كنت عند حماتي بقلم اماني سيد
ميعرفهاش.
وقفل الخط.
سارة فضلت تبص للموبايل وهي مش عارفة تعمل إيه.
تقول لحسين؟
ولا تروح؟
بعد تفكير طويل، قررت تروح...
لكن من غير ما تقول لحد.
تاني يوم، الساعة كانت خمسة إلا ربع.
وصلت للمكان اللي سامح حدده.
كان مخزن قديم على أطراف البلد.
دخلت بحذر.
بعد لحظات، خرج سامح من جوه.
كان ماسك الظرف الأبيض.
قرب منها وقال
إنتِ فاكرة إن الموضوع بدأ يوم الجمعية.
سارة قالت بسرعة
أيوه.
هز رأسه بالنفي.
لأ... الموضوع بدأ من قبلها بسنين.
ومد إيده بالظرف.
خديه.
فتحت سارة الظرف بسرعة.
كان فيه صور قديمة...
وأوراق...
وصورة لحسين واقف جنب وليد منصور.
لكن اللي لفت نظرها...
ورقة عليها توقيع حسين.
وتحت التوقيع مكتوب
أتعهد بسداد مبلغ 600 ألف جنيه.
سارة شهقت.
ستمية ألف؟!
سامح قال
دي نسخة... والأصل مع وليد.
يعني حسين مديون بالمبلغ ده؟
سامح سكت شوية، وقال
دي الحقيقة اللي الكل كان بيخبيها عنك.
سارة حست إن الأرض بتميد بيها.
لكنها رفعت الورقة مرة تانية...
ولاحظت حاجة غريبة.
التوقيع فعلًا توقيع حسين...
لكن...
تاريخ الورقة كان بعد سفر حسين بأسبوع كامل.
رفعت عينيها بسرعة وقالت
إزاي حسين يمضي على ورقة وهو أصلًا كان مسافر؟!
سامح ابتسم لأول مرة وقال
أخيرًا... سألتي السؤال الصح.
وفي اللحظة دي...
سمعوا صوت عربية وقفت قدام المخزن.
سامح بص من الشباك...
واتغير لون وشه.
وقال بسرعة
هما وصلوا...
ثم خطف الظرف من إيد سارة، ودفعها ناحية باب خلفي وهو بيقول
اجري... لو عرفوا إنك شوفتي الورق ده، مش هيسيبوكي تخرجي من هنا.
وتجمدت سارة مكانها لما سمعت صوت الباب الأمامي وهو بيتكسر، وصوت خطوات ناس داخلة المخزن...اتجمدت سارة للحظة، لكن سامح زقها ناحية الباب الخلفي وهو بيصرخ بصوت واطي
اجري يا سارة... بسرعة!
خرجت تجري وسط أرض فاضية ووراها صوت رجالة بيجروا.
سمعت واحد منهم بيقول
إلحقوها... الورق ما يوصلهاش!
قلبها كان هيقف من الرعب.
فضلت تجري لحد ما وصلت للطريق الرئيسي، وركبت أول تاكسي وقف لها.
أول ما ركبت، بصت وراها...
ملقتش حد.
تنفست الصعداء.
لكن بعد دقيقة...
رن موبايلها.
الرقم كان رقم سامح.
ردت بسرعة وهي بتلهث
سامح... إنت كويس؟
لكن اللي رد ماكانش سامح.
كان صوت راجل خشن قال
سامح مش هيقدر يكلمك تاني.
سارة شهقت.
إنت مين؟!
ضحك الراجل وقال
خليكي بعيدة عن اللي مالكيش فيه... وإلا هتبقي زيه.
وقفل الخط.
وصلت سارة البيت وهي مرعوبة.
أول ما دخلت لقت حسين...
واقف في الصالة.
رجع من السفر من غير ما يبلغها.
جري عليها وقال
مالك؟ وشك أصفر ليه؟
سارة فضلت تبصله ثواني.
وبعدين قالت
عايزة أسألك سؤال... وأقسم بالله تجاوبني بصراحة.
هز حسين رأسه.
اسألي.
طلعت من شنطتها صورة كانت سامح اداهالها قبل
كانت صورة حسين مع وليد منصور.
