كنت عند حماتي بقلم اماني سيد

لمحة نيوز

الأب كلامه
أنا سجلت كل حاجة عشان محدش يقدر يزور الحقيقة.
فتح الدفتر قدامه، وقال
وليد منصور ما كانش شريكي... كان بيغسل فلوس ناس كبار، ولما رفضت أشاركهم، حاولوا يلبسوني ديون مزورة.
حسين شهق.
أما حماته فانهارت في البكاء.
الأب أكمل
أنا خبيت كل المستندات في مكانين... الدفتر الأزرق، والفلاشة دي.
وفجأة...
الفيديو وقف.
سارة ضغطت تشغيل مرة تانية.
لكن الملف كان تالفًا من منتصفه.
ظهر إشعار
الملف غير مكتمل.
حسين ضرب المقود بغضب.
باقي الكلام راح!
لكن سارة كانت مركزة في حاجة تانية.
في آخر ثانية قبل ما الفيديو يقف...
ظهر شخص واقف في انعكاس مراية ورا والد حسين.
كبرت الصورة على الموبايل.
كانت مشوشة...
لكن ملامحه كانت مألوفة جدًا.
قالت سارة بصوت مرتجف
الشخص ده...
حسين قرب يبص.
وفجأة...
اتسعت عينه من الصدمة.
لأنه كان متأكد إنه يعرفه...
وكان من الأشخاص اللي حضروا عزاء والده... وظل يدخل البيت ويخرج منه لسنوات، دون أن يشك فيه أحد سارة فضلت تقلب المفتاح بين صوابعها.
رقم 27 كان محفور عليه بشكل واضح.
حسين أخده منها وبصله كويس، وقال
ده مش مفتاح شقة.
سألته سارة أمال إيه؟
قال شكله مفتاح خزنة... أو دولاب حديد.
فضلوا ساعات يحاولوا يفتكروا أي مكان في حياتهم له علاقة بالرقم 27.
وفجأة...
حماتها ضربت كف بكف وقالت
يا نهار أبيض!
الكل بص لها.
قالت
لما أبو حسين مات، كان مأجر دولاب حديد في مكتب بريد وسط البلد. فاكرة إن رقمه كان سبعة وعشرين.
حسين قام مرة واحدة.
إزاي نسيتي ده؟
قالت وهي متوترة
لأن بعد وفاته، الموظف قال إن مدة الإيجار انتهت، وإن محدش راح يجدد.
سارة قالت بسرعة
يبقى نروح بكرة أول ما يفتح.
...
تاني يوم الصبح، وصلوا مكتب البريد.
الموظف كان راجل كبير في السن.
بص للمفتاح، وبعدين بص لحسين.
وقال
إنت ابن الحاج عبد الرحمن؟
استغرب حسين.
أيوه.
ابتسم الموظف بحزن.
أبوك قبل ما يتوفى قالي جملة عمري ما نسيتها.
سارة قربت تسمع.
قال
لو ابني جه يسأل على المفتاح... يبقى اعرف إن المصيبة وقعت.
سكتوا كلهم.
الموظف دخل المخزن، وبعد دقائق رجع بعربة صغيرة عليها دولاب حديد قديم.
رقمه...
27.
إيد حسين كانت بتترعش وهو بيدخل المفتاح.
لفه مرة...
اتنين...
وفتح الباب.
جوا الخزنة كان فيه
دفتر أزرق قديم.
ظرف كبير مختوم.
وفلاشة صغيرة.
سارة مدت إيدها على الدفتر.
أول صفحة كانت مكتوب فيها بخط والد حسين
لو بتقرأ الكلام ده، يبقى حد حاول يسرق الحقيقة قبل ما توصل لكم.
قلبت الصفحة.
كانت مليانة أسماء...
ومبالغ...
وتواريخ.
لكن في آخر صفحة...
كان فيه اسم واحد متكرر أكتر من عشر مرات.
وليد منصور.
وتحته جملة بخط أحمر
لا تثق فيه... مهما ادعى أنه صديق.
سارة بصت لحسين.
أبوك كان عارف.
لكن قبل

ما يكملوا قراءة الدفتر...
