهدوء مخيف
يعني إيه... الشقة مش باسمك؟
بلع ريقه، لكنه مردش.
كررت السؤال.
أنا بسألك.
قال بصوت مكسور
كنت هقولك... بس الظروف...
قاطعته بعصبية
الظروف ولا الكدب؟
سكت، وحط وشه بين إيديه.
بعد لحظات طويلة قال
الشقة باسم مراتي... من أول يوم.
حسيت إن آخر ذرة احترام كانت جوايا بتنهار.
يعني بعت كل حاجة... وضيعت حقوق ولادك... وفي الآخر حتى البيت اللي بتصرف عليه مش ملكك؟
هز راسه في صمت.
وفجأة...
رن جرس الباب مرة تانية.
فتح وهو متردد.
كانت مراته الجديدة.
دخلت بخطوات واثقة، أول ما شافتني ابتسمت ابتسامة مصطنعة وقالت
أصل اتأخر، والأولاد مستنيينه.
لكنها لاحظت الظرف على الترابيزة، والملف المفتوح، ووشه الأصفر.
ابتسامتها اختفت.
قالت بسرعة
في إيه؟
أنا مردتش.
بس رفعت الموبايل، ووريتها الرسالة اللي بعتها له من دقائق.
أول ما قرتها، اتلخبطت.
وقالت وهي بتحاول تضحك
دي
رديت بهدوء
الغلط الوحيد... إنكم افتكرتوا إن الحقيقة مش هتطلع.
بصت له بغضب وقالت
إنت قلت إنها مش هتعرف حاجة!
الجملة خرجت منها قبل ما تلحق تسكت.
هو بص لها بصدمة، وهي حطت إيدها على بقها، بعدما أدركت إنها كشفت نفسها.
ساد صمت ثقيل.
بعدها بدأت تتكلم بسرعة، كأنها بتحاول تنقذ الموقف.
أنا معملتش حاجة... هو اللي كان بيصر إنه يصرف على الأولاد، وكل ما أقوله بلاش يقول لازم أحسسهم بالأمان.
بصيت لها وقلت
وأنتِ عمرك سألتيه... ولاده عاملين إيه؟
نزلت عينيها للأرض.
ماعرفتش ترد.
في اللحظة دي، بنتي خرجت من أوضتها، وكانت لسه شايلة شهادة التفوق.
وقفت قدام أبوها، ومدت له الشهادة للمرة الأخيرة.
وقالت بصوت هادئ
كنت نفسي تشوفها... حتى لو دقيقة.
أخدها بإيده.
بص عليها طويلًا.
ولأول مرة من سنين...
بدأت دموعه تنزل.
لكن قبل ما ينطق بأي كلمة، سمعنا صوت إشعار من موبايله.
فتحه بتلقائية.
كانت رسالة من البنك.
قرأها... وتجمد مكانه.
ثم همس
الحساب... اتجمد.
رفع رأسه ناحيتي، وكانت ملامحه كلها خوف.
أما أنا، فكنت عارفة إن اللي جاي هيكون أصعب بكتير... لأن سقوط الصورة اللي بناها قدام الجميع بدأ بالفعل، ولسه في أسرار تانية محدش اتكلم عنها تجمد وهو ماسك الموبايل، وبقى يعيد قراءة الرسالة كأنه مستني الكلمات تتغير.
مراته الجديدة خطفت التليفون من إيده بسرعة.
أول ما قرت الرسالة، اتبدلت ملامحها.
قالت بحدة
يعني إيه الحساب اتجمد؟! أنت وعدتني إن كل حاجة تحت السيطرة.
رد بصوت واطي
دي إجراءات مؤقتة... وهتتحل.
صرخت فيه
مؤقتة إيه؟! قسط العربية بعد يومين، وقسط المدرسة آخر الأسبوع!
وقفت أتفرج عليهم في صمت.
لأول مرة، القناع وقع.
لا هو البطل اللي كان بيحاول يظهره قدامها، ولا هي الست الهادية اللي كانت بتتكلم عنها الناس.
كان كل واحد منهم بيرمي اللوم على التاني.
قالت وهي بتشاور عليه
إنت اللي كنت بتقول اصرفي ومتشيليش هم!
رد
وأنتِ عمرك قولتي لأ؟ كل مرة تشوفي حد جاب حاجة، تطلبي أحسن منها.
اتحول البيت لساحة خناقة.
ولادي كانوا واقفين ورايا، ماسكين في هدومي بخوف.
بنتي همست
ماما... إحنا نمشي؟
بصيت لها
متابعة القراءة