وحطتها قدامه.
وش حسين اتغير.
قال بصوت متوتر
جبتي الصورة دي منين؟
قالت بحدة
جاوب الأول... مين وليد؟ وإيه حكاية ال ألف جنيه؟
حسين قعد على الكرسي، وحط إيده على وشه.
فضل ساكت دقيقة كاملة.
وبعدين قال
أنا كنت ناوي أحكيلك... بس لما كل حاجة تخلص.
صرخت سارة
تخلص إيه؟! فلوسي راحت... وناس بتجري ورانا... وسامح ممكن يكون حصله حاجة... ولسه بتقول لما تخلص؟!
رفع حسين عينه ليها، وكانت مليانة حزن.
وقال
ال ألف دول... مش دَين عليا.
سارة عقدت حواجبها.
أمال على مين؟
أخذ نفسًا عميقًا وقال
الدين ده... على أبويا.
عمّ الصمت المكان.
حتى حماته، اللي كانت واقفة على باب المطبخ وبتسمع، وقعت منها الصينية على الأرض من هول المفاجأة.
بصت لابنها وهي بتقول بصوت مرتعش
أبوك... مات من عشر سنين يا حسين... إيه اللي بتقوله ده؟
حسين نزل رأسه وقال
وده بالضبط... السر اللي محدش يعرفه لحد النهارده سكت البيت كله.
صوت الصينية وهي بتتكسر كان آخر صوت اتسمع.
حماته كانت بتبص لحسين وكأنها أول مرة تشوفه.
وقالت بصوت مخنوق
أبوك مات وهو سايب لنا بيت صغير ومعاش... دين إيه اللي بتتكلم عنه؟
حسين أخد نفسًا طويلًا، وقال
عشان الحقيقة اللي تعرفيها... مش هي الحقيقة كلها.
سارة قربت منه وقالت
يبقى احكي... من الأول.
قال حسين
قبل وفاة أبويا بسنة، كان داخل شراكة مع واحد صاحبه في تجارة أراضي. المشروع وقع، وأبويا خسر مبلغ كبير. وقتها استلف فلوس من وليد منصور.
حماته هزت رأسها بعصبية.
مستحيل... أبوك كان بيكره الاستدانة.
قال حسين
وده اللي كنت فاكره أنا كمان... لحد ما بعد وفاته، وليد ظهرلي.
طلع من جيبه صورة قديمة، كانت مطوية من كتر الاحتفاظ بيها.
في الصورة...
والده واقف جنب وليد، وماسكين عقد.
قال حسين
وليد قالي إن أبويا مات قبل ما يسدد، وإنه مش عايز يفضح اسمه قدام الناس. وقال لي سدد على مهلك، وأنا هعتبرك مكان أبوك.
سارة سألت بسرعة
طيب ليه ما قلتليش؟
قال بحزن
لأني كنت فاكر إني هقدر أسدد من شغلي بره، ومكنتش عايز أشيلك هم.
وفجأة...
قالت حماته وهي بتضرب كف بكف
كداب!
الكل بص لها.
قالت وهي بتبكي
أبوك عمره ما وقع على أي عقد مع وليد... لأن أبوك أصلًا كان بينه وبين وليد قضية في المحكمة!
اتصدم حسين.
قضية؟!
أيوه... وفضلت سنين، وفي الآخر أبوك كسبها.
سارة حست إن كل خيط بيمسكوه بيطلع غلط.
بصت لحسين وقالت
يعني لو كلام مامتك صح... يبقى وليد ضحك عليك من البداية.
حسين قعد مكانه، وكأنه بيستوعب لأول مرة إنه ممكن يكون عاش سنين بيجري ورا دين... مش موجود أصلًا.
وفي اللحظة دي...
جرس الباب رن.
فتح حسين الباب.
لقى راجل لابس بدلة، ماسك ظرف مختوم.
قال
حضرتك الأستاذ حسين؟
أيوه.
اتفضل... ده إنذار رسمي.
استلمه حسين، وفتح الظرف بسرعة.
أول سطر خلا وشه يشحب.
سارة خطفت الورقة من إيده.