دخل شاب يجري على الموظف وهو بيصرخ
الشرطة بره... وبتسأل على الأستاذ حسين!
نظر حسين إلى سارة في صدمة.
همس الموظف بسرعة
اقفلوا الدفتر... لأن اللي واقف بره مش جاي يدور على الحقيقة... جاي ياخدها سارة بلعت ريقها، وكملت تقرأ الرسالة بصوت مرتعش
يا حسين... لو الرسالة دي وصلت لك، يبقى أنا فشلت أحميكم. واللي هتقرأه دلوقتي هيخليك تشك في كل اللي حواليك... حتى الناس اللي بتحبهم.
اتسعت عينا حسين.
أما حماته، فكانت دموعها بتنزل في صمت.
كملت سارة
أنا كنت عارف إنهم هيدوروا على الدفتر الأزرق، لكن عمرهم ما هيتوقعوا إني أسيب الدليل الحقيقي في مكان تاني.
حسين قال بسرعة
يعني الدفتر مش هو الدليل؟
قلبت سارة الصفحة.
كان فيها سطر واحد فقط
اسألوا عن مفتاح رقم 43... لأنه هو اللي هيكشف الحقيقة كاملة.
سارة بصت للمفتاح اللي معاها.
إحنا معانا مفتاح 27... أمال 43 فين؟
وقبل ما حد يرد...
سمعوا صوت خبطة قوية على زجاج العربية.
كلهم انتفضوا.
لف حسين بسرعة.
كان في راجل واقف برا، لابس كاب أسود ونضارة شمس، ومش باين من وشه غير دقنه.
أشار بإيده ناحية الظرف اللي معاهم...
وبعدين عمل حركة بإصبعه على رقبته...
كأنه بيقول
لو ما سلمتوش الظرف... النهاية هتكون الموت.
وفي أقل من ثانية...
ركب الراجل عربية كانت مستنياه، واختفى.
سارة كانت لسه بتحاول تستوعب اللي حصل، لكن حسين شغّل العربية بسرعة وقال
لازم نستخبى.
لكن بعد ما تحركوا بدقيقتين...
بص في المراية.
وشه اتغير.
قال بصوت منخفض
في عربية بتتبعنا.
سارة لفت وشها بحذر.
فعلاً...
العربية السوداء نفسها.
كانت محافظة على نفس المسافة.
كل ما حسين يسرّع...
تسرّع.
ولو يهدّي...
تهدّي.
حماته قالت بخوف
هنعمل إيه؟
حسين لف فجأة في شارع جانبي ضيق.
العربية السوداء لفت وراه.
لف شارع تاني...
وبرضه وراه.
أدرك وقتها إنهم مش بيتابعوه بالصدفة...
دي مطاردة مقصودة.
وفجأة...
قدامهم مباشرة، ظهرت شاحنة كبيرة وسدت الشارع بالكامل.
اضطر حسين يفرمل بعنف.
وقبل ما يلحق يرجع بالعربية للخلف...
وقفت العربية السوداء وراهم.
بقوا محاصرين.
نزل منها تلات رجالة.
واحد منهم كان ماسك حقيبة سوداء...
والتاني كان بيقرب من عربية حسين ببطء...
أما الثالث، فلما رفع وشه في النور...
شهقت سارة.
لأنها عرفته فورًا...
وكان شخصًا لم يخطر ببالها أبدًا أنه قد يكون جزءًا من كل هذه اللعبة حسين خطف الموبايل من إيد سارة، وكبّر الصورة أكتر من مرة.
الصورة كانت مشوشة...
لكن الشخص كان واقف في انعكاس المراية، لابس جلابية غامقة، وفي إيده ساعة فضية مميزة.
سكت حسين فجأة...
وبعدين قال بصوت مخنوق
لا... مستحيل.
سارة مسكت دراعه.
مين؟
رد بعد تردد طويل
المحامي أكرم.
حماته
شهقت.
أكرم؟! ده كان أقرب واحد لأبوك!
هز حسين رأسه.
وده اللي مخليني مش مصدق... هو اللي خلص كل ورق الميراث، وهو اللي قال وقتها إن أبويا ما سابش غير البيت والمعاش.
سارة افتكرت حاجة.
استني... مش هو كمان اللي كان بيقول كل شوية إن موضوع وليد انتهى ومفيش أي ديون؟
أيوه.
ساد صمت ثقيل داخل العربية.
كل الخيوط بدأت تتجمع.
وليد...
سامح...
فتحية...
والآن المحامي أكرم.
لكن مين منهم كان بيقول الحقيقة؟ ومين كان بيستخدم التاني؟
في اللحظة دي، رن موبايل حسين.
رقم غير مسجل.
رد بحذر.
جاله صوت هادئ جدًا
لو لقيتوا الدفتر... متفتحوش الظرف.
اتجمد حسين.
مين معايا؟
لأن اللي جوه الظرف... هو السبب الحقيقي في موت أبوك.
وقبل ما حسين يسأله أي سؤال...
اتقفل الخط.
بصت سارة للظرف الكبير المختوم اللي كان لسه محدش فتحه.
إيدها امتدت ناحيته ببطء.
لكن حسين مسك إيدها وقال
لو الكلام ده صح... يبقى اللي جواه ممكن يغيّر حياة العيلة كلها.
حماته قالت وهي بتحاول تسيطر على خوفها
افتحوه... كفاية أسرار.
سارة قطعت الختم بحذر شديد.
كان جواه...
ملف بني قديم.
وصور.
وعقد.
وخطاب مكتوب بخط والد حسين.
فتحت الخطاب.
وكان أول سطر فيه
إلى ابني حسين... إذا وصلت إليك هذه الرسالة، فاعرف أن الشخص الذي خانني... لم يكن غريبًا عنا، بل كان يجلس معنا على نفس المائدة.
تبادل الجميع النظرات...
لأنهم أدركوا أن الخيانة لم تأتِ من خارج العائلة فقط...
بل ربما من أقرب شخص كانوا يثقون فيه تجمدت سارة وهي بتبص في وشه.
همست من غير ما تحس
أخويا... محمد؟!
حسين لف ناحيتها بسرعة.
إنتِ بتقولي إيه؟!
الراجل كان فعلًا محمد... أخو سارة.
لكن الغريب إنه ماكانش باين عليه أي توتر، بالعكس... كان واقف بهدوء، وكأنه عارف اللي هيحصل من البداية.
نزلت سارة من العربية قبل ما حسين يلحق يمنعها.
محمد! إنت هنا بتعمل إيه؟!
محمد رفع إيده وقال
متقربيش.
وقفت مكانها.
إيه اللي بيحصل؟!
بصلها بعين مليانة حزن وقال
لو كنتي سمعتي كلامي من أول يوم، مكنتيش وصلتي لحد هنا.
صرخ حسين من جوه العربية
إنت تبع مين؟!
محمد رد من غير ما يبصله
أنا مش تبع حد... أنا بحاول أنقذ أختي.
واحد من الرجالة اللي كانوا معاه قرب منه وقال بعصبية
خلصنا... هات الظرف.
محمد بصله بنظرة حادة وقال
اتفقنا مفيش أذى.
الراجل رد ببرود
الاتفاق اتغير.
في اللحظة دي...
سارة فهمت إن محمد مش هو اللي بيدير اللعبة...
لكنه كان داخل فيها بشكل أو بآخر.
قالت وهي دموعها نازلة
إنت كنت عارف من البداية؟
محمد نزل عينه في الأرض.
من يوم ما قبضتي الجمعية.
إزاي؟
لأن في حد طلب مني أراقبك... وأبلغهم بأي خطوة.
حسين فتح باب العربية ونزل بعصبية.
مين؟! انطق.
محمد رفع عينه، ولسه هيتكلم...
فجأة...
سمعوا
صوت طلقة.
الجميع اتجمد.
محمد حط إيده على كتفه، والدم بدأ ينزل بين صوابعه.
سارة صرخت
محمد!
أما الرجالة، فلفوا بسرعة ناحية مصدر الطلقة.
كان في شخص واقف فوق سطح المبنى المقابل.
لابس أسود بالكامل.