وكان مكتوب فيها
إخطار بالحضور أمام النيابة للإدلاء بأقوالكم في واقعة تزوير واستيلاء على أموال.
لكن الصدمة الحقيقية...
كانت في آخر سطر.
المبلغ محل التحقيق 700 ألف جنيه.
سارة رفعت رأسها بذهول.
وقالت
إحنا بنتكلم عن مية ألف... جابوا منين سبعمية ألف؟
ولم يجب أحد...
لأن الجميع أدرك في تلك اللحظة أن المية ألف لم تكن سوى جزء صغير جدًا من قضية أكبر بكثير، وأن اسم حسين أصبح رسميًا داخل التحقيق رجعت سارة البيت وهي ماسكة الورقة بإيد، وخاتم العقرب بالإيد التانية.
كل كلمة كتبها سامح كانت بتلف في دماغها
دوروا على الدفتر الأزرق.
حسين فجأة وقف مكانه، وكأنه افتكر حاجة.
قال الدفتر...
سارة جريت عليه.
إيه؟ تعرفه؟
هز راسه ببطء.
فاكر إن أبويا كان عنده دفتر أزرق صغير... كان بيكتب فيه كل حاجة، مواعيده، حساباته، وحتى الناس اللي بيتعامل معاهم.
حماته شهقت.
صح!
وقامت بسرعة ناحية أوضة قديمة كانت مقفولة من سنين.
قالت دي أوضة أبوكم... ومن يوم ما مات محدش لمس حاجته.
فتحوا الباب.
ريحة التراب والمكان القديم كانت مالية الأوضة.
بدأوا يدوروا في الدولاب... الأدراج... الصناديق.
ساعة كاملة...
ومفيش أي أثر للدفتر.
لحد ما حسين رفع مرتبة السرير القديمة.
وكان تحتها صندوق خشب صغير.
ابتسم وقال
لقيته.
فتح الصندوق بسرعة...
لكن الابتسامة اختفت.
الصندوق كان فاضي.
وفي قاعه...
ورقة واحدة.
سارة التقطتها.
كان مكتوب فيها بخط واضح
اللي بيدور على الدفتر... وصل متأخر.
حماته حطت إيدها على قلبها.
يعني حد سبقنا!
في نفس اللحظة...
افتكرت سارة حاجة.
التفتت ناحية حماتها وسألتها
آخر مرة مين دخل الأوضة دي؟
حماتها فكرت شوية.
وفجأة اتغير لون وشها.
فتحية...
الكل بص لها.
قبل أسبوع... قالت إنها بتنضف البيت، ودخلت أوضة أبو حسين لوحدها أكتر من نص ساعة.
سارة وحسين بصوا لبعض.
حسين قال
يبقى لازم نكلم فتحية.
اتصلوا...
لكن تليفونها كان مقفول.
راحوا بيتها...
الجيران قالوا إنها خرجت من الفجر ومعاها شنطة سفر كبيرة.
سارة حسّت إن قلبها هيقف.
هربت...
لكن وهي راجعة للعربية...
سمعت صوت طفل صغير بينادي
يا طنط...
لفتت.
كان ابن الجيران.
قرب منها ومد لها مفتاح صغير.
وقال
الطنطة فتحية قالت لو جِتوا تدوروا عليها... أديكي المفتاح ده.
سارة سألته بسرعة
مفتاح إيه؟
الولد هز كتفه وقال
معرفش... وقالت أقولك كلمة واحدة بس...
سارة انحنت ناحيته.
قال الطفل
قوليلها... الدفتر مش عندي.
أخذت سارة المفتاح، وقبضت عليه بقوة.
كان مفتاحًا قديمًا، محفورًا عليه رقم 27.
ولا أحد منهم كان يعرف...
يفتح باب إيه حسين قعد على
سارة التقطتها مرة تانية، وبدأت تقراها بهدوء.
وفجأة وقفت عند اسم مكتوب في منتصف الإخطار.
همست
الشاكي... مش وليد منصور.
رفع حسين رأسه بسرعة.
أمال مين؟
قالت وهي مش مصدقة
سامح.
الجميع اتصدم.