مسك بندقيته، وبعدها اختفى من فوق السطح.
استغل محمد اللحظة، جرى ناحية سارة، وحشر في إيدها فلاشة صغيرة وهو بيقول بصعوبة
دي... أهم من الدفتر... متثقيش... في...
لكن قبل ما يكمل الجملة...
وقع على الأرض فاقدًا الوعي.
وسارة فضلت ماسكة الفلاشة...
وعينيها على أخوها...
وكل اللي بيدور في دماغها سؤال واحد
مين هو الشخص اللي محمد كان هيقول اسمه قبل ما الرصاصة تسكته؟وقف الزمن بالنسبة لسارة.
أخوها محمد اتنقل للمستشفى بين الحياة والموت، لكنه قبل ما يدخل العمليات، طلب يقابلها لوحدها.
دخلت عليه، لقيته فاتح عينيه بالعافية.
ابتسم ابتسامة ضعيفة وقال
سامح مات...
شهقت سارة.
إيه؟!
هز رأسه وقال
قتلوه... لأنه عرف الحقيقة.
دموع سارة نزلت.
قول لي الحقيقة يا محمد... مين ورا كل ده؟
محمد مد إيده المرتعشة، وحط فيها مفتاح صغير.
وقال
مش وليد... وليد كان مجرد واجهة.
أمال مين؟
قال آخر جملة قبل ما يفقد الوعي
اسألي المحامي أكرم... هو اللي كتب كل العقود المزورة.
في اليوم التالي، راحت سارة وحسين ومعاهم الشرطة إلى مكتب المحامي أكرم.
في البداية أنكر كل شيء.
لكن لما حطوا قدامه الدفتر الأزرق، والفلاشة، ورسالة والد حسين...
انهار.
وقال
أنا هقول كل حاجة... بس اعملوا لي حماية.
واعترف أن وليد كان بيستغل أسماء ناس ماتوا، ويزور عقود وديون عليهم، ويجبر أولادهم على السداد.
ولما والد حسين اكتشف الحقيقة، رفض يشاركهم وهدد يبلغ عنهم.
فزوروا أوراق تثبت إنه مديون، وبعد وفاته استغلوا خوف حسين على سمعة أبوه، وخلوه يفضل يسدد ديونًا لا وجود لها.
أما فتحية...
فاعترفت أنها صدقت أن حسين في خطر، وأنها اشتركت في الكذبة بعدما هددها أكرم بفضح أسرار تخص زوجها، ولم تكن تعرف أنها أداة في عملية نصب أكبر.
وأما المائة ألف جنيه...
فكانت قد انتقلت بين عدة حسابات لإخفاء أثرها، لكن الشرطة تمكنت من تتبعها، واستردت المبلغ كاملًا قبل أن يختفي.
أما سامح...
فاتضح أنه كان يعمل معهم في البداية، لكنه عندما عرف أن والد حسين قُتل بسبب تمسكه بالحقيقة، قرر يسلم الأدلة لسارة، فدفع حياته ثمنًا لذلك.
وبعد أشهر من التحقيقات...
صدر الحكم.
حُكم على أكرم ووليد وباقي أفراد الشبكة بالسجن لسنوات طويلة، بعد إدانتهم بالتزوير، والنصب، وغسل الأموال.
وعاد المبلغ إلى سارة.
وقفت يومها في شقتها، وبصت للحوائط اللي كانت بتحلم تجددها.
ابتسم حسين وقال لها
سامحيني... كنت فاكر إني بحميكي، لكن خوفي خلاكي تدفعي تمن غلطي.
ابتسمت سارة وسط دموعها،
وقالت
الفلوس ممكن ترجع... لكن الثقة لما تضيع صعب ترجع. أهم حاجة إننا عرفنا الحقيقة قبل ما تضيع حياتنا كلنا.
وبعد شهور، بدأت توضيب شقتها أخيرًا...
لكن أول حاجة علقتها على الحائط ما كانتش لوحة ولا ديكور.
كانت صورة والد حسين.
وتحتها عبارة بخط صغير
الحقيقة ممكن تتأخر... لكنها عمرها ما بتموت.
تمت.

تم نسخ الرابط