حماته قالت سامح؟! ده كان لسه بيساعدكم!
سارة افتكرت آخر مكالمة جتلها من موبايل سامح، والصوت الغريب اللي قالها
سامح مش هيقدر يكلمك تاني.
وقتها فهمت...
إن سامح ماكنش هو اللي قدم البلاغ.
حد استخدم اسمه.
قال حسين بسرعة لازم نروح لسامح دلوقتي.
ركبوا العربية وطلعوا على المخزن.
لكن أول ما وصلوا...
لقوه مقفول بالشمع الأحمر.
وفيه عربية شرطة واقفة قدامه.
قرب حسين من أحد الضباط وسأله
خير... إيه اللي حصل؟
الضابط رد
جالنا بلاغ إن في محاولة اعتداء حصلت هنا.
سارة سألت بلهفة
وسامح؟
الضابط قال
اختفى.
يعني إيه اختفى؟
المكان كله فيه آثار خناقة... لكن مفيش أي أثر لصاحب المخزن.
سارة حست إن رجليها مش شايلينها.
وفجأة...
واحد من العساكر خرج من جوه المخزن، وهو ماسك كيس بلاستيك شفاف.
قال للضابط
يا فندم... لقينا دي.
الضابط بص جوه الكيس.
وبعدين سأل
مين فيكم سارة؟
رفعت إيدها.
ناولهالها.
كان جواه...
خاتم العقرب.
نفس الخاتم اللي ظهر في تسجيل الكاميرا.
لكن كان معاه ورقة صغيرة مطوية.
فتحتها سارة بإيد مرتعشة.
وكان مكتوب فيها بخط سامح
أنا كنت فاكر إني بحمي حسين... لكن اكتشفت متأخر إني كنت بحمي الشخص الغلط.
لو حصلي حاجة... دوروا على الدفتر الأزرق.
كل الأسماء فيه... والفلوس... والحقيقة كلها.
سارة رفعت رأسها بسرعة.
دفتر أزرق؟
لكن مفيش حد كان يعرف هو بيتكلم عن إيه.
وفي نفس اللحظة...
كان في شخص واقف بعيد، مستخبي ورا عربية، بيتفرج عليهم.
طلع موبايله.
واتصل بحد وقال
سامح ساب لهم أول خيط...
سكت لحظة، ثم قال ببرود
الليلة دي... لازم الدفتر الأزرق يختفي قبل ما يوصلوله حسين قفل الدفتر بسرعة، وحطه جوه الظرف الكبير.
الموظف قرب منهم وقال بصوت منخفض
اسمعوني كويس... متخرجوش بالدفتر من الباب الرئيسي.
سارة سألت باستغراب
ليه؟
رد وهو بيبص من الشباك
لأن العربية اللي واقفة بره... مش عربية شرطة.
اتصدموا كلهم.
حسين قرب من الشباك بحذر.
فعلاً...
العربية كانت عليها لوجو الشرطة، لكن اللوحات المعدنية كانت مدنية.
وفيها تلات رجالة لابسين ملابس مدنية، وواحد بس لابس بدلة شبه بدلة الضباط.
قال الموظف
أنا اشتغلت هنا 35 سنة... وأعرف شكل المأموريات الرسمية. دول مش تبع الحكومة.
في اللحظة دي...
الباب الخارجي اتفتح بعنف.
وسمعوا صوت راجل بيقول
فتشوا المكان... محدش يخرج.
الموظف أشار لهم بسرعة ناحية باب خشبي صغير آخر المكتب.
من هنا.
خرج حسين وسارة وحماته من الباب الخلفي، وهم
ركبوا العربية بسرعة.
ولأول مرة من بداية القصة...
قرر حسين يفتح الفلاشة.
وصلها بالموبايل.
ظهرت ملفات كتير.
أول ملف كان اسمه
وصية.
فتحه.
ظهر فيديو قديم لوالده.
كان قاعد في نفس أوضة البيت القديمة، وباين عليه التعب.
بص للكاميرا وقال
لو الفيديو ده اتفتح... يبقى أنا غالبًا مش موجود.
سارة وحسين بصوا لبعض.
كمل